قوله: "عَلَّمَنَا رَسُولُ الله ﷺ خُطْبَةَ الصَّلَاةِ" قد يسبق إلى الفهم منه الخطبة المضمومة إلى الصلاة إما فرضًا في الجمعة أو استحبابًا كما في العيدين، لكن في سائر الروايات ما يدل على أنه لم يُرِدْ ذلك وإنما أراد التشهد، ففي رواية ابن ماجه (^٤) بالإسناد السابق: "عَلَّمَنَا خُطْبَةَ الصَّلَاةِ وَخُطْبَةَ الْحَاجَةِ، خُطْبَةُ الصَّلَاةِ: التَّحِيَّاتُ لله … إلى آخر التشهد، وَخُطْبَةُ الْحَاجَةِ: الْحَمْدُ لله نَحْمَدُهُ ".
وفي الحديث بيان أنَّ الأدبَ والمستحبَّ تقديم الخطبة أمام الحاجات من النكاح وغيره؛ لما فيه من التَّبَرُّكِ بذكر اسم الله تعالى وذكر رسوله، والتَّفاؤلِ
_________________
(١) البقرة: ٤٥.
(٢) انظر "السبعة في القراءات" (ص ٢٢٦)، "الحجة في القراءات السبعة" (ص ١١٨).
(٣) القصص: ٨١.
(٤) "سنن ابن ماجه" (١٨٩٢).
[ ١٠٠ ]
بالافتتاح بالحمد لتكون عاقبة الأمر محمودة، وكان رسول الله ﷺ إذا أراد إعلام القوم حدوث حادثٍ كقدوم وفدٍ أو بشارتهم بخبر سار أو تنشيطهم لغزوٍ خَطَبَ.
وفيه بيان ما عليه مدار الخطب في الشريعة وهو حمد الله تعالى، وكلمتا الشهادة، والموعظة والوصية بالتقوى، ففي الآيات الثلاث أمر بالتقوى والسداد في القول وتنبيه على ما نِيطَ بهما من إصلاح العمل وغفران الذنب.
وفيه بيان أنه يجوز استعمال آيات القرآن في المخاطبات والمحاورات من غير أن يضاف إلى القرآن أو يحكي عن قول الله تعالى.
والخطبة في الحديث على قصر ألفاظها كاملة المعاني، وجملها مرتبة أحسن ترتيب، فالوصية مؤخرة عن الحمد والتشهد؛ لأن ذكر الله تعالى وذكر رسوله أحق بالتقديم؛ ولأنهم إذا أصغوا إلى الثناء على الله وتذكروا ما أنعم به عليهم وأعانهم عليه مما فيه إصلاح معاشهم ومعادهم وما قصروا به في أداء حقوقه ودعتهم شرور نفوسهم إليه على خلاف أمره، وتفرده بالهداية والإضلال، وما وفقهم له من التوحيد، ومَنَّ عليهم ببعثة الرسول؛ كانت الوصية أشد تأثيرًا فيهم، والوعظ أنفع لهم.
والحمد لله تعالي مقدم على ما سواه؛ لأنه الأول فالثناء عليه والشكر له أولى بأن يجعل أولًا، ثم نعم الله تعالى دارَّة على العبد قبل أن يحمده العبد بل قبل أن يتأهل للحمد، فحق عليه أن يفتتح الكلام بالحمد شكرًا لتلك النعم، ثم إذا أتمّ النعمة عليه في الآخرة استأنف حمدًا آخر، فيقع الحمد تارةً أولًا، ولذلك افتتح النطق به أبو الناس عند إصابة العطاس وتارةً أخرى ولذلك يقول الله تعالى:
[ ١٠١ ]
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١).
ومن نِعَمِ الله تَعَالَى أن سَهَّلَ على عِبَادِهِ الشُّكْرَ بأن جَعَلَ هذه الْكَلِمَةَ شُكْرُ كل نِعَمِهِ على ما ورد في الْخَبَرِ، وَصَيَّرَهَا من عِظَمِ الشَّأْنِ ملء الْمِيزَانِ.
قَرَأْتُ على والدي ﵀ قال: أَنَبَا أحمد بن الْحُسَيْنِ، أَنَبَا عبد المَلِكِ بن عبد الله، أَنَبَا محمد بن إبراهيم المُزَكِّي، أَنَبَا أبو عَمْرِو بن مَطَرٍ، أَنَبَا أحمد بن داود السِّمْنَانِيُّ، ثَنَا هُدْبَةُ، ثَنَا أَبَانُ بن يَزِيدَ، عن يَحْيَى بن أبي كثير، أن زَيْدًا حَدَّثَهُ، أن أبا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ، عن أبي مالك الأَشْعَرِيِّ، عن رسول الله ﷺ قال: "الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمان والحمد لله تَمْلَأُ الْمِيزَانَ" (^٢).
ولما كانت النِّعَمُ كُلُّهَا مِنَ الله تعالى قيل: الحمد لله بالألف واللام على النظم المشير إلى الاستغراق كما يقال: القضاء في البلد لفلان.
وَأُنْبِئْنَا عن محمد بن الفضل، عن أبي عُثْمَانَ الصَّابُونِيِّ قال: أَنْشَدَنَا أبو الْعَلَاء بِمَعَرَّةِ النُّعْمَانِ لِنَفْسِهِ: [بسيط]
مَحْمُودٌ (^٣) الله وَالمَسْعُودُ خَائِفُهُ … فَعَدِّ عَنْ ذِكْرِ مَحْمُودٍ وَمَسْعُودِ
مَلْكَانِ لَوْ أَنَّنِي خُيِّرتُ مُلْكَهُمَا … وَعُوْدَ صُلْبٍ أَشَارَ الْعَقْلُ بِالعْودِ
ومن مَشْهُورِ الكلام أن الإنسان إِمَّا أن يَكُونَ في رَخَاءٍ وَنِعْمَةٍ أو بَلَاءٍ وَشِدَّةٍ؛ فَإِنْ كان في نِعْمَةٍ فَحَقُّهُ أن يَحْمَدَ الله تعالى عليها، أو شِدَّةٍ فَأَنْ يَحْمَدَهُ بأن صَرَفَ
_________________
(١) يونس: ١٠.
(٢) رواه مسلم (٢٢٣) من طريق أبان بن يزيد العطار.
(٣) في ديوانه: محمودنا.
[ ١٠٢ ]
وَزَوَى ما هو أَشَدّ منها.
وَأُنْشِدُكُمْ لنفسي مَنْظُومَ هذا الْمَعْنَى: [بسيط]
إِنْ كُنْتَ فِي الْيُسْرِ فَاحْمَدْ مَنْ حَبَاكَ بِهِ … فَلَيْسَ حَقًّا قَضَى لَكِنَّهُ الْجُودُ
أَوْ كُنْتَ فِي الْعُسْرِ فَاحْمَدْهُ كَذَلِكَ إِذْ … مَا فَوْقَ ذَلِكَ مَصْرُوْفٌ وَمَرْدُودُ
وَكَيْفَمَا دَارَتِ الْأَيَّامُ مُقْبِلَةٌ … وَغَيْرَ مُقْبِلَةٍ فَالْحَمْدُ مَحْمُودُ (^١)
آخر المجلس الخامس والحمد لله رب العالمين والصلاة على نبيه محمد وآله
* * * * *
_________________
(١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: السبكي في "طبقات الشافعية" (٨/ ٢٨٦)، ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٣٣٢).
[ ١٠٣ ]