الْغَارُ المذكور في الخبر هو الذي اسْتَخْفَى فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرِ ﵁ فِي مَسِيرِهِمَا إِلَى المدينة مهاجرين، ويقال له: غار ثور، وثور من جبال مكة، وقد ينسبُ فيقال: ثور أطحل (^١)، ويذكر أنَّ اسم الجبل أطحل، وثور هو ثور بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة رهط سفيان الثوري نسب إلى ذلك الجبل لأنه نزله، ويقال: ثور أطحل غيره.
وكان ذلك الْغَارُ في منحدرٍ من الجبل أو كالنفق في الأرض والطريق فوقه، ألا ترى إلى قول أبي بكر ﵁: "لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ" وفي بعض الروايات: "نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ المُشْرِكِينَ على رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ".
وكان مُكْثُ النَّبِيِّ ﷺ وصاحبه فيه ثلاث ليالٍ، وكان يأتيهما ليلًا ابنٌ لأبي بكر ﵄، ويأتي بخبر ما يُكَادان به، ويأتيهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصِّدِّيقِ ﵁ كلَّ ليلةٍ بعد ساعة من العشاء بِرِسْلٍ، وارتحلا بعد ثلاث من الغار ومعهما عامر ودليلٌ استأجراه ليهديهما الطريق، وصرف الله المشركين بعد انتهائهم إلى الغار، وعصمهما بنسج العنكبوت على باب الغار، وبحمامتين باضتا في فمه.
وَاسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ بِالْحَدِيثِ عَلَى أُمُورٍ:
منها فَضْلُ الصِّدِّيقِ حيث قَرَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بنفسه حيث قال: "مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا" ومعناه أنَّهُ ثالثهما بالحفظ والعصمة، قالوا: وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ
_________________
(١) انظر "معجم البلدان" (٢/ ٨٦ - ٨٧).
[ ٦٦ ]
يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (^١).
ومنها عِظَمُ قَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ وارتفاع شأنه عن التَّأثُّرِ بنوائب الدنيا؛ حيث اهتمَّ أبو بكر بوصولهم إلى باب الغَارِ مُتبعين لأثرهما وخاف من اطلاعهم عليهم ولم يهتم ولم يخف رسول الله ﷺ وَثبَّتَ أبا بكر ﵁.
قَالَ المُفَسِّرُونَ: وكان كِبْرُ خَوْفِهِ لرسول الله ﷺ لَا لِنَفْسِهِ، ويُروى أنَّهُ قال لَمَّا خَافَ الطَّلَبَ: "يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ قُتِلْتُ فَأَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ أُصِبْتَ هَلَكَتِ الْأُمَّةُ".
ومنها كراهة المُكْثِ بين الذين لا يتدينون بالحقِّ ولا يمكن حملهم عليه، ومنها جواز التَّحَصُّنِ بالقلاع عند الخوف من العدو، ومنها أنَّ تمهيد الأسباب في الحاجات لا يقدح في التوكل والاعتماد على الله، ومنها أنه يجوز الأخذ بالحزم، وإظهار ظنِّ الشرِّ المتوقع من العدو، وليس ذلك من الظَّنِّ المنهي عنه؛ لأنَّ أبا بكر ﵁ قال: "لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ" ولم ينكر عليه النبي ﷺ.
وَلَكَ أَنْ تَزِيدَ وَتَحْتَجَّ بِهِ عَلَى أُمُورٍ:
مِنْهَا أنه يجوز المسافرة بالرَّفيقِ الواحدِ عند الحاجة بلا كراهة، وإن ورد: "خَيْرُ الرُّفَقَاءِ أَرْبَعَةٌ" (^٢) فإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يستصحبَّ إلَّا أبا بكر.
وَمِنْهَا أنه يجوز لأحد الرفيقين أن يظهر لصاحبه خوفه مما يخاف منه؛ ليخفف عن نفسه ببثِّ الشكوى وليكون صاحبه واقفًا على الحال مستعدًّا لدفع ما عَساهُ
_________________
(١) التوبة: ٤٠.
(٢) رواه ابن ماجه (٢٨٢٧) من حديث أنس بن مالك. قال صاحب "مصباح الزجاجة" (١٠٠٥): إسناده ضعيف.
[ ٦٧ ]
يَعْرِضُ
وَمِنْهَا أنه ينبغي للمشكو إليه أن يُسَكِّنَ جأش الشَّاكي، ويَعِده الجميلَ من الله تعالى ويحثّه على حسن الظَّنِّ به.
وَمِنْهَا أنه يجوز إطلاق اللَّفظ على المجاورة والقرب؛ فإنه قال: "لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ" وأراد: لأبصرنا من تحت قدميه أو قريبين مما تحت قدميه.
وَمِنْهَا استعمالُ الأدبِ في المخاطبة بالكنية، حيث قال: "يَا أَبَا بَكْرٍ".
وَمِنْهَا أنه يجوز التكنية بأبي فلان وإن لم يكن للمكنى ابن مُسمّي بذلك الاسم؛ إذ لم يكن لأبي بكر ابنٌ يُسمى بكرًا.
أَنَبَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَبَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَبَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَبَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْوَرَّاقُ، أَنَبَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا عَمْرُو بَنُ زِيَادٍ، حدثَنَا غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: "قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، قُلْ حَتَّى أَسْمَعَ".
قال: قلت: [بسيط]
وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ الْمُنِيفِ وَقَدْ … طَافَ العَدُوُّ بِهِ إِذْ صَاعَدَ الْجَبَلَا
وَكَانَ حِبَّ رَسُولِ اللهِ قَدْ عَلِمُوا … مِنَ الْخَلَائِقِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ بَدَلَا
فَتَبَسَّمَ رَسُولُ الله ﷺ (^١).
_________________
(١) "مستدرك الحاكم" (٣/ ٦٧) كما رواه من طريقه الرافعي.
[ ٦٨ ]
وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي:
[طويل]
فَخُصَّ بذِكْرِ اللهِ خَيْرَ مَغَارِ … وَلَا تَتَغَافَلْ عَن هُجُومِ مُغَارِ
وَكُنْ حَذِرًا مِنْ غَيْرَةِ اللهِ وَاسْتَقِمْ … لَدْيهِ لَئِلَّا تُبْتَلَى بِصَغِارِ
آخر المجلس الثاني والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد خير خلقه
* * * * *
_________________
(١) وفيه عمرو بن زياد، قال الذهبي في "التلخيص": عمرو بن زياد يضع الحديث.
[ ٦٩ ]