قوله: "وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي فَعَوَّذَنِي يَوْمًا" فيه إشعارٌ ظاهرٌ بأنَّهُ عاده مرة بعد مرة، والعيادةُ من سنن رسول الله ﷺ وآدابه التي أمرَ بها.
قَرَأْتُ عَلَى أَحْمَد بن الْحُسَيْنِ الْعَطَّارِ، أَنَبَا أَبُو بَكْرٍ الدَّاغُونِيُّ، أَنَبَا مُحَمَّد بن أَبِي نَصْرٍ الْحُمَيْديُّ.
وأَبَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الْبَاقِي، عن الْحُمَيْدِيِّ، أَنَبَا أبو الْقَاسِم عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُظَفَّرِ، أَنَبَا أَحْمَد بن مُحَمَّدٍ الذَّارعُ، ثَنَا أبو بِشْرٍ الدُّولَابِيُّ، ثَنَا مُحَمَّد بن بشَّارٍ، ثَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عن الأَشْعَثِ، عَن مُعَاوِيَةَ بن سُوَيْدِ بنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ بِسَبْعٍ: أَمَرَنَا باتِّباع الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرْضَي، وتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعي، ونُصْرَةِ المَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِم، وَرَدِّ السَّلَامِ (^١).
وَيُسْتَحَبُّ لِلْعَائِدِ أَنْ يَتَلَطَّفَ وَيَرْفُقُ بِالْمَرِيضِ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ والسُّؤَالِ عَنْ
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٠٣٩) من طريق محمد بن بشار، ورواه البخاري (١٢٣٩)، ومسلم (٢٠٦٦) كلاهما من طريق الأشعث.
[ ١٦٦ ]
حَالِهِ وَتَطْيِيبِ نَفْسِهِ:
فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مِنْ تَمَامِ الْعِيَادَةِ أَنْ تَضَعَ عَلَى المَرِيضِ يَدَكَ فَتَقُولُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ كَيْفَ أَمْسَيْتَ؟ " (^١).
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى مَرِيضٍ فَنَفِّسُوا فِي أَجَلِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَهُوَ يُطَيِّبُ نَفْسَهُ" (^٢).
وقوله: "أَعُوذُ بِكَ" الباء في "بِكَ" باء التعدية، والمعنى: أعوذك أو أعيذك، وبلفظة "أُعِيذُكَ" روي أبو بكر السُّنِّي الحديث في "يوم وليلة" (^٣) والحافظ
_________________
(١) رواه العقيلي (٣/ ٦١) وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٥٣٥) من طريق عبد الأعلى بن محمد التاجر عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة بتمامه. قال العقيلي: عبد الأعلى بن محمد التاجر يروي عن يحيى بن سعيد بواطيل لا أصول لها. وقال الحافظ في "لسان الميزان" (٣/ ٣٨٢): روي عن يحيى بن سعيد الأنصاري مناكير لا يتابع عليها ولا أصول لها. ثم ذكر منها هذا الحديث. ورواه الترمذي (٢٧٣١) بنحوه قَالَ: "تَمَامُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ أَنْ يَضَعَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ قَالَ عَلَى يَدِهِ، فَيَسْأَلُهُ كَيْفَ هُوَ". قال الترمذي: إسناده ليس بالقوي، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (٣٦٦٨).
(٢) رواه الترمذي (٢٠٨٧)، و"ابن ماجه" (١٤٣٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٢١٣) من طريق موسي بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي سعيد الخدري. قال الترمذي: حديث غريب. وقال البيهقي: موسي بن محمد بن إبراهيم يأتي من المنكرات بما لا يتابع عليه والله أعلم. وقال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٨٧٠): هذا حديث لا يصح، قال يحيى: محمد بن إبراهيم ليس بشيء لا يكتب حديثه، وقال الدارقطني: متروك. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٨٤) فقال: ضعيف جدًّا.
(٣) "عمل اليوم والليلة" (٥٥٢).
[ ١٦٧ ]
البيهقي (^١).
والباء في قوله: "بِالْأَحَدِ" صلة العياذ.
وقوله: "فَبَرِأْتُ فَشَفَانِيَ اللَّهُ" يشبه أن يريد بالبرء مبادئ الصحة والقوة، وبالشفاء نهايتها، ويمكن أن يقال: البُرْءُ نعمة محبوبة، وليس في قوله: "بَرَأْتُ" ذكر المنعم، فلما قال: "فَبَرأْتُ"، قَالَ: "فَشَفَانِيَ اللَّهُ" ليضيف النعمة إلى المنعم وذلك نوع من الشكر.
وكتب بعضهم "فَقَرَأْتُ" بدل "فَبَرِأْتُ" وهذا إن كان عَنْ تَثَبُّتٍ فقوله: "فَعَوَّذَنِي" أي ألقى عليَّ الكلمات لأَتَعَوَّذَ بِهَا، كما رُوِيَ أنَّ عثمان بن أبي العاص الثَّقَفِيَّ شَكَا إلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ، قَالَ: "ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ" وَيُرْوَي: "بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ" (^٢).
وقوله: "تَعَوَّذْ بِهِنَّ فَمَا تَعَوَّذْتُمْ بِمِثْلِهِنَّ" يدل على فضيلة هذه العُوذَةِ.
