[ ١٢٨ ]
قوله ﷺ: "ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ" فيه دليلٌ على جواز التوسع باستعمال الاستعارات إذ ليس للإيمان في الحقيقة طعمٌ يذاق، وهو كناية عن إدراك لذَّةِ الإيمان والإحساس بها، ويقرب منه قوله: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ" (^١).
وقوله "رَضِيَ بالله رَبًّا" يقال: رضيتُ فلانًا صاحبًا وبه صاحبًا أي: حمدت صحبته، ووافقني أمره، والمعنى مَنْ رضي بالله مالكًا وسيدًا قاهرًا فلم يعترض على حكم من لا يضام ولم يجزع ولم يضطرب مما أجرى من الأحكام، أو رضي بالله مُرَبِّيًا ومبلغًا النعمة حدَّ التمام، وجامعًا للناس وباقيًا بعد فناء الأنام، وحقيق بمن رضي به مالكًا وسيدًا وَمُرَبِّيًا ومتمًّا للنعمة أن يعرض عن تصرفه وتدبيره، ولا يعترض على حكمه وتدبيره، والرضا بما أُمِرَ العبدُ بالرضا به من قضاء الله تعالى أصل عظيم في الدين.
أَنْبَأَنَا والدي، عن أبي أَسْعَدٍ الْقُشَيْرِيِّ قال: ثنا محمد بن أحمد الطَّبَسِيُّ قال: ثَنَا أبو سَعِيدٍ قال: أنبا عبد الرحمن قال: أنبا أبو يَحْيَى الْبَزَّازُ. قال: ثَنَا أحمد بن حَفْصٍ قال: حَدَّثَنِي إبراهيم بن سَالِمٍ، ثَنَا هِشَامٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابن عَبَّاسٍ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أَوَّلَ شَيْءٍ كَتَبَهُ الله في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: بسم الله الرحمن الرحيم إنه من اسْتَسْلَمَ لِقَضَائِي ورضي بِحُكْمِي وَصَبَرَ على بَلَائِي؛ كَتَبْتُهُ صديقا وَبَعَثْتُهُ مع الصديقين" (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٢١)، ومسلم (٤٣) من حديث أنس بن مالك.
(٢) قال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٥٤٢٩): موضوع. وقال: أخرجه الديلمي في مسند الفردوس.
[ ١٢٩ ]
وقالت المشايخ ﵏: الرضا بالقضاء باب الله الأعظم.
وفسَّرَهُ الأستاذ أبو القاسم القشيريُّ بأنَّ من أُكْرِمَ بالرضا فقد لُقِيَ بالتَّرحيب الأوفي، وَشُرِّفَ بالتَّقريب الأعلى.
ويجوز أن يُفَسَّرَ أنَّ الباب الأعظم من أبواب الوصول يدخل منه الخواص المكرمون بالقبول؛ ولذلك قال الأستاذ أبو علي الدقاق: طريق السالكين أطول وهو طريق الرياضة، وطريق الخواص أقرب لكنه أشق وهو العمل بالرضا والرضا بالقضاء.
وَاعْلَمْ أن الناس في الرِّضَا بِالْقَضَاءِ ثَلَاثَةُ أصناف:
فَقَوْمٌ يُحِسُّون بالبلاء وَيَكْرَهُونَهُ لكنهم يَصْبِرُونَ على حُكْمِهِ، وَيَتْرُكُونَ تَدْبِيرَهُمْ وَنَظَرَهُمْ حبا لله تعالى؛ لأن تدبير العقل لا يَنْطَبِقُ على رُسُومِ الْمَحَبَّةِ والهوى، قال قَائِلُهُمْ:
لَنْ يَضْبِطَ الْعَقْلُ إِلَّا مَا يُدَبِّرُهُ … وَلَا تَرَى لِلْهَوَى فِي العَقْلِ تَدْبِيرَا
كُنْ مُحْسِنًا أَوْ مُسِيْئًا وَابْقَ لِي أَبَدًا … فَكُنْ لَدَيَّ عَلَى الْحَالَيْنِ مَشْكُورَا (^١)
وَفِرْقَةٌ ثانية يَضُمُّونَ إلى سكون الظاهر سُكُونَ القلب بالاجتهاد والرياضة وإن أَتَى الْبَلَاءُ على أنفسهم بل: [بسيط]
يَسْتَعْذِبُونَ بَلَايَاهُمْ كَأَنَّهُمُ … لَا يَيْأَسْونَ مِنَ الدُّنْيَا إِذَا قُتِلُوا
ولذلك قال ذُو النُّونِ: الرضا سُرُورُ القلب بِمُرُورِ القضاء.
