ذكر أئمة التفسير تفريعًا على اختصاص اسم الرحمن بالله تعالى:
إنَّ الرحمن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى، وأرادوا بعموم معنى الرحمن أنه رحمن باعتبار النعم العاجلة وهي تَعُمُّ المؤمن والكافر، وبعموم لفظ الرحيم وقوعه على غير الله تعالى، وبخصوص معناه أنه رحيم باعتبار النعم الآجلة وهي تختصُّ بالمؤمنين؛ وكذلك قيل في الدعاء: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.
قالوا: والذي روي أنَّ شاعرهم قال لمسيلمة: [بسيط]
سَمَوْتَ فِي المَجْدِ يَا ابْنَ الْأَكْرَمِينَ أَبَا … وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَي لَا زِلْتَ رحْمَانَا
لا يقدح فيما ذكرنا من اختصاص الاسم، لأنه كان يقال له رحمان اليمامة كما مرّ، والشاعر يفعل ما لا يفعله غيره فحذف المضاف إليه (^١).
_________________
(١) قال الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٥٨٧): وما ورد من رحمان اليمامة غير وارد؛ لأنه مضاف، وقول شاعرهم: "وأنت غيث الوري لازلت رحمانًا" تغالي في الكفر وليس بوارد؛ لأنَّ الكلام في أنه لم يُسَم به أحد ولا يرد إطلاق من أطلقه وصفًا؛ لأنه لا يستلزم التسمية بذلك، وقد لقب غير
[ ٧٦ ]
وعن الحسين بن الفضل (^١) أنَّ سبب اختصاص اسم الرحمن بالله تعالى دون الرحيم: أنَّ الرحمن الذي يرحم صاحب الضُّرِّ ويملك كشفه وإدامته، والرحيم الذي يرقّ ويرحم لا غير، فالرحمن رحيم ولا ينعكس.
وقيل: سببه أنهم أرادوا بالرحمن ذا الرحمة الدائمة أو الرحمة العامة وهو الذي تسع رحمته كل شيء وليس ذلك إلَّا لله تعالى.
واختلفوا في أنَّ اسم الرحمن هل كانوا يعرفونه ويستعملونه في الجاهلية:
فعن الكسائي وطائفة: نعم، ونقلوا في شعرٍ جاهليٍّ: [طويل]
أَلَا قَطَعَ الرَّحْمَنُ مِنْهَا يَمِينَهَا
وعن عبد الرحمن بن كيسان وأحمد بن يحيى ثعلب وغيرهما: أنَّ العرب ما كانت تعرفه في الجاهلية، وكان يختص به أهل الكتاب، وعلى ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ (^٢) الآية، وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (^٣).
وفي الحديث بَيَانُ فَضِيلَةِ العطف والرحمة على الْخَلْقِ، وفي الْعَطْفِ على عامة الْخَلْقِ فَضْلٌ كَثِيرٌ.
قَرَأْتُ على الْإِمَامِ أحمد بن إسماعيل، أَنْبَأَكُمْ عبد المُنْعِمِ بن عبد الْكَرِيمِ، ثنا
_________________
(١) واحد الملك الرحيم، ولم يقع مثل ذلك في الرحمن، وإذا تقرر ذلك كانت إضافة العبودية إلى كل منهما حقيقة محضة فظهر وجه الأحبية، والله أعلم.
(٢) هو العلامة المفسر الإمام اللغوي المحدث الحسين بن الفضل بن عمير أبو علي البجلي الكوفي ثم النيسابوري. انظر "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٤١٤).
(٣) الفرقان: ٦٠.
(٤) الإسراء: ١١٠.
[ ٧٧ ]
والدي، ثَنَا أبو عبد الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أنبا عبد الله بن محمد الرَّازِيُّ، ثنا محمد بن عبد الرحمن، ثَنَا خالد بن الْهَيَّاجِ، ثَنَا أبي، عن الْحَسَنِ بن دِينَارٍ، عن خَصِيبِ بن جَحْدَرٍ، عن النَّضْرِ، عن أبي أسماء، عن ثَوْبَانَ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ أَرْفَعَكُمْ دَرَجَةً فِي الجَنّةِ أَشَدُّكُمْ رَحْمَةً لِلْعَامَّةِ" (^١).
وقوله: "يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ" مجزومٌ على جواب الأمر بمعني: ارحموا لترحموا، وقوله: "يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ" يمكن حمله على الملائكة يعني: أنهم يرحمون العاطفين بالاستغفار لهم، ويدلُّ عليه ما روي في بعض الروايات: "ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ" (^٢).
