قوله: "يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ" الاستفتاح يستعمل في الأكثر بمعنى الاستنصار (^٥)، ويقال أيضًا: استفتح الباب ففتح، وقد يوضع موضع الافتتاح وهو المقصود ها هنا، ويمكن أن يحمل على استفتاح باب الصلاة ويجعل التكبير كالمفتاح لها، ومفتاح الشيء قد يعدُّ من ذلك الشيء، ألا ترى أن مفتاح الدار يدخل في بيع الدار على الأصح.
_________________
(١) انظر "سير أعلام النبلاء" (١٩/ ترجمة ٢٠٣).
(٢) في د: الحفاظ، خطأ.
(٣) هو الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد بن زنجويه فقيه زنجان.
(٤) انظر "سير أعلام النبلاء" (٢٠/ ٣٧٥).
(٥) هو طلب نصرة الله ﷿.
[ ١٣٨ ]
وقوله: "وَالْقِرَاءَةَ بِ الْحَمْدِ لله رب الْعَالِمَينَ" قولنا: (الْحَمْدِ لله رب الْعَالِمَينَ) أربع كلمات قد تكلمنا في الثلاث الأول منها في المجالس السابقة.
وأما العالم:
فعن قُطْرب أن فيه لغتين: عألم بالهمزة وعالم بلا همزة كطائع وخاتم، والعالمين جمع عالم.
ثم عن أحمد بن يحيى ثعلب: إن العالم صنف من الناس، يقال: العرب عالم، والعجم عالم، ثم مضر من العرب عالم، وربيعة عالم.
ويقرب منه قول النضر بن شميل: إنَّ هذه كلمة تكلمت بها العرب للجمع الكثير.
عن أبي معاذ النحوي أنَّ العالمين بنو آدم.
وعن أبيِّ بن كعبٍ ﵁ أنَّ العالمين الملائكة.
وعن الأخفش وغيره أنَّ العالمين الجن والإنس.
وعن أبي عبيدة أنَّ العالمين الذين يعقلون وهم أربع أمم: الملائكة والإنس والجن والشياطين.
وذكر على هذا أنَّ اللفظ مأخوذ من العلم.
ويقال: كلّ ذي روح، ويروى نحوه عن ابن عباس ﵄.
ويقال: العالمون المخلوقون، وذكر على هذا أنَّ اللَّفظَ مأخوذٌ من العَلَمِ والعلامة؛ لأنَّ كلَّ مخلوقٍ عَلَمٌ ودليلٌ على الصَّانعِ المدبر، ويحكي هذا عن الحسن وقتادة ومجاهد، ويوافقه قول المتكلمين أن العالمين عبارة عن كل مُحْدَثٍ.
ثُمَّ استدلَّ مُستدلُّون بقوله: "وَالْقِرَاءَةَ بِ الْحَمْدِ لله رب الْعَالِمَينَ" على ترك
[ ١٣٩ ]
الجهر بالتسمية تارة، وعلى ترك أصلها أخرى.
وَحَمَلَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ ذلك فيما نقله أبو عيسى الترمذي وغيره على التعبير عن السورة بذكر أولها بعد آية التسمية المشتركة كما يقال: قرأت طه ويس.
ثم هذا الاستدلالُ لا يتضح على قول من يذهب إلى أنَّ التسمية في أوائل السور ليست من القرآن؛ لأنَّ المراد من قوله: "يستفتح القراءة": قراءة القرآن لا مطلق القراءة، وحينئذٍ فالافتتاح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لا ينافي قراءة التسمية أَوَّلًا كما لا ينافي قراءة التعوذ ودعاء الاستفتاح.
وقوله: "لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ" أي: لم يرفعه، ومنه قولهم: شَخَصَ شُخُوْصًا أي: ارتفع، وشَخَصَ من البلد أي: ذهب، وأَشْخَصَ الرامي إِذا جَازَ سَهْمُه الغَرَضَ من أَعْلاه.
"وَلَمْ يُصَوِّبْهُ" في بعض الروايات بمعنى "لَمْ يَخْفِضْهُ" أيضًا، يقال: صَعَّد النظر إذا صَوَّبَهُ أي: رفعه وخفضه.
وقوله: "بَيْنَ ذَلِكَ" أي: بين الأشخاص والخفض، وكلمة: "بَيْنَ" تستدعي شيئين لكنها تدخل على اللفظة الواحدة المتناولة لشيئين، كما يقال: جلس بين القوم، وعلى ذلك حمل قول امرئ القيس:
بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ (^١)
وقيل: الدخول مواضيع مختلفة وليس المراد بين الدخول وبين حومل.
والمقصود أنه يستحب في الركوع تسوية الرأس والظهر، يروى عن وَابِصَةَ بْنِ
_________________
(١) "خزانة الأدب" (١/ ٣٣٢) هذا جزء من عجز بيت وهو بطوله: قِفا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِل … بسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدَّخولِ فحَوْمَل
[ ١٤٠ ]
مَعْبَدٍ قال: رأيت رسول ﷺ يُصَلِّي فكان إذا رَكَعَ سوى ظَهْرَهُ حتى لو صُبَّ عليه الْمَاءُ لَاسْتَقَرَّ (^١).
وقوله: "كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ … " إلى آخره يبين أنه ينبغي أن يراعى في الاعتدال عن الركوع الانتهاء إلى حدِّ القيام، وفي رفع الرأس من السجود الانتهاء إلى حدِّ الجلوس.
وقوله: "وَكَان يَفْرُشُ" يقال: فَرَشَ وافْتَرَشَ ذراعيه أي: بسطها، وافْتَرَشَ لسانه: إذا تكلم كيف شاء كأنه بسطه بالكلام، وافْتَرَشَ الشيء: انبسط أيضًا؛ وأما مستقبل "فَرَشَ" فاللفظة في "ديوان الأدب" وغيره من أصول اللغة في باب فَعَلَ يَفْعُلُ، وذكر بعض من شرح الحديث: "يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى" بفتح الياء وكسر الراء وهذا أكثر استعمالًا في الفقه، ويمكن أن تكون فيه لغتان.
وقوله: "رِجْلُهُ الْيُسْرَى بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى" هكذا يوجد اللفظ في "سنن الطيالسي" (^٢) ونقل بعضهم: "وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى" وقد تحذف الواو تخفيفًا واقتصارًا على إفهام المقصود كما يقال: فلان يعطي زيدًا يعطي عمرًا ويراد العطف، وحينئذٍ
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٨٧٢). قال صاحب "مصباح الزجاجة": إسناده ضعيف لضعف طلحة بن زيد، وله شاهد من حديث ابن عباس رواه الطبراني وأبو يعلى. وقال الهيثمي في "المجمع" عن حديث ابن عباس: رجاله موثقون. قلت: فيه سلام الطويل قال البخاري: تركوه، وزيد العمي وهو ضعيف. وللحديث شاهد أيضًا من حديث أبي برزة الأسلمي. والحديث صححه الألباني في "صحيح الجامع" (٤٧٣٢).
(٢) قلت: الرواية في "مسند الطيالسي": "وينصب رجله اليمني" كما في "صحيح مسلم" وغيره. والله أعلم.
[ ١٤١ ]
المعنى أنه يفرش كل واحد منهما.
وعلى هذا فيمكن حمله على ما رُوِيَ عن أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا رَفَعْتَ رَأْسَكَ من السُّجُودِ فلا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الكلب ضَعْ أَلْيَتَيْكَ بين قَدَمَيْكَ وَأَلْزِقْ ظاهر قَدَمَيْكَ بالأرض" (^١).
ويمكن أن يُحمل على ما يقع في هيئة الافتراش من البسط في أطراف أصابع اليمنى وحرف القدم، ولو رُوِيَ "وكان يُفرش قدمه اليسرى اليمني" لكان وجهًا، أي: يجعل رجله اليسرى فَرْشًا لليمني؛ لأن أطراف اليمني قد تقع على اليسرى في هيئة الافتراش من تفرش الدار وهو تبليطها، وفي "الجمع بين الصحيحين" للحافظ الحميدي في هذا الحديث: "وكان يَفْرِشُ رجله الْيُسْرَي ويَنْصِبُ الْيُمْنَى" (^٢) وهذا يزيح كل إشكال والمقصود من اللفظ هيئة الجلوس بين السجدتين.
وقوله: "وكان يَقُولُ في كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّات" أي: يقرأ التشهد في كل ركعتين إذا زادت الصلاة على ركعتين.
وقوله: "وكان يَنْهَى عن عَقِبِ الشيطان أو عُقْبَةِ الشيطان" فَسَّره أبو عبيد
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٨٩٦). قال في الزوائد: في إسناده العلاء قال ابن حبان والحاكم فيه: إنه يروي عن أنس أحاديث موضوعة. وقال فيه البخاري وغيره: منكر الحديث. وقال ابن المديني: كان يضع الحديث. وقال الألباني في "ضعيف الجامع" (٥٢٢): موضوع.
(٢) قلت: والرواية كذلك في "صحيح مسلم" وأبي داود، وابن ماجه، وابن حبان، و"مسند الطيالسي"، وسائر الكتب، والله أعلم.
[ ١٤٢ ]
وغيره بأن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين والقدمان منصوبتان (^١). وذلك مما يفعله المستعجل، وهذا أحد الوجوه في تفسير الإقعاء المنهي عنه.
