ك ثرت أسماؤه تعالى لعظمته وكبريائه وتوالي آلائه ونعمائه، واتصافه بالكمالات، وتنزهه عن الآفات، وكلٌّ في الدرجة التي ليست وراءها غاية، ولا لها في نفسها نهاية، فاستحقَّ لأصولها أسماءً ولكمالها أسماءً؛ وذلك كالعالم والعليم والعلام، وأيضًا فليكثر ذكرها والذاكرون لها فإن غفلوا عن بعضها أو في بعضها لم يحرموا عن بعضها أو عن الالتذاذ في بعضها، وإذا تأملتها وجدتها أساميًا لم تزده معرفة وإنما لذَّة ذكرناها.
ثم انقسمت أسماؤه باعتبارات:
إلى أسماء تدلُّ على فعله ليستروح إليه المؤمن طالبًا راغبًا أو راهبًا.
وإلى أساء تدلُّ على صفاته ليتخلَّقَ بها العالم ويتخذ من كلٍّ منها لنفسه صاحبًا.
وإلى أسماء تخصُّ دلالتها بذاته ليستغرق في ذكرها العارف، ويذهب في الله ذاهبًا. وباعتبار آخر إلى ما يختص به ليبوح به المذكور تارة كما قيل: [طويل]
فَبُحْ بِاسْمِ مَنْ تَهْوَى وَلَا تَكُ كَاتِمًا … فَلَا خَيْرَ فِي اللَّذَّاتِ مِنْ دُوْنِهَا سِتْرُ
[ ٥٥ ]
وإلى ما يقع على غيره ليوري به الغيور أخرى (^١) كما قيل:
وَسَمَّيْتُهَا مِنْ خَشْيَةِ النَّاسِ زَيْنَبَا
قَرَأْتُ على والدي ﵀: أَنَبَا هِبَةُ الرحمن بن عبد الْوَاحِدِ قال: أَنَبَا مُحَمَّدُ بن عبد الْعَزِيزِ، أنبا أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ قال: قال أبو عبد الله المَغْرِبيُّ: من ادَّعَى الْعُبُودِيَّةَ وله مُرَادٌ بَاقٍ فهو كَذَّابٌ في دَعْوَاهُ، إنما تَصِحُّ الْعُبُودِيَّةُ لمن أَفْنَي مُرَادَاتِهِ وَقَامَ بِمُرَادِ سيده لِيَكُونَ اسْمُهُ ما سُمِّيَ به إذا دُعِيَ بِاسْمٍ أَجَابَ عن الْعُبُودِيَّةِ، ولا يُجيِبُ إِلَّا من يَدْعُوهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [سريع]
يَا عَمْرُو ثَارِي عِنْدَ أسْمَائِي … يَعْرِفُهُ السَّامِعُ وَالرَّائِي
لَا تَدْعُنِي إلَّا بِيَا عَبْدَهَا … فَإِنَّهُ أَصْدَقُ أَسْمَائِي (^٢)
وفي قَرِيبٍ منه أُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [سريع]
سِمْنِيَ مَا شِئْتَ وَسِمْ جَبْهَتِي (^٣) … بِاسْمِك ثُمَّ اسْمُ بَأَسْمَائِي
فَسَمِّنِي عَبْدَكَ أَفْخَرْ بِهِ … وَيَسْتَوِي عَرْشِي عَلَى الْمَاءِ (^٤)
آخر المجلس الأول، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله أجمعين.
* * * * *
_________________
(١) كذا في س، د.
(٢) "طبقات الصوفية" لأبي عبد الرحمن السلمي (ص ٢٤٤) كما رواه من طريقه الرافعي.
(٣) في د: جهتي. والمثبت من س، "طبقات الشافعية" للسبكي، "البدر المنير" لابن الملقن.
(٤) نقل هذه الأبيات عن الإمام الرافعي: السبكي في "طبقات الشافعية" (٨/ ٢٨٦)، ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٣٣٢).
[ ٥٦ ]
﷽
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت