"الْغَارُ" الْكَهْفُ في الْجَبَلِ، وإن شئت قلت: النَّقْبُ العظيم فيه، والجمع: الغِيْرَان، وتصغيره "غُوَيْرٌ" ويقال للغار: مُغَارٌ ومَغَارَةٌ أيضًا، ويقال: إنَّ أصلَ الكلمة: الاِطمئنانُ في الأرض والبعدُ فيها، والغَوْرُ: الأرضُ المطمئنةُ، وَقَعْرُ كُلِّ شَيْءٍ: غَوْرُهُ، ويقال للفم والفرج: الغَارَان، والغَارُ في غير هذا الجيش، وأيضًا ضربٌ من الشَّجَرِ، وأيضًا الغيرة.
وقوله: "مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ" اثنان من عدد المذكر، واثنتان للمؤنث والألف فيها ألف وصل، وقد يقطعهما الشاعر كما قال:
أَلَا لَا أَرَى إِثْنَيْنِ أَحْسَنَ شِيمَةً … عَلَى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنِّي وَمِنْ جُمْلِ (^٢)
_________________
(١) في د: المسافر.
(٢) البيت من الطويل، وهو لجميل، انظر: "صبح الأعشى" (٢/ ٣٠١)، "لسان العرب"، "تاج العروس" (ثني).
[ ٦٢ ]
وقوله: "اللهُ ثَالِثُهُمَا" اللهُ أَشْهَرُ أَسْمَاءِ الرَّبِّ تعالى، وَاخْتَلَفُوا فِيِه من جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: في أَصْلِهِ. وفيه ثلاثة مذاهب:
أَظْهَرُهَا: إِنَّ أصله "إله" على وزن إمامٍ وكتابٍ، ثم أدخلوا عليه الألف واللَّامِ فقالوا: "الإله" ثم حذفت الهمزة طلبًا لِلْخِفَّةِ لكثرة وقوع الكلمة في الكلام واحتياج الهمزة في خلال الكلمة إلى ضغطة شديدة، ونقلت حركتها بعد حذفها إلى لام التعريف فبقي "اللاه" بلامين متحركتين ثم سكنت الأولى وأدغمت في الثانية ليسهل التفوه بالاسم فقيل "الله".
وَالثَّانِي: عن المبرد، وجوز سيبويه أنَّ أصله "لَاهٌ" كجارٍ ودارٍ، أو "لَوْهٌ" كجورٍ ودورٍ، فقلبت واوه ألفًا ثم ألحق به الألف واللام للتعريف فقيل "الله" فعلى هذا فاللام الأولى لام التعريف والثانية فاء الكلمة، ومن القائلين بهذا القول من قال: أصله "لاها" بالسُّرْيانية فطرحت العرب المدة من آخره.
وَالثَّالِثُ: عن بعضهم أنَّ أصل الكلمة "ها" الكناية، وذلك لأنَّ الخلق بالفطرة شاهدون بأنَّ لهم خالقًا ومُدَبِّرًا مفطورون على الالتجاء إليه عند الشدائد، فأشاروا إليه ب "هو" إذ لم يعلموا له اسمًا موضوعًا، ثم أدخلوا عليه لام الملك فصار "له" أي: له الخلق والأمر، ثم مدّوا الصوت بالكلمة تبجيلًا وتعظيمًا فصار "لاه" ثم أدخلوا عليه الألف واللام للتعريف.
ثُمَّ إِنَّهُمْ على الاختلاف في أصله قالوا: أشبعت حركة اللام وفُخِّمَتْ حتى طبق اللسان الحنك تَفخيمًا، وليفرق بينه وبين اللات عند الوقف على قول من يقف عليه بالهاء.
وَالثَّانِيَةُ: هَذَا الاِسْمُ مَوْضُوعٌ أَوْ مُشْتَقٌّ؟
[ ٦٣ ]
فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا وهو أشهر الروايتين عن الخليل: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلمًا وَدَلِيلًا عَلَى القَدِيمِ الَّذِي تَمَّتْ قُدْرَتُهُ وَعَمَّتْ عَظَمَتُهُ لَا يُطْلَبُ لَهُ اشْتِقَاقٌ وَسَبَبٌ.
وهذا ما اختاره أكابر العلماء منهم: الحسين بن الفضل البجلي، ومحمد بن إسماعيل القَفَّالُ الشَّاشِيُّ، والحسين بن الحسن الْحَلِيمِيُّ، وأبو القاسم بن حبيب، وأحمد بن الحسين الْبَيْهَقِيُّ، ومن هؤلاء من يجعل الألف واللام من نفس الكلمة ولا يجعلهما للتعريف، ويحتجُّ عليه بأنَّهما يجتمعان مع حرف النداء حتى يقال يا الله، ومنهم من يقول: قد يدخلان في الأعلام عباس والعباس وحسين والحسين.
