هذا حديثٌ صحيحٌ: أخرجه البخاري (^٢) هكذا، ورواه أيضًا مُعَلَّقًا فقال: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ، سَمِعْتُ سَالِمًا، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا (^٣).
وأخرجه مسلم (^٤) من حديث عمر بن حمزة، عن سالِمٍ واللفظ: "يَطْوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَقُولُ أَنَا المَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ". وأخرجه أيضًا من حديث عبيد الله بن مقسم وغيره، عن ابن
_________________
(١) في د: الخليلي. وكلاهما صواب.
(٢) "صحيح البخاري" (٧٤١٢).
(٣) "صحيح البخاري" (٧٤١٣).
(٤) "صحيح مسلم" (٢٧٨٨/ ٢٤).
[ ١٧١ ]
عمر (^١).
ورواه عنِ النَّبِيِّ ﷺ: ابن مسعود (^٢)، وأبو هريرة (^٣) وزِيد في رواية أبي هريرة بعد قوله: "أَنَا الْمَلِكُ": "أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ".
وابن عمر (^٤) ﵄: هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدٍ العزى، أبو عبد الرحمن العدوي، وأمه زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذيفة أخت عثمان بن مظعون.
وُلِدَ قبل الوحي بسنة وهاجر مع أبيه، وأولُ مشاهدِهِ مع النَّبِيِّ ﷺ الخندق، وهو من مشاهير علماء الصحابة وكان عابدًا ناصحًا للأُمَّةِ متحرزًا عن الفتنة كثيرَ البرِّ والصَّدقةِ.
يُروي عن سفيان الثوري أنَّهُ كان يقول: اقتدوا بعمر في الجماعة، وابن عمر في الفتنة.
وعن سالم بن أبي الجعد قال: ما رأيت أحدًا إلَّا وقد مالت به الدنيا غير ابن عمر (^٥).
وعن مَيمون بن مِهْرَانَ أنَّ ابن عمر أتاه اثنان وعشرون ألف دينار في مجلسٍ
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٢٧٨٨/ ٢٥).
(٢) أخرجه البخاري (٧٤١٤، ٧٤١٥)، ومسلم (٢٧٨٦/ ١٩).
(٣) أخرجه البخاري (٨٣٨٢)، ومسلم (٢٧٨٧/ ٢٣).
(٤) انظر "معرفة الصحابة" (٣/ ترجمة ١٦٩٥)، و"الإصابة" (٤/ ترجمة ٤٨٣٧).
(٥) رواه أحمد في "فضائل الصحابة" (١٦٩٩)، والحاكم (٣/ ٦٤٥) من حديث سالم، عن جابر بن عبد الله قال: ما رأيت
[ ١٧٢ ]
فلم يقم حتى فرقها (^١).
وعن نافع أنه ما مات حتى أعتق ألف نسمة أو زاد (^٢).
توفي بمكة سنة ثلاث وسبعين، ويقال: سنة أربع.
ونافع (^٣) أبو عبد الله مولاه من أهل المدينة أعتقه بعدما كان يُعْطَى به عشرة آلالف درهم فلم يقبلها.
روي عن: ابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعائشة ﵃.
وروي عنه: الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب، ومالك، والأوزاعي، والكبار.
وكان سالم يقدمه على نفسه في الفتوى. توفي سنة تسع عشرة ومائة.
وعبيد الله (^٤): هو أبو عثمان، وقيل: أبو عمرو بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري العدوي، من أكابر علماء المدينة.
سمع: نافعًا، وسالمًا، والقاسم بن محمد، والزهري، وأبا الزناد.
روى عنه: أيوب، وابن جريج، ويحيى بن سعيد القطان، والثوري، وشعبة، وأخوه عبد الله.
وعن أحمد بن حنبل أنه أثبت في نافع من مالك.
توفي سنة خمس وأربعين ومائة.
وَعَمُّ مُقَدَّمٍ: هو القاسم بن يحيى بن عطاء بن مُقَدَّمٍ، أبو محمد الهلالي
_________________
(١) رواه ابن أبي عاصم في "الزهد" (١/ ١٩٢).
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٩٦)، وصحح إسناده الذهبي في "السير" (٣/ ٢١٨).
(٣) انظر "سير أعلام النبلاء" (٥/ ترجمة ٣٤).
(٤) انظر "سير أعلام النبلاء" (٦/ ترجمة ١٢٩).
[ ١٧٣ ]
الواسطيُّ.
سمع: عبيد الله بن عمر.
توفي سنة سبع وتسعين ومائة أو نحو ذلك (^١).
وَمُقَدَّمُ (^٢): هو ابن محمد بن يحيى بن عطاء بن مُقَدَّمٍ الهلالي الواسطي.
سمع: عمه.
وهو وعمه من أفراد البخاري، وهما قليلا الذكر والرواية.
ومحمد بن إسماعيل (^٣): هو صاحب الصحيح الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي البخاري، أشهر من أن يعرف بشيخ أو تلميذ.
يروى عن إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه قال: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل.
