"الْقَلْبُ" الْعُضْوُ الْمَعْرُوفُ، وقد يُعَبَّرُ به عن العقل لأنه محله، وذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (^٣) أي: فهم وعقل.
وَالْأُصْبعُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وفيه لغات: إِصْبَعُ وأُصْبَعٌ، وقد تتبع الكسرة الكسرة (^٤) فيقال: إِصبعٌ، والضَّمة الضَّمة فيقال: أُصْبُعٌ، ويقال: أَصْبعٌ أيضًا، وصَبَعْتَ على فلان وبه صَبْعَا إذا أشرت نحوه بأصبعك، وصَبَعْتَ الإناء إذا وضعت أصبعك عليه ليسيل ما فيه في إناءٍ آخر، ويقال للرَّاعي ماشيته إِصْبَع أي:
_________________
(١) انظر "التدوين في أخبار قزوين" (٢/ ١٦٠).
(٢) انظر "التدوين في أخبار قزوين" (١/ ٣٠٦).
(٣) سورة ق: الآية ٣٧.
(٤) أي: تتبع الهمزة المكسورة بالباء المكسورة.
[ ١٥٢ ]
أثرٌ حسنٌ. وننشد:
ضَعِيفُ العَصَا بَادِي الْعُرُوقِ تَرَي لَهُ … عَلَيْهَا إِذَا ما أَجْدَبَ النَّاسُ إِصْبَعًا (^١)
أي: أثرًا حسنًا، وكَنَّي بِضَعْفِ العصا عن قلة ضربه للمواشي شفقةً عليها.
وقوله: "بَادِي الْعُرُوقِ" أي: بدت عروقه من التَّعب وكثرة التردد في رعيها.
وقوله ﷺ: "بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ" اختلف المئولون فيه بحسب اختلاف معنى الأصبع:
فقال قائلون: هو كناية عن غاية القوة والاستيلاء، يعني: إن القلوب في قبضته نافذة عليها قدرته، يقال: فلان في يد فلان، وبين أصبعيه أي: يقلبه كيف يشاء؛ وذلك لأنَّ أقدر ما يكون الرجل على الشيء إذا كان في يديه وبين أصابعه؛ لسهولة تحريك الأصابع للطفها لا كتحريك اليد من الساعد أو من العضد؛ ولأن البطش التام في الأصابع دون الكف وما فوقها.
واعلم أنَّ قدرة الله تعالى واحدة، والتثنية والجمع في الحديث على هذا راجعان إلى أنَّ تلك القدرة تتعلق بكل مقدور فتعمل عمل القُدَر المتعددة.
وقال آخرون: "بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ" أي: بين نعمتين وأثرين من آثار صنعه، وجعل بعضهم قوله: "إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ" تفسيرًا للأصبعين (^٢).
_________________
(١) البيت من الطويل وهو للأصمعي، انظر "الصحاح"، "لسان العرب"، "تاج العروس" (صبع).
(٢) في كلام المؤلف تأويل لصفة أصبع الله تعالى، وأهل السنة يثبتون صفات الله تعالى من غير تأويل ولا تكييف ولا تعطيل ولا تشبيه، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
[ ١٥٣ ]
ثم منهم من يقول: المقصود الشخص، وإنما خُصَّ القلب بالذكر؛ لأنه أمير الجسد والجوارح الظاهرة، والإدراكات الباطنة، والجنود المسخرة له، صلاحها في صلاحه وفسادها في فساده.
أنبأنا غير واحد، عن أبي عَلِيٍّ المُقْرِئِ، عن الخليل الْحَافِظِ قَالَ: أَنَبَا عَبْد الله بن مُحَمَّد الْفَارِسِيُّ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الله بن بكار قَالَ: ثَنَا عُثْمَانَ بن خُرَّزَاذ، ثَنَا سُوَيْدُ بن سَعِيدٍ قَالَ: حدثني الْحَكَمُ بْنُ الْفَصِيلِ (^١) الْعُبَيْدِيُّ، عَنْ عَطِّيَةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رِسُولُ الله ﷺ: "الْيَدَانِ جَنَاحَانِ، وَللرِّجْلَانِ بَريدَانِ، والأُذُنَانِ قِمْعَانِ، وَالْعَيْنَانِ دَلِيلَانِ، واللِّسَانُ تَرْجُمَان، وَالْكَبِدُ رَحْمَةٌ، والْقَلْبُ مَلِكٌ، فَإِذِا فَسَدَ الْقَلْبُ فَسَدَ سَائِرُهُ" ويروي: "فَإِذِا فَسَدَ المَلِكُ فَسَدَ جُنُودُهُ، وَإِذَا صَلَحَ صَلَحَ جُنُودُهُ" (^٢).
