كان عمرو بن عَبَسَةَ ﵁ قد آمن أولًا، فلما انتهى إلى حضرة النبوة ثانيًا سأل عن الصلاة؛ لأنَّ الصلاة تلو الإيمان، ولم يسأل بقوله: "أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ" عن كيفيتها ولو سأل عنها لم يكن الجواب مطابقًا، فكأنه كان قد بلغته الكيفية وعرف أن الصلاة خير موضوع فمن شاء استقلَّ منه ومن شاء استكثر، فأراد أن يعرف وقت فعلها فقال: "أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ" أي: عن شأنها فيما يرجع إلى وقت الفعل والترك، والجواب يشمل الأوقات الخمسة المكروهة على رواية من روي: "حَتَّي تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ" ثم سأل بعد الصلاة عن الوضوء، وإن كان الوضوء
[ ١١٥ ]
وسيلة إلى الصلاة؛ لأنَّ المقصود هو الذي يخطر أولًا ثم يقع النظر في المقدمات والوسائل، ولذلك قيل: أول الفكر آخر العمل.
والحديث يَدُلُّ على أن الوضوء في نفسه عبادة يُثَابُ عَلَيْهَا، وأنه لِلذَّنْبِ مُكَفِّرٌ كما أنه لِلْحَدَثِ مُطَهِّرٌ، وإذا وُصِلَ به الصلاة زَادَ الثَّوَابُ وَالدَّرَجَاتُ.
أنبا والدي سَمَاعًا وَإِجَازَةً، أنبا سَعْدُ الخير، أنبا أبو بكر التَّمَّارُ، أنبا أبو الْقَاسِمِ السِّمْسَارُ، أنبا حمزه الدِّهْقَانُ، أنبا عبد الْكَرِيمِ بن الْهَيْثَمِ، ثنا عبد الله بن جَعْفَرٍ، ثنا عُبَيْدُ الله بن عَمْرٍو، عن زَيْدِ بن أبي أُنَيْسَةَ، عن عَدِيِّ بن ثَابِتٍ، عن أبي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَطَهَّرَ في بيته ثُمَّ مَشَى إلى بَيْتٍ من بُيُوتِ الله لِيُؤَدِّيَ فريضة الله عليه فَخَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةُ والأخرى تَرْفَعُ دَرَجَةً" (^١).
وإذا وَقَعَ الوضوء كَامِلًا كما أَمَرَ الله تعالي به وَنَدَبَ إليه كَانَتِ الصلاة الْمُؤَدَّاةُ به أَبْلَغَ في جَلْبِ الْحَسَنَاتِ وَتَكْفِيرِ السِّيِّئَاتِ.
قَرَأْتُ على عبد الْوَاحِدِ بن عَلِيِّ بن محمد قال: أَنَبَا محمد بن الْحَسَنِ الطُّوسِيُّ قال: أَنَبَا عبد الْوَاحِدِ بن الْفَضْلِ، أنبا محمد بن أحمد الْحَدَّادِيُّ، ثنا محمد بن عبد الْوَاحِدِ السِّمْنَانِيُّ، أنبا عُبَيْدُ الله بن محمد، ثَنَا أبو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، ثنا عَلِيُّ بن الجَعْدِ، ثنا شُعْبَةُ، عن جَامِعِ بن شَدَّادٍ قال: سَمِعْتُ حُمْرَانَ يُحَدِّثُ أبا بُرْدَةَ في مسجد الْبَصْرَةِ وأنا قَائِمٌ معه، أنه سَمِعَ عُثْمَانَ بن عفان ﵁ يُحَدِّثُ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ الله تعالى فَالصَّلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ" (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم (٦٦٦/ ٢٨٢) من طريق عبيد الله.
(٢) "مسند ابن الجعد" (٤٧٢) كما رواه من طريقه الرافعي.
[ ١١٦ ]
وكانوا كما يَحْتَاطُونَ في الوضوء الذي هو مُقَدِّمَةُ الصلاة وَيُرَاعُونَ مَأْمُورَاتِهِ يَحْتَاطُونَ في تَحْصِيلِ الْمَاءِ الَّذي هو مُقَدِّمَةُ الْوُضُوءِ وَيَتَوَخَّوْنَ الإِخْلَاصَ وَالاجْتِهَادَ فِيهِ.