ويمكن أن يقال: المعنى يرحمكم الله تعالى الذي في السماء أمره وحكمه (^٣) كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (^٤).
يُوَافِقُهُ حديث جَرِيرِ بن عبد الله أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا
_________________
(١) قال الذهبي في "الميزان" (٨/ ٢٠١): روى الرافعي في المجلس الثالث في "أماليه" … فذكره ثم قال: واجتمع في إسناده جماعة من الضعفاء فهو من رواية خالد، عن أبيه، عن الحسن بن دينار، عن الْخَصِيبِ، وكلهم ضعفاء.
(٢) رواها الحاكم (٤/ ١٧٥).
(٣) هذا تأويل، وأمر الله تعالى وحكمه في السماء والأرض، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. ومعنى الحديث: ارحموا من في الأرض يرحمكم الله الذي في السماء، فالله سبحانه على عرشه استوي، والعرش فوق السماء فهو سبحانه فوق السماء، واعتقاد أهل السنة والجماعة أن الله تعالى على الذات على خلقه كماله علو القهر وعلو الشأن، سبحانه هو العلي العظيم.
(٤) الملك: ١٦.
[ ٧٨ ]
يَرْحَمْهُ الله" (^١).
وحديث أبي هُرَيْرَةَ أن النبي ﷺ قال: "لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ" (^٢).
وحديث أُسَامَةَ بن زَيْدٍ أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله لَا يَرْحَمُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا الرُّحَمَاءَ" (^٣).
وفي الحديث تَرْغِيبٌ ظَاهِرٌ في صلة الرَّحِمِ، وَتَرْهِيبٌ من الْقَطِيعَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ: بِالْهَدِيَّةِ إلى الأقارب وَالزِّيَارَةِ وَالاِسْتِزَارَةِ، والقيام بِالْأَشْغَالِ السَّانِحَةِ، وَبِقَضَاءِ الحاجات، وَبِالْإِعَانَةِ فيها، وَبِالمُكَاتَبَةِ عند الْغَيْبَةِ ونخوها، وَقَطْعُ الرَّحِمِ بِأَضدادِهَا.
وقوله: "شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ" يجوز أن يقال: معناه أنَّ بين لفظتي الرحمن والرحم اشْتِبَاكًا وَتَقَارُبًا في الاِشْتِقَاقِ على ما اشْتُهِرَ في الْخَبَرِ عن رسول الله ﷺ أن الله تعالى قال: "أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ" وَيُرْوَي: "اشْتقَقْتُ لها من اسمي فمن وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ ومن قَطَعَهَا بَتَتُّهُ" (^٤) وَفَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بأن الرحمن وَالرَّحِمَ مُشْتَقَّانِ من الرَّحْمَةِ؛ فقال الله تعالى: "أَنَا الرَّحْمَنُ" لأن رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شيء "وَهِيَ الرَّحِمُ" لأن صِلَتَهَا تُوجِبُ الرَّحْمَةَ، فمن رَاعَي حَقَّ الرَّحِمِ أَكْثَرْتُ خَيْرَهُ، ومن أَغْفَلَهُ حَرَمْتُهُ الْخَيْرَ.
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣٧٦)، ومسلم (٢٣١٩/ ٦٦).
(٢) رواه أبو داود (٤٩٤٢)، والترمذي (١٩٢٣)، وابن حبان (٤٦٦)، والحاكم (٤/ ٢٧٧). قال الترمذي: حسن، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (٧٤٦٧).
(٣) رواه البخاري (٥٦٥٥) ضمن حديث.
(٤) رواه أبو داود (١٦٩٤)، والترمذي (١٩٠٧) وابن حبان (٤٤٣)، والحاكم (٤/ ١٧٤) من حديث عبد الرحمن بن عوف، وقال الترمذي: حديث صحيح.
[ ٧٩ ]
ويجوز أن يكون قوله: "شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ" على معنى أنَّ الرحم علقة ولحمة مشتبكة أثبتها الله تعالى وأمر بصلتها، وعلى هذا فقوله: "مِنَ الرَّحْمَنِ" أي: من أمره وحكمه، وقد يشعر به أنه روي في بعض الروايات: "الرَّحِمُ شِجْنَةً مِنِّي … " (^١) وفي رواية عائشة ﵂: "الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الله فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ الله" (^٢) فليس في الروايتين لفظ "الرَّحْمَن".
وفي الأخبار والآثار في صلةِ الرَّحِمِ كَثْرَةٌ.
وَقَرَأْتُ على محمد بن أحمد النَّيْسَابُوريِّ، أَنَبَا عبد الرَّحْمَنِ بن عبد الصَّمَدِ، أَنَبَا أبو سَعِيدٍ الْحِيرِيُّ، أَنَبَا أبو الْحَسَنِ الطَّرَازِيُّ، أَنَبَا الْأَصَمُّ، ثَنَا محمد بن عَوْفٍ، ثَنَا صالح بن محمد، ثَنَا صالح بن نُوحٍ، ثَنَا ابن أَبي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ ﵁ قال: قال رسول ﷺ: "صِلُوا أَرْحَامَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَبْقَى لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" (^٣).
وَأَنَبَا أبو بكر الضَّرِيرُ المُقْرِئُ بقراءة والدي رحمهما الله، أَنَبَا إسماعيل بن محمد، أَنَبَا سَعْدُ بن الْحَسَنِ، أَنَبَا عَلِيُّ بن إبراهيم، أَنَبَا مُحَمَّدُ بن يَحْيَى، ثَنَا أبو
_________________
(١) رواه أبو يعلى (٧١٩٨) من حديث عامر بن ربيعة. قال الهيثمي (٨/ ٢٧٤): رواه الطبراني وأبو يعلى. وفيه عاصم بن عبيد الله ضعفه الجمهور.
(٢) رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٥٥)، والحاكم (٤/ ١٧٥)، والبيهقي (٧/ ٢٦) وصححه الألباني.
(٣) رواه الطبري (٤/ ٢٢٧) عن قتادة مرسلًا، ولم أقف على من وصله عن أنس بهذا اللفظ، والله أعلم. وروى ابن حبان (٤٣٦) عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال في مرضه: "أرحامكم أرحامكم". وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٨٩٤). وروي الحديث بلفظه عن ابن عباس، رواه عبد بن حميد (٥٧٧).
[ ٨٠ ]
خَلِيفَةَ، ثَنَا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثَنَا جُوَيْرِيَةُ بن أسماء، عن مَالِكٍ، عن الزُّهْرِيِّ.
وأَنَبَا عاليًا أحمد بن الْحُسَيْنِ، أَنَبَا أحمد بن سَعْدٍ، أَنَبَا إبراهيم بن عَلِيٍّ، أَنَبَا الْحَسَنُ بن أحمد، أَنَبَا أحمد بن سُلَيْمَانَ، أَنَبَا عَلِيُّ بن حَرْبٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا الزُّهْرِيُّ، عن محمد بن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ، عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ" (^١).
أَنْبَأَنَا رَجَبُ بن مَذْكُورِ بن أَرْنَبَ قال: أَنْشَدَنَا أبو عبد الله كثير بن سَعِيدِ بن الْحَسَنِ بن شَمَالِيقَ قال: أَنْشَدَنَا أبو الْفَضَائِلِ محمد بن أحمد بن عبد الْبَاقِي بن طَوْقٍ قال: أَنْشَدَنِي الْقَاضِي أبو عَلِيٍّ محمد الْمَعْرُوفُ بِزورَانَ لِنَفْسِهِ: [طويل]
أَيَا ذَا الَّذِي يُرْجَي وُيُطْلَبُ فَضْلُهُ … وَيَا ذَا الَّذِي يُخْشَى وَيُرْهَبُ عَدْلُهُ
تَطَوَّلْ بِإِحْسَانٍ إِلَيَّ وَرَحْمَةٍ … عَلَيَّ وَجُدْ ليِ بِالَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ
وفي الحكايات أن بعضهم قال في الْمُنَاجَاةِ ما مَعْنَاهُ: إلهي وَسِعَتْ كُلَّ شيء رحمتك، وَعَمَّتِ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ نِعْمَتُكَ، فإن كنت شيئا فَاجْزلْ لي من رَحْمَتِكَ النَّصِيبَ، وإلا فقد عَظُمَتْ مُصِيبَتِي ومن رَحِمَ الْمُصَابَ فهو مُصِيبُ.
وَأُنْشِدُكُمْ في هذا الْمَعْنَى لِنَفْسِي: [كامل]
إِنْ كُنْتُ شَيْئًا رَبِّ فَاسْمَحْ بِالْمُنَي … مِنْ رَحْمَةٍ قَدْ عَمَّتِ الْأَشْيَاءَ
أَوْ لَمْ أَكُنْ شَيْئًا فَلَيْسَ بِضَائِرٍ … أَنْ تَشْمَلَ مُقْلَةً عَمْيَاءَ
آخر المجلس الثالث من أماليه، والحمد لله رب العالمين
* * * * *
_________________
(١) رواه البخاري (٥٩٨٤)، ومسلم (٢٥٥٦) من طريق الزهري.
[ ٨١ ]