وَالثَّانِي: إِنَّه مُشْتَقٌّ والألف واللَّام داخلتان للتعريف واجتمعتا مع حرف النداء بخلاف ما في سائر الأسماء؛ لأنَّهم قصدوا تفخيم هذا الاسم فوقفوا على حرف النِّداء، ثم ابتدءوا بالاسم.
ثم أكثر هؤلاء فيما منه اشتقاق الكلمة؟
فقيل: هي من الإلاهة وهي العبادة، وفي قراءة ابن عباس ﵁ "ويذرك وإلاهتك".
"والتَّأَلُّةُ" التَّعَبُّدُ سُمِّيَ به لأنه المستحقُّ للعبادة، ويحكي هذا عن النضر بن شميل.
وَقِيلَ: هِيَ مِنْ قَوْلِهِمْ: "أَلِهْتُ إلى فُلَانٍ" أي: فَزِعْتُ إِلَيْهِ وَاعْتَمَدْتُ عَلَيْهِ، سُمِّىَ بِهِ لَأنَّ الْخَلْقَ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ النَّوَازِلِ، ويروى هذا عن ابن عباس ومقاتل.
وَقِيلَ: من "أَلِهِ الشَّيْءَ يَأْلَهُ أَلَهًا" إذا تَحَيَّر، وأصله "وَلِهَ يَوْلَهُ" سُمِّيَ به لأنَّ
[ ٦٤ ]
الْقُلُوبَ تَتَحَيَّرُ عِنْدَ التَّفَكُّرِ فِي عَظَمَتِهِ وَتَعْجَزُ عَنْ بُلُوغِ كُنْهِ جَلَالِهِ.
وقِيلَ: من "الوَلَه" وَهُوَ الْحَيْرَةُ وَذَهَابُ الْعَقْلِ مِنْ شَدَّةِ الْوَجْدِ، يُقَالُ: "وَلَه ولَهَا ووَلَهَانًا"، "وَامْرَأَةٌ وَالِهٌ وَوَالِهَةٌ"، "وَنَاقَةٌ وَالِه": إِذَا اشْتَدَّ وُجْدُهَا على وَلَدِهَا، "وَالْمِيلَاهُ": الَّتِي اعْتَادَتْ شِدَّةَ الْوَجْدِ.
ومن قال بهذا قال: أصل "إلَهٍ" "وِلَاةٌ" فقلبت الواو همزة كوِشَاح وإِشَاح ووقتت وأقتت، سُمِّيَ به لَأَنَّ الخلق يَوْلَهُون عند ذكره لمحبتهم له.
"وإِلَهٌ" على هذه الأقوال فِعَالٌ بمعني مَفْعُول، كقولهم: "إِمَامٌ" للَّذِي يؤتمُّ به. ومنهم من قال: إنَّ الكلمة من "لَاهَ يَلُوهُ لَوْهًا"، ويقال أيضًا: "يَلِيهُ لَيْهًا". وَفُسِّرَ "لَاهَ" بِمَعْنَيَيْنِ:
أحدهما: ارْتَفَعَ، ومنه قيل للشمس: "إِلْهَةٌ" بلا ألف ولام، وَالْإِلَاهَةٌ بالألف واللام، سُمِّيَ بِهِ لِعَظَمَتِهِ وَعُلُوِّهِ.
والثاني: احْتَجَبَ وَتَسَتَّرَ، سُمِّيَ به لأنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ.
والاشتقاق من "لَاهَ" يتفرَّع على قول من قال: أصل الكلمة لَاهٌ أَو لَوْهٌ، كأنه يقول: لَاهٌ أَوْ لَوْهٌ معناه: ذُو لَوْهٍ كما يقال: رَجُلٌ مَالٌ أي: ذُو مَالٍ.
وقوله ﷺ: "ثَالِثُهُمَا" يقال: ثَلَثْتُ الْقَوْمَ أَثْلِثُهُمْ بالكسر إذا كُنْتَ ثَالِثَهُمْ أَوْ كَمَّلْتَهُمْ بِنَفْسِكَ ثَلَاثَةً، وكذلك تقول إلى العشرة، لكن تقول: أربَعُهم وأسبَعُهم وأتسَعُهم، ولا تكسر لحرف الحلق، وكذلك يقوله: كانوا تسعة وعشرين فَثَلَثْتُهُمْ أي: كملتهم ثلاثين، ويقال: هو ثاني اثنين، وثالث ثلاثة على الإضافة ولا يُنَوَّن، فإن اختلف اللَّفظان فلك أن تضيف فتقول: ثالث اثنين ورابع ثلاثة، وأن تنوِّن فتقول: ثالثٌ اثنين ورابعٌ ثلاثة.
[ ٦٥ ]
وَيُقَالُ: ثَلَثْتُ الْقَوْمَ أثْلُثُهُمْ بالضَّمِّ أي: أَخَذْتُ ثُلُثَ مَالِهِمْ.