وعن أحمد بن حنبل أنه قال: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وعن محمد بن الفضل البلخي أن محمد بن إسماعيل كان قد ذهب بصره في صباه وكانت له والدة متعبدة فرأت إبراهيم الخليل ﵇ في المنام فقال لها: إن الله قد ردَّ بصر ابنك بكثرة دعائك وبكائك، فأصبحت وقد ردَّ الله عليه بصره.
وعن البخاري أنه قال: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف غير صحيح.
_________________
(١) انظر "تهذيب الكمال" (٢٣/ ٤٥٩).
(٢) انظر "تهذيب الكمال" (٢٨/ ٤٦٠).
(٣) انظر "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ترجمة ١٧١).
[ ١٧٤ ]
وجامعه الصحيح أعظمُ مَرجوعٍ إليه في سُنَّةِ رسول الله ﷺ، يروى عنه أنَّهُ قال: أخرجت الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث.
صنَّفه في ست عشرة سنة.
ويقال: إنه ما وضع في الصحيح حديثًا إلَّا اغتسل قبله وصلى ركعتين، وأنه صنفه أو أكثره في المسجد الحرام، وأنه ترجم الأبواب بين قبرِ النَّبِيِّ ﷺ وبين مِنْبَرِهِ، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين، وذكر أنَّ أحاديث الصَّحيح سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون، وأنشد لأبي عامر الْجُرْجَانِيُّ: [متقارب]
صَحِيْحُ الْبُخَارِيِّ لَوْ أَنْصَفُوا … لَقَدْ كَتَبُوهُ بِمَاءِ الذَّهَبْ
أَسَانِيدُ مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ … أَمَامَ مُتُونٍ كَمِثْلِ الشُّهُبْ
وَسِتْرٌ رَقِيقٌ إِلَى الْمُصطَفَى … وَنُورٌ مُبِينٌ لِكَشْفِ الرِّيَبْ
فَيَا عَالِمًا أَجْمَعَ الْقَائِلُونَ … عَلَى فَضْلِ رُتْبَتِهِ فِي الرُّتَبْ
نَفَيْتَ السَّقِيمَ مِنَ النَّاقِلِينَ … وَمَنْ كانَ مُتَّهَمًا بِالْكَذِبْ
وَأَثَبْتَّ مَنْ عَدَّلَتْهُ الرُّوَاةُ … وَصَحَّتْ رِوَايِتُهُ فِي الْكُتُبْ
فَأَعْطَاكَ رَبُّكَ خَيْرَ الْعَطَاءِ … وَأَجْزَلَ حَظَّكَ فِيمَا يَهَبْ
وُلد في شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي سنة ست وخمسين ومائتين ليلة الفطر، ودُفن بخَرْتَنْك قرية من قرى سمرقند على فرسخين منها، وقبره معروف يُزار.
رَأَيْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ أَبِي الْفَتْحِ المُحْسِنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّاشِدِيُّ: أَنْشَدَنَا أَبُو سَعْدٍ
[ ١٧٥ ]
الْإِدْرِيِسِيُّ الْحَافِظُ عِنْدَ قَبْرِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ﵀ بِخَرْتَنْك (^١) يُخَاطِبُهُ وَيَرْثِيهِ: [طويل]
أَلَا أَيُّهَا الْحَبْرُ الْإِمَامُ المُفَضَّلُ … وَعَالِمُ قَوْلِ المُصْطَفَى ومُحَصِّلُ
لِأَخْبَارِهِ إِذْ قَدْ جَمَعْتُ صِحَاحَهَا … لِعِلْمِكَ بالتَّصْدِيقِ مِمَّنْ تَحَمَّلُوا
عَنِ المُصْطَفَى وَالتَّابِعِينَ وَبَعْدَهُمْ … كَأَنَّهُمُ فِي نُصْبِ عَيْنِكَ مُثِّلُوا
كِتَابُكَ قَدْ فَاقَ الْجَوَامِعَ كَلَّهَا … وَمَا هُوَ إِلَّا حَاكِمٌ أَو مُعَدِّلُ
جُزِيتَ عَنِ الإِسْلَامِ خُلْدًا وَجَنَّةً … وَأُعْطِيتَ مَا قَدْ كُنْتَ تَهْوَى وَتْأمَلُ
في أبياتٍ هذه أجودها.
ومحمد بن يوسف (^٢): هو أبو عبد الله بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الْفِرَبْرِيُّ ومنهم من يفتح الفاء.
سمع: علي بن خَشْرَمٍ، وحاشد بن إسماعيل، ومحمد بن إسماعيل.
وهو راوية الصحيح وبروايته اشتهر.
يروى عنه أنه قال: سمع الصحيح من البخاري تسعون ألفًا فما بقي من يرويه غيري، ويقال: إنه سمع الكتاب مرتين مرة بفربر، ومرة ببخاري، وفي تاريخ السماعين اختلاف رواية، توفي سنة عشرين وثلاثمائة.
ومحمد بن المكي (^٣): هو أبو الهيثم بن المكي بن محمد بن زَرَّاع الْكُشْمِيهَنِيُّ.
