"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" آيةٌ من أوائل السُّور على الصَّحيحِ من مذهبنا، فلما أراد قراءة السورة عليهم افتتح بآية التسمية لأنها من السورة، ومن لم يجعلها من السورة قال: افتتح بها للتيمن العام، ثم لمناسبتها معنى السورة؛ فإنه بإلهيته أبدع النعمة والمنعَم عليه، وبرحمته مَتَّعَ المنعَم عليه بالنِّعمةِ.
ورحمة الله تعالى المشتق منها الرحمن والرحيم تُفَسَّرُ بمعنيين:
أحدهما: إرادة الإنعام.
والثاني: نفس الإنعام.
وهي على المعنى الثاني صفة فعل، وقد قدمنا أن منهم من جعل الاسمين: "الرحمن الرحيم" بمعنى واحد، ومنهم من جعل "الرحمن" أبلغ؛ لأنه رحمن باعتبار الرزق والنعم الدنيوية التي تعم البرَّ والفاجر.
وعكس بعضهم فجعل الرحيم أبلغ؛ لأنه رحيم باعتبار النعم الأخروية وهي أعظم؛ لأنها دائمة لا انقطاع لها، وصافية لا تبعة ولا مؤاخذة بها.
وعن عكرمة أنَّ الرحمن برحمة واحدة، والرحيم بمائة رحمة؛ فالرحيم أبلغ.
وقد يُسأل فيُقال: إن كان معنى الاسمين واحدًا فَلِمَ جمع بينهما في آية التسمية؟
وإن كان أحدهما أبلغ فهلَّا اقتصر عليه وهو مؤدٍّ لمعنى الآخر؟
[ ٩٠ ]
وأجيب عنه: بأنَّ الكلام قد يؤكد بالاسمين المختلفين وإن كانا راجعين إلى معني واحد كقولهم: جادٌّ مجدٌّ، وبأن نِعَمَمه عاجله وآجلة، والرحمن يشير إلى العاجلة ومنها البشارة بما أعدّ من الكوثر، وتمهيد السبيل التي تؤدي إليه التوفيق لسلوكها، والرحيم يشير إلى الآجلة ومنها التي تخصص بها رسول الله ﷺ من حوضه الذي يسقى منه أمته، وهذا مثل ما يروى عن بكر بن عبد الله المزني أنه قال: الرحمن بنعيم الدنيا من الأهل والأولاد ونحوها، والرحيم بنعيم الدين من الإيمان والأعمال الصالحة وثمراتها.
وعن يحيى بن معاذ أنَّ الرحمن بمصالح معاشهم، والرحيم بمصالح معادهم.
وقد عَمَّت رحمة الرحيم المؤمنين عمومًا على ما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (^١) ثم خصص هذه الأمة بأن جعلها مرحومة، ونبيها نبي الرحمة والله الذي بيده الإعادة والإنشاء يختص برحمته من يشاء.
قَرَأْتُ على والدي ﵀ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَنصُورٍ الشَّحَّامِيُّ، حَدَّثَنَا أحمد بن سَهْلٍ، حَدَّثَنَا عبد الرَّحْمَنِ بن حَمْدَانَ، أَنَبَا أبو بكر الْمُفِيدُ، أَنَبَا أحمد بن عبد الرَّحْمَنِ، ثَنَا يَزِيدُ بن هَارُونَ، أَنَبَا أبو جَنَابٍ، عن خَيْثَمَةَ بن عبد الرَّحْمَنِ، عن سَعْدِ بن مَالِكٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، إِنَّ الله ﷿ يَدْفَعُ عَنْهُمْ بِضَعْفِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ وَدُعَائِهِمْ" (^٢).
وَحَدَّثَ الْقَاضِي أبو بكر مُحَمَّدُ بن الْقَاسِمِ الشَّهْرُزُورِيُّ قَالَ: أَنشَدَنَا الشَّرِيفُ
_________________
(١) الأحزاب: ٤٣.
(٢) رواه أبو داود (٤٢٧٨) من حديث أبي موسى الأشعري: "أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة-".
[ ٩١ ]
أبو عَدْنَانَ الْقَاسِمُ بن عَلِيٍّ الْقُرَشِيُّ بِبَلْخٍ لِبَعْضِهِمْ: [كامل]
لَمَّا عُدِمْتُ وَسِيْلَةً أَلْقَي بِهَا … رَبِّي تَقِي نَفْسِي شَدِيدَ عِقَابِهَا
صَيَّرْتُ رَحْمَتَهُ لَدَيْهِ وَسِيلَتِي … وَكَفَى بِهَا وَكَفَي بِهَا وَكَفَي بِهَا
وَأُنْشِدُكُمْ لِنَفْسِي: [خفيف]
يَا خَلِيلَيَّ (^١) إِنَّ قَلْبَكُمَا … ظَلَّ مِمَّا أَضَلَّ مَهْمُومَا
لَا تَخَافَا وَلَا يَكُنْ بِكَمُا … مَا يَرُدُّ الرَّجَاءَ مَرْمُومُا
وَاقْصِدَا حَضْرَةَ الرَّحِيْمِ فَتُو … بَا إِلَيْهِ وَحَوْلَهُ حُومَا
فَيَمِينَاهُ سَحَّتَا كَرَمًا … وَلَمَنْ دُونَهُ اليَدُ شُومَا
خَابَ مَنْ مَاتَ مِنْ شَقَاوَتِهِ … مِنْ حَرِيمِ الرَّحِيمِ مَحْرُومَا
آخر المجلس الرابع، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
* * * * *
_________________
(١) في د: صاحبي.
[ ٩٢ ]