لاختصاص الملك الحقيقي بالله تعالى، وقصور ملك العبد يحسن به رعاية أمرين:
أحدهما: أن يُحْسِنَ المملوكية إذا لم يأت منه المالكية ولم تكمل له الملكية.
حَدَّثَ الشَّرِيفُ أَبُو السَّعَادَاتِ هِبَةُ اللهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ الْعَلَوِيُّ قَالَ: أَنْشَدَنِي الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُنْشِئُ لِنَفْسِهِ: [وافر]
إِذَا لَمْ تَكُنْ مَلِكًا مُطَاعًا … فَكُنْ عَبْدًا لِمَالِكِهِ مُطِيعَا
وَإِذْ لَمْ تَمْلِكِ الدُّنْيَا جَمِيعًا … كَمَا تَهْوَاهُ فَاتْرُكْهَا جَمِيعَا
هُمَا سَبَبَانِ مِنْ مُلْكٍ وَنُسْكٍ … يُنِيلَانِ الفَتَى الشَّرَفَ الرَّفِيعَا
فَمَنْ يَقْنَعْ مِنَ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ … سِوَى هَذَينِ يَحْيَى بِهَا وَضِيعَا
والثاني: أن يحترزَ عن المناوأة وعن ما لا يليق به من الأسماء والسمات.
رُوِيَ في "الصحيح" عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "إِنَّ أَخْنَعَ الأَسْمَاءِ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِك الأَمْلَاكِ" (^٢).
قال سفيان بن عيينة: هو شاها نشاه (^٣).
_________________
(١) رواه ابن عساكر (١٦/ ١٠٠) من طريق الدارقطني.
(٢) "صحيح البخاري" (٦٢٠٦)، "صحيح مسلم" (٢١٤٣). قال الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٥٩٠): وهو المشهور في روايات هذا الحديث، وحكي عياض عن بعض الروايات: "شاه شاه".
(٣) في د: "شاه شاه".
[ ١٨٦ ]
قوله: "أَخْنَعَ" أي: أذل، والخانع: الذليل، ويروى: "أَخْنَى" أي: أفحش، والخنا: الفحش.
وَأَخْبَرَنَا وَالِدِي قِرَاءَةً عَلَيْهِ قَالَ: أَنَبَا أَبُو الْفَتْحِ الصَّابُونِيُّ، أَنَبَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ، أَنَبَا ابْنُ بِشْرَانَ، أَنَبَا أبو عَلِيٍّ بْنُ صَفْوَانَ، أَنَبَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مَسْرُورٍ الْخَادِمِ قَالَ: أَمَرَنِي هَارُونُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا احْتُضِرَ أَنْ آتِيَهُ بِأَكْفَانِهِ فَأَتَيْتُهُ بِهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي فَحَفَرْتُ قَبْرَهُ، ثُمَّ أَمَرَ فَحُمِلَ إِلَيه فَجَعَلَ يَتَأَمَّلُهُ وَيَقُولُ: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ (الحاقة) (^١).
وعَنْ بَعْضِ الْخُلَفَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَمَّا احْتُضِرَ: يَا مَنْ لَا يَزُولُ مُلْكُهُ ارْحَمْ مَنْ قَدْ زَالَ مُلْكُهُ.
وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [كامل]
المُلْكُ لله الَّذي عَنَتِ الْوُجُو … هُ لَهُ وَذَلَّتْ عِنْدَهُ الْأَرْبَابُ
مُتَفَرِّدٌ بِالْمُلْكِ والسُّلْطَانِ قَدْ … خَسِرَ الَّذِينَ تَجَاذَبُوهُ وَخَابُوا
دَعْهُمْ وَزُعْمَ الْمُلْكِ يَوْمَ غُرُورِهِمْ … فَسَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذَّابُ (^٢)
آخر المجلس الحادي عشر بِمَنِّهِ وفضله، والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد وآله وصحبه.
* * * *
_________________
(١) "المحتضرين" لابن أبي الدنيا (ص ٨٨) كما رواه من طريقه الرافعي.
(٢) نقل هذه الأبيات عن الرافعي السبكي في "طبقات الشافعية" (٨/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
[ ١٨٧ ]