حَقُّ على من عرفَ سرعةَ تقلُّب القلبِ وتبدُّلِ أحواله، وتَحَقَّقَ تفاوت حظِّهِ من الأخلاقِ الحسنةِ والسيئةِ، وتَيَقَّنَ أنَّ ذلك كلَّهُ من تدبيرِ اللَّطيف الخبيرِ، وأنَّ بيد الرحمن ميزان ما شان وما زان؛ أن يُكْثِرَ الالتجاء إليه، ويطلب السعادة والخير مما عنده ولديه، على ما قال ﷺ إثر ذكر القلب: "يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ" وأن ينقِّيَ قلبه عن الشَّهوات الداثرة، وعن طلب الدنيا بعمل الآخرة.
روي عن عمر ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ (^٢) أذهب عنها الشهوات.
وعن الحسن: إن طلب الدنيا بعمل الآخرة موت القلب، وإذا صفي القلب انفتح بصره الذي يدعي البصيرة وصار كالمرآة يتمثل فيه كل شيء (^٣).
عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ أَنَّهُ قَالَ: في وجه الإنسان عينان يُبْصِرُ بهما أمر دُنْيَاهُ، وفي قلبه عينان يُبْصِرُ بهما أَمْرَ آخِرَتِهِ، فإذا أراد الله بِعَبْدٍ خيرًا فَتَحَ عَيْنَيْهِ التي في قلبه،
_________________
(١) بقي على المؤلف إثبات أن الله تعالى يدًا ليست كأيدي المخلوقين، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] وقال تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص: ٧٥].
(٢) الحجرات: ٣.
(٣) رواه ابن المبارك في "الزهد" (١٥١٤) بنحوه.
[ ١٥٦ ]
وإذا أَرَادَ به غير ذلك لم يَفْتَحْهَا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (^١).
وكَمَا أَنَّ صَاحِبَ الْبَصَرِ الظَّاهِرِ إذا لَمْ يَفْتَحْ أَجْفَانَهُ أو ذهب عُمْرُهُ في ظُلْمَةٍ ضَاعَتْ عَيْنُهُ وَنُورُهَا، فَصَاحِبُ الْبَصِيرَةِ الْبَاطِنَةِ إذَا لَمْ تَنْفَتِحْ أَجْفَانُ بَصِيرَتِهِ ضَاعَ قَلْبُهُ وبَطَلَتْ فائِدَتُهُ، وَسَبِيلُ مَنْ أَشْرَفَ قَلبُهُ وَنُورُ بَصِيرَتِهِ على الضَّيَاعِ أَنْ يَسْتَغِثَ بِالرَّحْمَنِ رَجاء أَن يَتَدارَكَ أَمْرَهُ بِالرَّحْمَةِ والاِصْطِنَاعِ، وَيَتَضَرَّعَ بِمَا أَنْشَدَ عَبْد اللهِ بْنُ الْحَسَنِ الْفَقِيرُ: [بسيط]
لَوْ شِئْتَ دَاوَيْتَ قَلْبًا أَنْتَ مُسْقِمُهُ … وَفِي يَدَيْكَ مِنَ الْبَلْوَى سَلَامَتُهُ
إِنْ كَانَ يُجْهَلُ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ حُرَقٍ … فَدَمْعُ عَيْنِي عَلَى خَدِّي عَلَامَتُهُ
وَقَرَأْتُ على والدي ﵀ قَالَ: أَنَبَا هِبَةُ الرَّحْمن قَالَ: أَنَبَا أبو سَعِيدٍ قَالَ: أنَبَا السُّلَمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أبَا نَصْرٍ الطُّوسِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبَا الطَّيِّب الْعَكِّيَّ يقُولُ: ذُكِرَ لي أَنَّ سَمْنُونَ كان جَالِسًا على الشَّطِّ وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ يَضْرِبُ به فَخِذَهُ وَسَاقَهُ حَتَّى تَبَدَّدَ لَحْمُهُ وَهُوَ يَقُولُ: [مديد]
كَانَ لِي قَلْبٌ أَعِيشُ بِهِ … ضَاعَ مِنِّي فِي تَقَلُّبِهِ
رَبِّ فَارْدُدْهُ عَلَيَّ فَقَدْ … ضَاقَ صَدْرِي فِي تَطَلُّبِهِ
وأَغِثْ مَا دَامَ بِي رَمَقٌ … يَا غِيَاثَ الْمُسْتَغيثِ بِهِ (^٢)
وَمَن الْتَجَأَ إِلَيْهِ فَلَمْ يُقْبَلْ ولَمْ يُفْتَح لَه البَابُ فَقَد قَضَى عَلَيْهِ ما عَلَيْهِ، ولم يَلُمْ نَفْسَهُ إذَا استْقبَلَهُ مَا بَينَ يَدَيْهِ.
_________________
(١) محمد: ٢٤.
(٢) "طبقات الصوفية" لأبي عبد الرحمن السلمي (ص ٦٦) كما رواه من طريقه الرافعي.
[ ١٥٧ ]
عَلَى المَرْءِ أَنْ يَسْعَي وَيَبْذُلَ جُهْدَهُ … وَيَقْضِي لَهُ الرَّحْمَنُ مَا كَان قَاضِيَا (^١)
على أنَّه أَكْرَمُ من أنْ يُخَيِّبُ الَّذي رجَاهُ ولا يُجِيبَ الَّذِي دَعَاهُ، فَاصْدُقْ فِي الاِسْتِعَانَةِ وَالْإِنَابَةِ وَلَا تَرْتَبْ فِي الْإِغَاثَةِ وَالْإِجَابَةَ.
ونَظَمتُ في خِلالِ تَلفيقِ الفَصْلَيْنِ الأَخِيرَينِ اليَومَ:
[خفيف]
رَبَّنَا لَا تُزِغْ وَلَا تَخْذُلْ … قَلْبَنَا الْمُطْمَئِنَّ بِالْإِيمَانْ
وَأَقِلْنَا عِثَارَنَا كَرَمًا … وَاصْطَنِعْنَا بِرَحْمَةٍ وَأَمَانْ
رُبَّ قَلْبٍ أُزِيغَ بَعْدَ هُدًى … الْأَمَانَ الأَمَانَ يَا رَحْمَنْ
آخر المجلس التاسع، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم
* * * * *
_________________
(١) البيت من الطويل وهو لإبراهيم بن المهدي، انظر "التمثيل والمحاضرة" (ص ٣)، "المستطرف في كل فن مستظرف" (٢/ ١٢٧).
[ ١٥٨ ]