﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٣) [آل عمران: ٣] عام مطرد كما سبق في ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٩١) [البقرة: ٩١].
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ (٤) [آل عمران: ٣، ٤] عام بحسب القوة كما سبق في ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٨٥) [البقرة: ١٨٥].
﴿مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] أي بشرط الموافاة على الكفر فهو مخصوص بمن ختم له منهم بالإيمان.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ (٥) [آل عمران: ٥] عام مطرد نحو ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٩) [آل عمران: ٢٩].
﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ﴾ [آل عمران: ٦] عام أريد به الخاص وهي الأرحام القابلة للحمل، أو مخصوص بالأرحام العواقر.
﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] عام مطرد في جميع الكيفيات التي يتعلق بها [مشيئة الله]-﷿من طويل وقصير، وأسود، وأبيض، وغير ذلك ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما﴾
[ ١١٨ ]
شاءَ رَكَّبَكَ (٨) [الانفطار: ٨].
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٧) [٣٥ أ/م]) [آل عمران: ٧] اختلف الناس في المحكم والمتشابه على نحو اثني عشر قولا، أجودها أن المحكم هو المتضح المعنى.
والمتشابه: هو ما أشكل معناه؛ لاشتراك أو إيهام تشبيه ونحوه، ويجب رده إلى المحكم؛ لأن الله﷿سمى المحكمات أم الكتاب، أي أصله، والأشياء يجب ردها [عند الإشكال] إلى أصولها، فيجب رد المتشابهات في الذات والصفات إلى محكم ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١) [الشورى: ١١]. ورد المتشابهات في الأفعال إلى محكم ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٤٩) [الأنعام: ١٤٩] الآيتين على ما سنوضحه في موضعهما إن شاء الله ﷿.
وهذه الآية نفسها من المتشابه؛ حيث تردد الوقف فيها بين أن يكون على ﴿إِلاَّ اللهُ﴾ وبين أن يكون على ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٧) [آل عمران: ٧] وترددت الواو في/ [٧٣/ل] ﴿وَالرّاسِخُونَ﴾ بين الاستئناف والعطف، والأشبه أنها للاستئناف، وأن الوقف على ﴿إِلاَّ اللهُ،﴾ وأن الله﷿تعبد عباده من كتابه بما لا يعلمون، وهو المتشابه كما تعبدهم من دينه بما لا يعقلون، وهو التعبدات؛ ولأن العبادات فرع القرآن إذ به ثبتت، والقرآن فرع الذات، إذ هو صفتها وعنها صدر، وكما أن من الذات ما يعقل وهو وجودها، وما لا يعقل وهو ماهيتها التي هي بها هي [فكذا يجوز] أن يكون في فرعها وفرع فرعها ما يفهم وما لا يفهم، ولأن قوله﷿تردد بين كونه حالا
[ ١١٩ ]
فضلة، وخبرا عمدة، وهذا الثاني أولى، وهو يقوي ما ذكرنا، والبحث هنا طويل، وهذا منه كاف إن شاء الله﷿.
﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] عام مطرد في المتشابه وغيره، وهو تسليم يقتضي ما قررناه [في التي قبلها].
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ (٨) [آل عمران: ٨] يقتضي أن إزاغة القلوب وهدايتها من فعله﷿- ومنسوب إليه، خلافا للمعتزلة، وحملوا الآية على منع [الألطاف]، وقد عرف ما فيه.
﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (٩)
[آل عمران: ٩] عام مطرد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ﴾ (١٠) [آل عمران: ١٠] عام مطردا].
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (١١) [آل عمران: ١١] عام أريد به الخاص، وهو الآيات الظاهرة على يد موسى، ويحتمل أنه عام مطرد، لأن آيات الأنبياء متفقة الدلالة على التوحيد والإيمان فتكذيب بعضها كتكذيب جميعها فلما كذبوا بآيات موسى، صاروا كأنهم كذبوا آيات جميع الأنبياء بل وآيات الله﷿جميعها لو ظهرت إلى الوجود، وشبيه بهذا قوله﷿-: ﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ (٥٩) [هود: ٥٩].