وَوَرَدَتْ كَلِمَاتٌ أُخَر يُعَاذُ بِهَا الْمَرِيضُ:
فَعَن رِوَايَةِ عَائِشَةَ (^٣) وأَنَسٍ (^٤) ﵄: "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ (أَذْهِبِ) (^٥) البَاسَ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافَي إِلَّا أَنْتَ، اشْفِ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سُقْمًا".
وَعَنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ
_________________
(١) الذي في "الدعوات الكبير": أعوذك. والله أعلم.
(٢) رواه "مسلم" (٢٢٠٢).
(٣) رواه "البخاري" (٥٦٧٥)، "مسلم" (٢١٩١).
(٤) رواه "البخاري" (٥٧٤٢).
(٥) في س: مُذهب.
[ ١٦٨ ]
يَشْفِيَكَ" (^١).
وَعَن رِوَايَةِ سَلْمَانَ: "شَفَى اللَّهُ سُقَمَكَ وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَعَافَاكَ فِي دِيْنِكَ وَجِسْمِكَ إِلَى مُدَّةِ أجَلِك" (^٢).
وَعَن رِوَايَةِ عَبْد الله بن عَمْرٍو: "اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى صَلَاةِ" (^٣).
وفي افتتاحِ العُوذةِ بالتَّسْمِيَةِ تَيَمُّنٌ وَتَبَرُّكٌ بِهَا، وإشارةٌ إلى أنَّهُ يحسن لمن طلب كشف الكروب في الدنيا وغفران الذنوب في العقبي أن يدعو ربه على التعظيم باسميه الرحمن الرحيم ليكشف عنه بالرحمة ما أصابه من الغمة، ومن عهد ذكره اليوم واتخذ عند الرحمن عهدًا، فسيحشر غدًا في المتقين إليه وفدًا إذا عُرِضَ عليه
_________________
(١) رواه أبو داود (٣١٠٦) والترمذي (٢٠٨٣)، وابن حبان (٢٩٧٥). وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٥٧٦٦).
(٢) رواه الحاكم (١/ ٧٣٤) من طريق شعيب بن راشد بياع الأنماط، ثَنَا أبو هاشم الرماني، عن زاذان، عن سلمان. ورواه ابن السني (٥٤٧) من طريق شعيب بن أبي راشد عن عمرو بن خالد عن أبي هاشم. قال ابن أبي حاتم وسأل أبا حاتم عنه فقال: حدث بثلاثة أحاديث بإسناد واحد عن عمرو بن خالد منكرة، فقلت: ما تقول فيه؟ قال: هو شيخ مجهول. وعمرو بن خالد الواسطي: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: متروك الحديث، ليس بشيء. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: كذاب غير ثقة، ولا مأمون. وقال إسحاق بن راهويه، وأبو زرعة: كان يضع الحديث. وقال أبو حاتم: متروك الحديث، ذاهب الحديث، لا يشتغل به.
(٣) رواه أبو داود (٣١٠٧)، وابن حبان (٢٩٧٤)، والحاكم (١/ ٤٩٥). وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٦٨١).
[ ١٦٩ ]
وأتاه يوم القيامة فردًا فسيجعل له من فضله وُدًّا.
وفي التَّفاسير أنَّ فارعة أخت أمية بنت أبي الصلت أنشدت رسول الله ﷺ من شعر أخيها فيما أنشدت: [خفيف]
عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ تُعْرَضُونَ عَلَيهِ … يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَالسِّرَارَ الْخَفِيَّا
يَوْمَ يَأْتِي الرَّحْمَنُ وَهُوَ رَحِيمٌ … إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيَّا
يَوْمَ تَأْتِيهِ مِثْلَ مَا قَالَ فَرْدًا … ثُمَّ لَا بُدَّ رَاشِدًا أَوْ غَوِيَّا
رَبِّ إِنْ تَعْفُ فَالْمُعَافَاةُ ظَنِّي … أَوْ تُعَاقِبْ فَلَمْ تُعَاقِبْ بَرِيَّا
وهذه الباء الواقعة في أول التسمية تسمى باء الإلصاق لإلصاقها الفعل بالمفعول، والفعل محذوف فيها، وكأن حذف الفعل للتنبيه على أن كل فعل ينبغي أن يكون بالله ولله، ولا يختص ذلك ببعض الأفعال حتى تخصص بالذكر، وكأنَّ الذاكر إذا استغرق في الذكر يقول: بك أتمسك، وبذكرك أتبرك، وعليك أتوكل، وبأسمائك أتوسل، وذكرك أُديم، وعلى بابك أُقيم.
وَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِمَا أَنْشَدْتُكُم لِنَفْسِي: [طويل]
أَقِيمَا عَلَى بَابِ الرَّحِيم أَقِيمَا … وَلَا تَنِيَا في ذِكْرهِ فَتَهِيمَا
وَللِنَّفَحَاتِ الطَّيِّبَاتِ تَعَرَّضَا … لَعَلَّكُمَا تَسْتَنْشِقَانِ نَسِيمَا
هُوَ الرَّبُّ مَنْ يَقْرَعْ عَلَى الصِّدْقِ بَابَهُ … يَجِدْهُ رَءُوفًا بِالْعِبَادِ رَحِيمًا (^١)
آخر المجلس العاشر بحمد الله ومنه وفضله، والحمد لله وحده، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وسلم
_________________
(١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٣٣٣).
[ ١٧٠ ]