وقالت رَابِعَةُ: إنما يَكُونُ العبد رَاضِيًا إذا سَرَّتْهُ الْبَلِيَّةُ كما سَرَّتْهُ النِّعْمَةُ.
_________________
(١) الأبيات من البسيط، وهي لأبي بكر الأصبهاني، انظر "أمالي الزجاجي" (ص ٢٦).
[ ١٣٠ ]
وطائفة ثالثة يَتْرُكُونَ الاختيار وَيُوَافِقُونَ الأَقْدَارَ فلا يَبْقَى لها تَلَذُّذٌ (^١) ولا اسْتِعْذَابٌ ولا رَاحَةٌ ولا عَذَابٌ، وَتَقْضِي بهم دَوَاعِي الْمُوَافَقَةُ والْمُسَاعَدَةُ.
قال أبو الشِّيصِ وأحسن:
[كامل]
وَقَفَ الْهَوَي بِي حَيْثُ أَنْتَ فَلَيْسَ لِي … مُتَأَخَّرٌ عَنْهُ وَلَا مُتَقَدَّمُ
أَجِدُ الْمَلَامَةَ فِي هَوَاكَ لَذِيذَةً … حُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ
أَشْبَهْتَ أَعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمْ … إِذْ كَانَ حَظِّي مِنْكَ حَظِّي مِنْهُمُ
وَأَهَنْتَنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِي صَاغِرًا … مَا مَنْ يَهُونُ عَلَيْكَ مِمَّنْ أُكْرِمُ
قَرَأْتُ على والدي ﵀ قال: أَنَبَا أبو الأَسْعَدِ قال: أَنَبَا الصَّفَّارُ قال: أنبا السُّلَمِيُّ قال: سُئِلَ الْمُرْتَعِشُ (^٢): بماذا تُنَالُ المَحَبَّةُ؟
فقال: بِمُوَالَاةِ أَوْلِيَاءِ الله وَمُعَادَاةِ أعدائه، وأصله المُوَافَقَةُ، ثُمَّ نَظَرَ إلى بعض جُلَسَائِهِ فقال: أَنْشِدْنِي الْأَبْيَاتَ التي كنت تُنْشِدُهَا (^٣).
فأنشده البيتين الأخيرين من القطعة.
وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي:
[سريع]
_________________
(١) في س: تكدر. والمثبت من د، "طبقات الشافعية" للسبكي.
(٢) هو: أبو محمد عبد الله بن محمد النيسابوري الحيري تلميذ أبي حفص النيسابوري. انظر "سير أعلام النبلاء" (١٥/ ترجمة ٨٧).
(٣) "طبقات الصوفية" لأبي عبد الرحمن السلمي (ص ١٠٠).
[ ١٣١ ]
إِلَى رِضَا الرَّبِّ نَسُوقُ الرِّضَا … بِالله رَبًّا فَارْضَ فِيمَا قَضَى
وَلَا تَكُنْ عَنْ شَأْنِهِ غَافِلًا … فَالْوَقْتُ سَيْفٌ صَارِمٌ مُنْتَضَى (^١)
آخر المجلس السابع، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله وصحبه
* * * * *
_________________
(١) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٣٣٢). وجاء في "البدر المنير": "ينتضى" بدلًا من: "منتضى".
[ ١٣٢ ]