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (١١) [آل عمران: ١١] الذنوب سبب الأخذ عند الجمهور، وعلة له عند المعتزلة/ [٣٥/ب/م] وقد سبق أصل هذا وتقريره.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (١٢) [آل عمران: ١٢] هو إما لمعهودين أو عام أريد به الخاص، وهو من علم أن سيموت كافرا إذ قد أسلم بعد نزول هذه الآية كفار كثيرون فصاروا غالبين، ووجب لهم الجنة.
[ ١٢٠ ]
﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١٣) [آل عمران: ١٣] إن قيل: ما وجه هذا؟ وكيف يتصور؟ قلنا: يتجه ذلك بأن يخلق في المرئي كثرة/ [٧٤/ل] إما حقيقة أو غيرها حتى يرى مثلي ما هو عليه في نفس الأمر، كما يغمز الإنسان إحدى عينيه؛ فيرى الشيء الواحد اثنين، وإلى هذا أشير برأي العين، أي لا في نفس الأمر، ويجوز أن يكون بأن يخلق في شعاع العين اضطرابا [أو تفريقا] بحيث يصير للخط الواحد منه خطين؛ فيتصل بموضعين من الشخص الواحد، فيظن اثنين، ويجوز أن يكون بأن أمر جماعة من الملائكة على هيئتهم، دخلوا بينهم فحصلت فيهم كثرة حقيقة، فصاروا مثلي ما كانوا، ولولا أن قوله﷿-:
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (١٤) [آل عمران: ١٤] يأبى هذا الوجه أو ينبو عنه لكان أقوى الوجوه.
﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] ربما استدل بهذا على إثبات أن القياس حجة، كما استدل بقوله﷿-: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ (٢) [الحشر: ٢] وسيأتي إن شاء الله﷿القول فيه.
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤]، الفاعل هاهنا محذوف؛ فيحتمل أن الذي زين هو الله﷿نحو: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٠٨) [الأنعام: ١٠٧ - ١٠٨].
﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ﴾
[ ١٢١ ]
الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ (٧) [الحجرات: ٧] ويحتمل أنه للشيطان؛ نحو: ﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤٣) [الأنعام: ٤٣] ويحتمل أنه النفوس تزين لأهلها حب هذه الأشياء نحو: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٣٠) [المائدة: ٣٠] والأشبه الأول؛ لأنه﷿هو خلق الشهوات بهية الزينة فكان هو المزين لها، وهذه من جنس مسائل القدر.
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] أشار إلى حصر متاع الدنيا في الأشياء الستة المذكورة، لأنها معظم الشهوات كقوله ﷺ «الحج عرفة» (١) وإلا فرب شهوة زينت لبعض الناس ليست من هذه الأشياء كالسياحة في الأرض والفرجة فيها حتى يؤثرها بعض الناس على الأشياء المذكورة.
﴿الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ (١٧) [آل عمران: ١٧] عام، ثم يحتمل أنه مطرد بحيث لا يدخل تحت هذا المدح إلا من استغفر في جميع أسحار عمره، ويحتمل أنه عام أريد به الخاص، وهو غالب أسحار العمر، مع أن الأسحار جمع قلة، وأكثره عشرة، فمن استغفر في عشرة أسحار من عمره، دخل تحت هذا الوعد، لكن هذا يقدح في كون الأسحار لفظا عاما فيما أرى.
﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١٨) [آل عمران: ١٨] تضمنت ثلاثة شهود/ [٣٦ أ/م] وهم:
الله﷿-، والملائكة، وأولوا العلم. على أمرين مشهود عليهما وهما: التوحيد في أولها، وصحة دين الإسلام، بل انحصار الدين الحق فيه في آخرها. [٧٥/ل].
[ ١٢٢ ]
أما الملائكة، فعام مطرد، وأما أولو العلم فعام أريد به الخاص، وهم علماء الأصول؛ لأنهم هم الذين يعرفون التوحيد ويثبتونه بالبرهان، وكذلك هم الذين يعرفون حقيقة دين الإسلام من بين الأديان بالدليل وغيرهم إنما يعرفون ذلك تقليدا لهم، ولأن الشهادة إنما تعتبر وتصح ممن تحقق المشهود عليه، والمحقق لهذين المطلوبين أعني التوحيد وحقيقة الإسلام هم علماء أصول الدين؛ فكانوا هم المراد بأولي العلم هاهنا، وهذه منقبة شريفة لهؤلاء القوم وعلمهم، فليعلم ذلك إن شاء الله ﷿.