قَرَأْتُ على عَلِيِّ بن عبيد الله قال: أنبا محمد بن عبد العزيز الزَّعْفَرَانِيُّ إِجَازَةً قال: أنبا الْقَاضِي أبو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بن عَلِيٍّ الصَّفَّارُ، ثنا أبو عبد الله الْحُسَيْنُ بن جَعْفَرٍ الْجِرْجَانِيُّ قال: ثنا أبو بكر أحمد بن محمد الْحَدَّادُ بِتِنِّيسَ وَمُسْلِمُ بن الْفَضْلِ الآدَمِيُّ بِمِصْرَ قالا: ثنا محمد بن عُثْمَانَ قال: ثنا عبد الله بن عُمَرَ بن أَبَانَ قال: ثنا النَّضْرُ بن مَنْصُورٍ، عن أبي الْجَنُوبِ (^١) قال: رأيت عَلِيًّا ﵁ يَسْتَسْقِي الْمَاءَ لِطُهُورِهِ فَبَادَرْتُ أَسْتَسْقِي له فقال: مَهْ يا أبا الْجَنُوبِ فإني رَأَيْتُ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ يَسْتَسْقِي الماء للوضوء فَبَادَرْتُ أَسْتَسْقِي له فقال: مَهْ يا أبا الْحَسَنِ فإني رَأَيْتُ رسول الله ﷺ يَسْتَسْقِي الْمَاءَ لَوُضُوئِهِ فَبَادَرْتُ أَسْتَسْقِي له فقال: "مَهْ يا عُمَر أو يا ابن الخَطَّابِ فَإِنِّي لا أُرِيدُ أن يُعِينَنِي على صَلَاتِي أَحَدٌ" (^٢).
_________________
(١) والحديث رواه مسلم (٢٣١) من طريق شعبة.
(٢) في س، د: زيد أبي الجنوب. وهو خطأ، وأبو الجنوب اسمه عقبة بن علقمة اليشكري الكوفي. راجع "تهذيب الكمال" (٢٠/ ٢١٣) وملحقاته،
(٣) رواه أبو يعلى (٢٣١)، والبزار كما في "مجمع الزوائد". قال الهيثمي (١/ ٢٢٧): أبو الجنوب ضعيف. وقال البوصيري في "اتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة" (٥٤٣): هذا إسناد ضعيف؛ لضعف أبي الجنوب، واسمه عقبة بن علقمة. قلت: وفيه أيضًا النضر بن منصور، قال الذهبي في "المغني في الضعفاء" (٦٦٤٨): مجهول، وقد ضعفه النسائي وغيره.
[ ١١٧ ]
وقوله: "وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ" كلمةٌ سهلةٌ في المعتاد ومعناه صعبُ المنالِ، وتفريغ القلب لله تعالى هو إحضاره الذي هو سِرُّ الصلاة وتصفية الوقت والإخلاص الذي هو روح العبادات، ويروي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَلَا يُكْتَبُ لَهُ سُدْسُهَا وَلَا عُشْرُهَا، وَإِنَّمَا يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِنْ صَلَاتِهِ مَا عَقَلَ مِنْهَا" (^١).
وما لَمْ يفرغ القلب لله تعالى لا يتمكن فيه تعظيم الله تعالى، والالتذاذ بذكره، واتباع أمره، ولا يمتلئ من رجائه وخوفه فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وقال قائلهم: [طويل]
أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الْهَوَى … فَصَادَفَ قَلْبًا فَارِغًا فَتَمَكَّنَا
والمقصود من التفريغ مِمَّا سواه أن يمتلئَ بِهِ.
ذُكر أنَّ الله تعالى أوحي إلى موسي ﵇: "فرغ لي (بيتًا) (^٢) أسكنه" وأراد به قلبه.
