لما كان العبادُ مأمورين بإقامة العبادات تعظيمًا للمعبود، وكانت الصلاة أفضل العبادات وأكثرها تكررًا، دُعُوا إليها أولًا باللفظة الدالة على الكبرياء والعظمة فقال لهم المؤذنون: الله أكبر الله أكبر، ثم أمروا بالدخول فيها بكلمة التكبير، وقرر أمرها بأن يأتوا بها في انتقالات الصلاة على التكرير لعلهم ينتبهوا لمعناها مرة فيوفّوا حق الطاعة بحسب الاستطاعة، ويأتوا بواجب التعظيم على قدر الطاقة التي تمتد إليها أيدي أولي الضعف والفاقة، ثم أمروا بعد الدخول في الصلاة بأن يفتتحوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى شكر نعمة الله تعالى حيث أهَّلَهُم لمناجاته وتلاوة آياته وأذن لهم في الثناء عليه والقيام بين يديه.
وفي كلمة: "رب العالمين" ثناءٌ كاملٌ وبيان أنَّ الكلَّ في تربيته قائمون به ومحتاجون إلى نِعَمِهِ، وأنه الوافي ميعاده والقاهر فوق عباده.
ويُروي عن شعر عبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁: [وافر]
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ … وأنَّ النَّارَ مَثْوَى الكَافِرينَا
وَأَنَّ العَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ … وَفَوقَ العَرْشِ رَبُّ العَالِمَينَا
_________________
(١) لم أجده من حديث أبي ذر. ورواه أحمد (٢/ ٣١١)، والبيهقي (٢/ ١٢٠)، والطبراني في "الأوسط" (٥٢٧٥) ضمن حديث من رواية أبي هريرة ﵁. قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٧٨٨): وإسناد أحمد حسن. وكذا حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.
[ ١٤٥ ]
وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ شِدَادٌ … مَلائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوَّمِينَا (^١)
وهذه الفوقيَّةُ هي فوقيَّةُ العظمة والاستغناء في مقابلة ضعة الموسومين بِسِمَةِ العجز والفناء (^٢)، فالخليقة على اختلاف الأحوال خاضعون له بلسان الحال أو المقال، والعابدون عن حقِّ عبادته قاصرون، والشاكرون في واجب شكره مُقَصِّرون.
وفي هذا المَعْنَى أَقُولُ: [كامل]
الْعَالَمُونَ ضَعِيفُهُمْ وَقَوِيُّهُمْ … لِجَلَالِ عِزَّتِهِ سُجُودٌ رُكَّعُ
لَوْ كُلِّفُوا أَنْ يَعْبُدُوهُ عُمْرَهُمْ … حَقَّ الْعِبَادَةِ لَحْظَةً لَتَكَعْكَعُوا (^٣)
وإن شِئْتَ قُلْتَ: خُضَّعٌ وَتَضَعْضَعُوا
هذا آخر المجلس الثامن من أماليه والحمد لله رب العالمين والصلاة على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين
* * * * *
_________________
(١) روي هذا في قصةٍ مشهورةٍ له مع زوجته، قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": رويناها من وجوهٍ صحاحٍ وذلك أنه مشى ليلة إلى أَمَةٍ له فنالها وفطنت له امرأته فلامته فجحدها، وكانت قد رأت جِماعَهُ لها فقالت له: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن فالجنب لا يقرأ القرآن فقال … ثم ساق الأبيات.
(٢) قلت: إن لله تعالى فوقية القهر وفوقية العظمة وفوقية الذات، فإذا أضيفت الفوقية إلى العرش علم أنها فوقية الذات. والله أعلم.
(٣) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٣٣٢ - ٣٣٣).
[ ١٤٦ ]