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اِتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ (٢٠) [آل عمران: ٢٠] ليس في هذا حجة لمن قال بالتقليد حيث قابل المحاجة بالتسليم؛ لأن إنما أمر بذلك وفعله حيث علم أنه على حق من أمره وإياس من إجابة خصمه، وأن محاجته عناد محض ومدافعة عن الحق صرف، وكيف يؤمر بالتقليد وينهى عن المناظرة في الحق من كتابه المنزل عليه مشحون بالحجج والبراهين والأدلة النظرية.
ومن قيل له في كتابه: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١٢٥) [النحل: ١٢٥] نعم يستدل بالآية على أن من علم الحق في جانبه وأنس المعاندة من خصمه، وأنس منه أن يترك مناظرته ويعرض عنه ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (٦٣) [النساء: ٦٣].
﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ (٢٠) [آل عمران: ٢٠] هذه قسمة حاضرة، مساوية لقوله ﷿: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (١٠٧) [الأنبياء: ١٠٧].
﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١) [الفرقان: ١] ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٨) [سبأ: ٢٨].
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ﴾
[ ١٢٣ ]
وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) [الأعراف: ١٥٨] ونحوه، وقوله ﷺ: «بعثت إلى الأحمر والأسود» (١)، وذلك أنه ليس في العالم إلا أمي، وهو من لم يؤت كتابا ولا كتابة كالعرب، أو غير أمي، وهو من أوتي الكتاب أو الكتابة كاليهود والنصارى والمجوس والهند واليونان والروم والفرس وغيرهم، فعموم الدعوة يستفاد [من هاهنا كما يستفاد] من المواضع الصريحة فيه، وهذه من مسائل النبوات.
﴿مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ (٤) [آل عمران: ٤]، تضمنت جملا عامة لا يقف الوعيد فيها على عمومها، بل الفرد منها يكفي في تحقيق ذلك؛ فالكفر بآية واحدة من آيات الله﷿- يوجب العذاب الأليم، وكذلك قتل نبي واحد وقتل آمر واحد بالقسط، وإنما/ [٧٦/ل] ذكر هذه الجمل بلفظ العموم حكاية الحال هؤلاء الكفار حيث كفروا بآيات كثيرة، وقتلوا نبيين، وآمرين بالقسط كثيرا، وتشنيعا عليهم بكثرة جرائمهم. / [٣٦ ب/م].
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٢٢) [آل عمران: ٢٢] عام مطرد.
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢٤) [آل عمران: ٢٤] زعمت اليهود أن النار كالبحر، يخوضونها أربعين يوما قاطعين لها؛ ثم يتخلصون منها إلى الجنة، ويبقى المسلمون في النار والنصارى أبدا، وهو من ترهات اليهود، وأمانيهم، فلذلك قيل لهم: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٨٠) [البقرة: ٨٠].
وهذا القسم الثاني هو الحق قالوا بغير علم فضلوا وأضلوا، وهذه من مسائل اليوم الآخر.
﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا﴾
[ ١٢٤ ]
﴿يُظْلَمُونَ﴾ (٢٥) [آل عمران: ٢٥] عام مطرد، وكذا الجملة بعدها ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٦) [آل عمران: ٢٦].
أي: والشر كما قال الله ﷿: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (٣٥) [الأنبياء: ٣٥].
﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١٦٨) [الأعراف: ١٦٨].
وإنما اقتصر على ذكر الخير إما اكتفاء بأحد الضدين عن الآخر اختصارا نحو: ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٣) [الأنعام: ١٣].
أي: وتحرك، و﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (٨١) [النحل: ٨١].
أي: والبرد؛ أو تعليما لخلقه الأدب نحو: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٨٠) [الشعراء: ٨٠].
﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (١٠) [الجن: ١٠] بحيث لا يضيفون إليه إلا الحسن الجميل وغيره، يعدلون به عنه إلى أنفسهم، نحو:
﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٨٠) [الشعراء: ٨٠].