_________________
(١) قرية بينها وبين سمرقند ثلاثة فراسخ بها قبر إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري. انظر "معجم البلدان" (٢/ ٣٥٦).
(٢) انظر "سير أعلام النبلاء" (١٥/ ١٠).
(٣) انظر "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٤٩١).
[ ١٧٦ ]
الفقيهُ الأديبُ.
سمع: محمد بن يوسف، وأبوي العباس الدَّغُولِيَّ والأصمَّ، وإسماعيل الصفار، وأبا سعيد بن الأعرابي.
ويقال: إنه آخر من روى الصحيح عن الْفَرَبْرِيِّ.
وعن الشيخ عبد بن أحمد الهروي أنه قال: أملى علينا الْكُشْمِيهَنِيُّ عند ختم الصحيح: الحمد لله حمدًا حمد معترف بذنبه، ومستأنس بربه، جعل فاقته إليه، واعتمد بالعفو عليه، بره يعتقه، وذنوبه تقلقه، رَوَّح قلبه بذكره، وطاش عقله من جُرمه، لا يوجد في أحواله إلا قلقًا، وطائر القلب فرقًا خوفًا من النار وفضيحة العار، وغضب الملك الجبار، إذا ميَّز الأخبار والأشرار، وجيء بالجنة والنار، وبدلت الأرض وانشقت السماوات، وتناثر النجوم الزاهرات، وانتظر المحشورون ما يكون في ذلك اليوم، يوم يفزع من هوله المحسنون، ويغرق في بحاره المسيئون، يومٌ تلاحقت أوجاله، وترادفت أهواله، ونادي المنادي باسمك تدعى إلى الحساب، وإلى قراءة ما حصلته في ذلك الكتاب، إما مغفور لك فصرت إلى الجنة مسرورًا، وإما مسخوط عليك فصرت إلى النار مأسورًا، نعوذ بالله من النار ونسأله البعد منها فإنه ملك كريم.
وهذه خطبةٌ حسنهُ اللَّفْظِ متينةٌ المعنى تدلُّ على فضله، ولها مناسبة مع متن الحديث من جهة تبديل الأرض وانشقاق السماوات على ما سنذكر في معنى قبض الأرض وطي السماء.
توفي الْكُشْمِيهَنِيُّ سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة يوم عرفة.
وإبراهيم العجلي: هو القاضي أبو إسحاق بن حمير بن الحسن بن حمير
[ ١٧٧ ]
الحميري الخيارجي القزويني.
رحل وجمع وسمع الكثير، وله في التذكير وغيره مجموعات.
سمع: الْكُشْمِيهَنِيَّ، وأبا بكر بن عاصم، وأبا سعيد السمان، وأبوي الحسن: ابن زرقويه ومحمد بن القاسم الفارسي.
روى عنه: هبة الله بن زاذان، وأبو علي بن أحمد بن طاهر الْقُومَسَانِيُّ (^١).
والشَّافعي (^٢): هو الأستاذ أبو عمرو بن داود بن المختار بن العباس التميمي القزويني.
سمع: أحمد بن الحضر، وإبراهيم بن حمير وغيرهما، وكان عالمًا بالقراءات وعلوم القرآن، وفي سلفه وخلفه قراء وفقهاء مبرزون، وكان طول عمره في التعبد والقراءة والإقراء، عاش خضوعًا بعيدًا من الإعجاب ومات بعد التعمير والإنجاب.
وذكر شيخنا أبو محمد النجار في عرض كلام له في رسالة صنفها في حرف "ما" فقال: سيما أستاذي الأشهر، وإمامي الأكبر، الشافعي بن أبي سليمان أعلى الله درجته وأوضح محجته، وهو الإمام الذي تعقد له الخناصر، ويقصده البادي والحاضر، قد قارب المائة فما اختل له حسٌّ ولا فات عنه درس، وقرأ في شرخ شبابه على أبيه، وكان أستاذ العالم وشيخ المشايخ، واسع الفضل، غزير العلم، بادي الزهد، صنف كتابه "الأنوار في القراءات" فجاء فيها بآية من الآيات، وأخذ العلم والقراءة عن أبي الفضل بن أحمد الرازي وغيره، هذا كله كلام أبي محمد
_________________
(١) انظر "التدوين في أخبار قزوين" (٢/ ١٠٩).
(٢) انظر "التدوين في أخبار قزوين" (٣/ ٧٠).
[ ١٧٨ ]
النجار.
وعبد العزيز (^١) الذي رَوَيْتُ عنه: هو ابن الخليل بن أحمد بن الواقد بن الخليل بن عبد الله الخليلي أبو بكر، من أسباط الخليل الحافظ.
شيخٌ كانَ لهُ هيئةٌ ووقارٌ وعبادةٌ، وكان يحفظُ طرفًا من الأمثالِ والأشعارِ ويوردها في محاوراته.
سمع الأستاذ الشافعي وغيره، وكان له إجازة أبي بكرٍ الشَّيرُويِيِّ.