_________________
(١) وقد روى البخاري (٢٠٣)، ومسلم (١٤٩) من حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عن رسول الله ﷺ أنه خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فيها مَاءٌ، فَصَبَّ عليه حين فَرَغَ من حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ على الْخُفَّيْنِ. قال النووي ﵀ في شرح مسلم: وفي هذا الحديث دَلِيلٌ على جَوَازَ الاسْتِعَانَة في الوضوء. وقد ثَبَتَ أَيْضًا في حديث أُسَامَة بْن زَيْد ﵁ أنه صَبَّ على رسول الله ﷺ في وُضُوئِهِ حين انْصَرَفَ من عَرَفَة. وقد جَاءَ في أحاديث لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ النَّهْي عن الاسْتِعَانَة. أهـ.
(٢) رواه أبو داود (٧٩٦)، وابن حبان (١٨٨٩) عن عمار بن ياسر بنحوه. وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (١٦٢٦).
(٣) في د: شيئًا.
[ ١١٨ ]
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ (^١) فارغًا إلَّا من ذكر موسي كأنَّه لامتلائه بذكره لم يسع غيره.
واللَّام الدَّاخلة في قوله: "لِلَّهِ" قد تكون بمعنى الملك والاستحقاق كقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (^٢)، وقول الواحد مِنَّا: الحمد لله، وقد تكون لام العلة كقول المصلي: أُصلي لله أي: لأمره أو طلبًا لرضاه.
ويمكن تنزيل قوله: "وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لله" على الوجهين أما على الأول فالمعنى أنه فَرَّغَهُ ليصير لله أو جعله خالصًا لله، وأما على الثاني فالمعنى أنه فرغه لأمر الله تعالى بذلك وطلب به رضاه ورحمته، وعلى المصلي الاجتهاد في دفع الشواغل ما أمكنه، فإن لم يتيسر التفريغ في جميع الصلاة فلا ينبغي أن تخلو عنه جميع الصلاة، وحقٌّ على مَنْ عرف مِنْ ربه أن بيده الخير وله الخلق والأمر لا غير أن يفزع إليه في الحاجات ويفرغ له القلب في المناجاة ولا أن يعتز بمن سواه ويعتز به وبما أولاه.
وقد أنبأنا أحمد بن إسماعيل، أنبا أبو زيد الْفَزَارِيُّ (^٣) سَمَاعًا أو إِجَازَةً، أنبا عَلِيُّ بن مُحَمَّدٍ، أنبا عبد الرحمن بن محمد الْفَامِيُّ، أنبا الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ محمد بن حَبِيبٍ قال: أَنْشَدَنِي أبو سَعِيدٍ محمد بن سَعِيدٍ الْقَزْوِينِيُّ الصُّوفِيُّ ﵀: [وافر]
_________________
(١) القصص: ١٠.
(٢) البقرة: ٢٨٤.
(٣) في د: الفراوي. والمثبت من س. وهو محمد بن الفضل بن علي أبو زيد الفزاري. ترجمته في "التدوين في أخبار قزوين" (١/ ١١٦).
[ ١١٩ ]
أَلَا بِالله جَاهِي وَاعْتِرَازِي … وَمَا أَحَدٌ سِوَاهُ بِهِ أُبَاهِي
وَفِي عِصْيَانِهِ ذُلِّي وَجُبْنِي … وَعِزِّيِ فِي مُجَانَبَةِ الْمَنَاهِي
وَأُنْشِدُكُمْ هذه الرُّبَاعِيَّةَ وليست هي بِسَمَاعِيَّة:
يَا مَنْ هُوَ لِلْحَقِّ وَدُوْدٌ وَوَصُولُ … الْعارِفُ فِي السُّلُوكِ بالله يَصُولُ
وَاسْتَغْنِ بِهِ وَكُنْ لَهُ وَارْضَ وَثِقْ … بِالله فَمَا لِمَنْ سِوَاهُ مَحْصُولُ
آخر المجلس السادس، والحمد لله رب العالمين وصلواته على نبيه محمد وآله وصحبه
* * * * *
[ ١٢٠ ]