ولم يقل: أمرضني، أو لا يسمون فاعله نحو ﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١٠) [الجن: ١٠] ولم يقل: أراد بهم ربهم؛ فأما قوله ﷺ في بعض دعائه:
«والشر ليس إليك» (١) فاحتج به المعتزلة على مذهبهم في أنه ﷿ لا يخلق المعاصي الشرية ولا الشرور العصيانية، وتأوله الجمهور على معنى أن طلب الشر ليس إليك أن الله
[ ١٢٥ ]
لا يأمر بالفحشاء، أو على أن الشر لا يتقرب به إليك، أو أنه لا يصعد إليك لمفهوم ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (١٠) [فاطر: ١٠] وهو تأويل قريب جيد.
﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢٨) [آل عمران: ٢٨]، احتج بها الشيعة على جواز التقية خلافا للجمهور.
واعلم أن مسألة التقية مشهورة ينبغي فصل الخطاب فيها، فنقول: احتج الجمهور على بطلانها وتحريم استعمالها بأن قالوا: التقية نفاق، والنفاق حرام، فالتقية حرام، أما أن التقية نفاق فلاتفاقهما في الحد/ [٧٧/ل] والحقيقة إذ كل واحد منهما إبطان أمر وإظهار خلافه خشية الضرر، وأما أن النفاق حرام، فلورود الشرع بذم المنافقين عليه، وتوعدهم بالدرك الأسفل من النار، ولولا تحريمه لما كان كذلك، فثبت أن التقية حرام؛ ولأنها لو جازت لجاز إظهار الكفر من الأنبياء تقية، وأنه باطل.
احتج الشيعة على جواز التقية بالكتاب والسّنّة، وفتاوى الأئمة والنظر، أما الكتاب فمنه آيات: الأولى: هذه الآية ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢٨) / [٣٧ أ/] [آل عمران: ٢٨] وقرئت «تقية» بنفس اللفظ المتنازع فيه.
ووجه دلالتها: أن الله﷿حرم موالاة الكفار تحريما مغلظا حتى حكم بأن من يتولهم فإنه منهم، ثم إنه أباح موالاتهم على سبيل التقية، فدل على تأكد جوازها حيث أباحها فيما هو مكفر بدونها.
الآية الثانية قوله﷿-: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠٦) [النحل: ١٠٦] فأباح إظهار الكفر تقية مع إبطان الإيمان.
[ ١٢٦ ]
الآية الثالثة: قوله﷿-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ (٩٧) [النساء: ٩٧]، احتج بها البخاري في باب الإكراه، ووجه الحجة منها: أن الملائكة عذروا هؤلاء في قولهم: ﴿قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] وإنما لاموهم بتركهم الهجرة في الأرض مع القدرة عليها؛ فدل على أن المستضعف يكون معذورا فيما أظهره على خلاف ما يعتقده، وهو المراد بالتقية.
الآية الرابعة: قول لوط: ﴿قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (٧١) [الحجر: ٧١] مع قوله: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (٧٨) [هود: ٧٨] وقوله:
﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (٨٠) [هود: ٨٠] هو ظاهر إن لم يكن قاطعا في أنه إنما بذل لهم نكاح بناته تقية لعجزه عن مدافعتهم. وأما السّنّة فأحاديث:
أحدها: حديث حاطب بن أبي بلتعة، حيث كاتب الكفار ليحفظوه في صاغيته بمكة، مع كونه محاربا لهم، مسرا لعداوتهم، وقد صدقه النبي ﷺ في ذلك (١).
الثاني: حديث عائشة: أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال: «بئس أخو العشيرة»، أو «بئس ابن العشيرة»، فلما سئل عن ذلك، قال: «إن شر الناس من أكرمه الناس اتقاء فحشه» (٢).
وهذا صريح في التقية، أو كالصريح.
الثالث: قوله ﷺ لعمار حين كان يعذب على أن يكفر: «يا عمار، إن عادوا فعد».
الرابع: حديث الزهري عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة «أن فاطمة جاءت
[ ١٢٧ ]
تطلب إرثها من رسول الله ﷺ. . .» وساق الحديث إلى أن قالت: «وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة فلما توفيت فاطمة، انصرفت وجوه الناس عن عليّ، فلما رأى عليّ انصراف وجوه الناس عنه ضرع لمصالحة أبي بكر؛ فقال له: موعدك البيعة العشية. . .» (١) الحديث متفق عليه.
وهذا نص من عائشة على/ [٧٨/ل] أن عليا بايع أبا بكر تقية.