ومنهم من قال وهو الظَّاهر: المقصود القلب خاصة لسرعة تقلبه وتغيّره وخطور الخواطر المختلفة له بحسب الجواذب والبواعث، فيجذبه الملك تارة فيلتفت إليه، والشيطان أخرى فيلتفت إليه، ويقع أخرى في تجاذب ملكين يدعوه
_________________
(١) في س، د: الفضل. والتصويب من حاشية س، وانظر "الإكمال" (٧/ ٥٢)، "تبصير المنتبه" (ص ٢٥٠)، "توضيح المشتبه" (٧/ ٦٠). قال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٢/ ٣٤٤): قال أبو زرعة: ليس بذاك، وقال الأزدي: منكر الحديث.
(٢) رواه ابن عدي (٢/ ٢١٥) من طريق سويد، وأبو الشيخ في "العظمة" (٥/ ٦٣٠) من طريق عطية العوفي. قال ابن عدي: وهذا الحديث لا أعلم يرويه عن عطية غير الحكم بن فَصِيلٍ والحكم هذا قد روي عن غير عطية مثل خالد الحذاء وغيره وهو قليل الرواية وما تفرد به لا يتابعه عليه الثقات. وقال الألباني في "ضعيف الجامع" (٣٩٠٣) وكذا في "الضعيفة" (٣٩٥٦): ضعيف جدًّا.
[ ١٥٤ ]
هذا إلى خير وهذا إلى آخر، وفي تجاذب شيطانين أو ملك وشيطان، ولسرعة تقلبه كان رسول الله ﷺ يقول في حلفه: "لَا وَمُقَلِّبُ الْقُلُوبِ" (^١).
وَيُرْوَى أَنَّه ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الْقَلْبِ فِي تَقَلُّبِهِ مَثَلُ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا" (^٢).
وعَن أَبِي مُوسَى الأَشْعَريِّ عَنِ النَّبِيّ ﷺ: "إِنَّ مَثَلُ الْقَلْبِ كَرِيشَةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ" (^٣).
وقوله: "وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ" الميزان أصله مِوْزَان قلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها كميلاد وميعاد.
واليدُ أصلها يدي لسكون عينها، والجمع أيدٍ كفلسٍ وأفلس، ومنهم من يقول في يد: يَدّي كرحًى، ويقول في تثنيتها: يديان.
ولليد الجارحة المعلومة معان في "الغريبين" اليد: النعمة، واليد: القدرة والقوة، واليد: الملك، واليد: الطاعة والاستسلام، ومنه قول عثمان لعمار ﵄: "هذه يدي لعمار" (^٤) أي: أنا مستسلمٌ له منقادٌ، واليد: الحفظ والوقاية.
ومعنى قوله: "الْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ" أنه الذي يمنح القلوب الأخلاق والجسوم الأعمال، ويمنعها من شاء، وهو القابض الباسط في مقاديرها فيزيد وينقص كما
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦١٧) من حديث ابن عمر.
(٢) رواه أحمد (٦/ ٤)، والحاكم (٢/ ٣١٧) بنحوه من حديث المقداد بن الأسود. وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٥١٤٧).
(٣) رواه ابن ماجه (٨٨)، وأحمد (٤/ ٤١٩)، والبيهقي في "الشعب" (٧٥٣)، وليس عند ابن ماجه: "ظَهْرًا لِبَطْنٍ" وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٥٨٣٣).
(٤) رواه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٢١) ضمن حديث.
[ ١٥٥ ]
يريد، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ويرفع من يشاء ويخفض (^١).
وليس غرض الحديث الميزان الذي يوضع في القيامة لوزن الأعمال، ألا تراه قال في الرواية الأخرى: "يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَضَعُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".