إنَّ الإمام الرَّافِعِيَّ إمامٌ مجتهدٌ في الفقه الشافعي والإسلامي، حرَّرَ المذهب الشافعي ونقَّح مسائله وكان له أسلوبه ومنهجه في ذلك، فقد اتبع طريقة جديدة وأسلوبًا جديدًا لم يسبقه إليه أحدٌ من الفقهاء في المذهب الشافعي، فكانوا قبله يقتصرون على رواية الآراء والأقوال ونقلها، حتى جاء الإمام الرَّافِعِيُّ فجمع ما احتوته كتبهم من الآراء والأقوال، وهذَّبَ المسائل الموجودة بها، وجمع طرقها، وفنَّد أدلتها ومَحصها وصححها، وهو في ذلك يسير على منهجٍ ذي ضوابط خاصة قد وضعها، هذا المنهج لم يسبقه إليه أحد، وهو بذلك قد أعاد للفقه الشافعي حيويته ونشاطه بعدما أصابه التقليد والاتباع، وبعدما كان قبله العمل في المذهب يقتصر على نقل الآراء والأقوال فقط، حتى وجدنا في المسألة الواحدة القولين والثلاثة وربما أكثر من ذلك، ولا نعرف ما عليه المذهب منها، والتبس هذا الأمر على الفقهاء وطلبة العلم، فجاء الإمام الرَّافِعِيُّ فصحَّح المذهب وعرَّف المعتمد من الأقوال والراجح منها.
وَالرَّافِعِيُّ في عمله هذا لم يكن مُقَلِّدًا ولم يكن يتبع في ترجيحاته واختياراته ما كان عليه المعظم كما قال البعض، وإنما كان فقيهًا حافظًا واعيًا مُجتهدًا في فقهه، لا يُقَلِّدُ أحدًا من الفقهاء السابقين، ولم يَسِرْ على أقوال أكثر أصحاب المذهب، كما لم
_________________
(١) "البدر المنير" (١/ ٣٣٦).
[ ١٤ ]
يُقَلِّدِ الإمام الشَّافعي ﵀ صاحب المذهب في أقواله وآرائه، وإنما اجتهد في المسائل، ونظر في أدلتها من حيث القوة والضعف، فرجَّح ما كان الدليل فيه أقوى وأرجح، وضعَّف ما كان الدليل فيه مرجوجًا أو ضعيفًا.
وقد اجتهد في الفقه الشافعي وهو في اجتهاده لم يَخْرُجْ عن الذهب وأصوله ومنهجه، فوافق الإمام الشَّافِعِيَّ ﵀ في مسائل كثيرة، كما خالفه في مسائل أخرى أدَّاه اجتهاده إلى ذلك، كما رجَّح في بعض المسائل القولَ القديم وترك الجديد، لأنَّ الدليل أقوى أو أنَّ في المسألة حديثًا لم يطلع عليه الإمام الشَّافِعِيُّ ﵀ وهو في ذلك يسير على قول الشَّافِعِيِّ ﵀: "إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي".
وقد وافق الإمام الرَّافِعِيُّ أكثرَ الأصحاب في مسائل كثيرة وخالفهم في مسائل أخرى، كما أنه وافق الأئمة الثلاثة وخالفهم، وهو في مخالفاته لهؤلاء الأئمة لم يكن يقصد الخلاف، ولكنه كان يبحث عن الدليل في المسألة ويسير معه فيؤديه ذلك إلى مخالفتهم.
قال السبكي: وقد أطبق المحققون في المذهب الشافعي على أنَّ الكتب المقدمة على الشيخين الرَّافِعِيِّ والنَّوَوِيِّ لا يُعْتَدُّ بشيءٍ منها إلَّا بعد البحث والتمحيص والتدقيق حتى يغلب على الظنِّ أنه راجح في المذهب هذا في حكم لم يتعرض له الشيخان أو أحدهما، فإن تعرض له الشيخان فالمعتمد ما اتفقا عليه، فإن اختلفا ولم يوجد لهما مرجح أو كان المرجح على السواء فالمعتمد قول المرجح (^١).
_________________
(١) "طبقات الشافعية" (٨/ ٢٨٢).
[ ١٥ ]