والْعُقْبَةُ في الأَصْلِ: النَّوْبةُ، والجمع الْعُقَبُ، وكأنَّ المراد به نوبة من نوب الجلوس، ويجوز أن تؤخذ اللفظة من عُقْبَةِ الطائر: وهي ما بين ارتفاعه وَانْحِطَاطِهِ؛ لأن في هذه الْهيئةِ ارتفاعًا.
وأما النسبة إلى الشيطان فسببها أن الشيطان يأمر بمكروه الشرع ويدعو إليه ويفرح به، ويقرب منه ما رُوِيَ أنه ﷺ قال: "إذا تَوَضَّأْتُمْ فلا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فإنها مَرَاوِحُ الشيطان" (^٢).
وقوله: "عَنْ افْتِرَاشٍ كَافْتِرَاشِ السَّبُعِ" قال في "الغريبين": هو أن يبسط ذراعيه ولا يُقِلَّهُمَا عن الأرض مُخَوِّيًا إذا سجد كما يفترش الذئب ذراعيه.
وقوله: "السَّبُعِ أو الْكَلْبِ" يجوز أن يكون شكًّا من بعض الرواة، ويجوز أن يريد بالسبع ما يتوحش وبالكلب هذا الألوف.
وقوله: "وكان يَخْتِمُ الصَّلاةَ بِالتَّسْليِمِ" يبين أنه ﷺ كان يسلم في آخر الصلاة، وقد روي أنه قال: "صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (^٣) فقد يحتج بذلك
_________________
(١) "غريب الحديث" (٢/ ١٠٩).
(٢) رواه ابن حبان في "المجروحين" (ترجمة ١٥٨)، والديلمي في "مسند الفردوس" كما عزاه له في كنز العمال من حديث أبي هريرة. قال ابن أبي حاتم في "العلل" (٧٣): سألت أبي عن حديث رواه هشام بن عمار عن البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة … فقال: هذا حديث منكر والبختري ضعيف الحديث وأبوه مجهول. وقال الألباني في "الضعيفة" (٢/ ٣٠٣): موضوع.
(٣) رواه البخاري (٦٣١).
[ ١٤٣ ]
لوجوب السلام.
وَقَدِ اشْتَمَلَ الْخَبَرُ عَلَى جُمَلٍ من وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ وآدابها التي بها تمامها، وفيه بيان ما به الدخول في الصلاة والخروج منها، والقراءة المرعية في القيام، والهيئة المحبوبة في الركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين، والتشهد في كل ركعتين.
والصلاة المَقْبُولَةُ عند رب الأَرْبَابِ هي التَّامَّة بِتَمَامِ الأركانِ والآداب:
أُنْبِئْنَا عن أبي محمد الْحَافِظِ السَّمَرْقَنْدِيِّ قال: أنبا أبو بكر بن أبي زَكَرِيَّا الْبَلْخِيُّ بها، قال: ثَنَا أبو إسحاق المُسْتَمِلِيُّ قال: ثنا عُثْمَانُ بن إسماعيل السُّكَّرِيُّ قال: ثنا عبد الله بن شَبِيبٍ قال: ثَنَا الوليد بن عَطَاءٍ، عن عبد الله بن عبد الْعَزِيزِ، عن يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عن سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ، عن عمر بن الخَطَّاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مُصَلٍّ إلا وَمَلَكٌ عن يمينه وَمَلَكٌ عن يَسَارِهِ، فإن أَتَمَّهَا عَرَجَا بِهَا، وإن لم يُتِمَّهَا ضَرَبَا بها وجهه" (^١).
وعن حُذَيْفَةَ ﵁ أنه رَأَى رجلًا لا يُتِمُّ الركوع والسُّجود فقال: مُنْذُ كَمْ تُصَلِّي بهذه الصَّلاة؟
فقال: مُنْذُ أربعين سنة. قال: ما صَلَّيْتَ، ولو مُتَّ على غير الفِطرَةِ التي فَطَرَ الله عليها محمدًا ﷺ (^٢).
_________________
(١) رواه الدارقطني في "الأفراد" وابن الجوزي في "العلل" (٧٥٥) من طريقه. قلت: فيه عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر الليثي. قال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. وقال النسائي ضعيف. وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (٥٢٢٢).
(٢) رواه البخاري (٣٨٩) مختصرًا بنحوه.
[ ١٤٤ ]
وعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: نَهَانِي رسول الله ﷺ عن ثَلَاثٍ يعْني في الصلاة: عن إِقْعَاءِ الْقِرْدِ وَتَلَفُّتِ الثَّعْلَبِ ونَقْرَةِ الْغُرَابِ (^١).