قوله: "أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ" يجوز أن يحمل على المشهور بمعنى الظن ويجوز أن يحمل على اليقين، وقد يرد الظن بمعنى اليقين كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ (^٣).
وقوله: "يُخْبِرُ أَخْبَارًا" يعني أخبارًا تناسب ما ظننته من ضلالة عُبَّادِ الأوثان، فارتحلت إليه لأبحث عما عنده.
_________________
(١) البقرة: ٢٨١.
(٢) انظر "سير أعلام النبلاء" (٢١/ ترجمة ٩٤)، "التدوين في أخبار قزوين" (٢/ ١٤٤).
(٣) البقرة: ٤٩.
[ ١١٢ ]
وقوله: "فإذا رَسُولُ الله ﷺ مُسْتَخْفِيًا" أي: صادفته أو ما أشبه ذلك، وَالْمُسْتَخْفِي: المُتَوَارِي، وَالاخْتِفَاءُ: الإِخْرَاجُ.
وقوله: "جُرَآءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ" أي: غالبون متسلطون غير هائبين له، جمع جَرِيءٍ وهو الْجَسُورُ.
وقوله: "إِنِّي مُتَّبِعُكَ" أي مصاحب وملازم لك، وليس المراد الاتباع إيمانًا، ولو أراد ذلك لما أَخَّرَهُ ولما قال: "لا تَسْتَطِيعُ ذلك يَوْمَكَ هَذَا".
وقوله: "قَدْ ظَهَرْتُ" يجوز أن يُحْمَلَ على البروز؛ لأن قد سبق ذكر الاستخفاء، ويجوز أن يحمل على الغلبة والعلو يقال: ظَهَرَ على الرجل أي: غلبه، وظَهَرَ على السطح أي: علاه وظهره أيضًا.
وقوله: "أَتَحَيَّنُ الأَخْبَارَ" أي: أرقب حينها، يقال: تَحَيَّنَ طعامه أي: وقت أكله.
وقوله: "مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ" يمكن أن يُجْعَلَ قوله: "من أهل الْمَدِينَةِ" بدلًا وتفسيرًا لأهل يثرب، ويمكن أن يقدر أن لسانه سبق إلى لفظ يثرب ثم أعرض عنه لما روي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غير الاسم لما فيه من التَّثْرِيبِ وسماها (طابةً) (^١) فتداركهـ باللفظة الأخرى (^٢).
وقوله: "ثُمَّ أَقْصِرْ عن الصَّلَاةِ" أي: أَمْسِكْ، يقال: أَقْصِرْ عن الشيء أي: كُفَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ (^٣) والمقصود الصلاة التي تكره في أوقات الكراهة لا كل صلاة على ما هو مبينٌ في المذهب.
_________________
(١) في د: طيبة. وكلاهما مروي.
(٢) رواه أحمد (٥/ ٩٦، ١٠٦).
(٣) الأعراف: ٢٠٢.
[ ١١٣ ]
وقوله: "حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ" أي: عند الطلوع إلى الارتفاع وهذا أحد أوقات الكراهة، وفي بعض الروايات وتنسب إلى الْجُلُودِيِّ: "حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ" وهو صحيح المعنى أيضًا أي: أقصر بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس بل حتى ترتفع، ويشتمل ذلك وقتين من أوقات الكراهة.
وقوله: "بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ" قيل: قَرَنَاهُ: نَاحِيتَا رَأْسِهِ، ويذكر أنه يدني رأسه حينئذٍ من الشمس ليكون الساجد لها ساجدًا له، وقيل: الْقَرْنُ: الْقُوَّةُ، أي: تطلع حين يقوي الشيطان ويتسلط، وذلك لنفوذ وسوسته وإغوائه عابديها.
وقوله: "مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ" أي: تحضرها الملائكة ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (^١).
وقوله: "حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ" أي: حتى يتراجع الظل ويتناهي نقصانه ويقل.
وقوله: "تُسْجَّرُ جَهَنَّمُ" الأغلب في اللفظ التشديد، ويروى "تُسْجَرُ" بالتخفيف، يقال: سَجَرَ التَّنُّور يَسْجُرُهُ أي: أحماه، وكأن التشديد للتكثير، ويقال: المعنى أنها تملأ نارًا كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (^٢): ملئت.
وقوله: "فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ" أي: أقبل من جهة المغرب إلى المشرق وتحول إليه.
والْوَضُوءُ بفتح الواو: الماءُ الذي يتوضأ به.
وقوه: "فَيَنْتَثِرُ" يقال: نَثَرَ وانْتَثَرَ واسْتَنْثَرَ إذا حرك النَّثْرَة وهي طرف الأنف؛
_________________
(١) الإسراء: ٧٨.
(٢) التكوير: ٦.
[ ١١٤ ]
وذلك لاستخراج ما فيه، وفي اللفظ دليل على أن الاستنثار غير الاستنشاق خلافًا لقول من فَسَّر الاستنثار بالاستنشاق.
وقوله: "إِلَّا خَرَّتْ" أي: سقطت فذهبت، ويروي "جَرَتْ" بالجيم وتخفيف الراء أي: جرت مع الماء، وجاء في غير هذا الحديث: "خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مَعَ المَاءِ".
وقول أبي أمامة لعمرو: "انْظُرْ مَا تَقُولُ" ليس على وجه الاتهام لكنه توكيد واستثبات منه.
وَقَدِ اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ على ثَلَاثِ جُمَلٍ:
إحداها: بيان ابتداء شأن الرسول ﷺ.
والثانية: بيان أوقات الكراهة.
والثالثة: بيان الوضوء وثوابه.
وأورده الحافظ أبو نعيم الحداد في "الجمع بين الصحيحين" كذلك مفرقًا في الأبواب الثلاثة.