الخامس: أن النبي ﷺ يوم الحديبية محا بسم الله الرحمن الرحيم، وكتب باسمك اللهم، ومحا «محمد رسول الله»، وكتب اسمه واسم أبيه، وأعطاهم يومئذ أمورا في الظاهر، وهو محارب عليها في الباطن، وذلك عين التقية إذ خاف استئصال المسلمين ذلك اليوم.
السادس: قول الحسن البصري: التقية إلى يوم القيامة. ذكره البخاري في باب الإكراه، يعني أنها باقية أو جائزة/ [٣٧ ب/م] إلى يوم القيامة.
ونقلوا عن جعفر الصادق أنه قال: التقية ديني ودين آبائي.
وأما فتاوى الأئمة، فهؤلاء الأربعة الذين هم أئمة الجمهور سوى أبي حنيفة، يفتون بأن طلاق المكره لا يقع، وكذلك يمينه، وضرب مالك سبعين سوطا على أن يفتي بأن بيعة المكره تنعقد فلم يفعل.
وقالوا: من أكره على شرب الخمر أو الزنا وغيره، فلا إثم ولا حد، وإنما وجب القصاص على من أكره على القتل فقتل عند بعضهم، لأنه بافتدائه نفسه بنفس المقتول خرج عن حد الإكراه إلى حد الاختيار.
على أن بعض أهل العراق قال: لا قصاص عليهما، أعني المكره والمكره، وأما إيقاع أبي حنيفة طلاق المكره؛ فلأنه جعله من باب ربط الحكم بالسبب.
وبالجملة فالمكره عند أكثر الأصوليين غير مكلف لصيرورة الفعل واجبا منه بالإكراه.
وإذا ثبت هذا في الإكراه، فهو من مادة التقية، ولهذا استطرد البخاري دلائل التقية في باب الإكراه، ولأن حاصل حال المكره أنه فعل ما لولا الإكراه لم يفعله خشية الضرر، وهو عين التقية.
وأما النظر فمن وجهين أحدهما: أن التقية ضرب من الرخصة لاستواء أحدهما، إذ الرخصة هي استباحة المحظور مع قيام المانع، وكذلك التقية من غير فرق، إذ المتقي يستبيح
[ ١٢٨ ]
مثلا إظهار الكفر، حفظا لنفسه [مع قيام] المانع من الكفر كما يستبيح [المترض] (١) مع قيام المانع منه.
الوجه الثاني: أن في التقية جمعا بين مصلحتين: دفع الضرر مع استبقاء المعتقد، وهو أولى من تضييع إحداهما.
هذا أقصى ما علمناه للشيعة من دليل التقية، ثم أجابوا عن حجة الجمهور بأن قالوا:
قولكم: التقية نفاق، قلنا: لا نسلم، بل هي رخصة كما سبق بيانه، ولو سلمنا أنها نفاق، لكن قولكم: النفاق حرام قضية مهملة، فإن أخذتموها على إهمالها كانت جزئية، وقياسكم المذكور شرط إنتاجه كلية كبراه فلا تنتج إذن، وإن أخذتموها كلية هكذا: التقية نفاق، وكل نفاق حرام، منعنا كليتها، ومستند المنع أن النفاق له مسميان: / [٧٩/ل] لغوي، وهو: إبطان أمر ما، وإظهار خلافه خشية الضرر، وشرعي وهو: إبطان الكفر أو البدعة، وإظهار الإيمان أو السّنّة خشية الضرر. والأول أعم من الثاني، والذي نسلم تحريمه إنما هو الثاني، هو النفاق بحسب مسماه الشرعي، أما اللغوي فلا نسلم تحريمه، فتعود كبرى قياسكم جزئية فلا تنتج.
والتقية التي ندعي جوازها إن سلمنا كونها نفاقا، فإنما هي نفاق لغوي لا شرعي؛ إذ دعوى كونها نفاقا شرعيا مسألة أخرى تخرجنا عن الكلام في مسألة التقية بالكلية، إذ يبقى النزاع في أن ما أخفاه المتقي هو بدعة أولا، وذلك بلا/ [٣٨/أ/م] شك مسألة أخرى.
وأما قولكم: لو جازت التقية لجاز إظهار الكفر من الأنبياء تقية، وهو باطل.
قلنا: لا نسلم بطلان الجواز أعني جواز إظهار الكفر منهم تقية، وإنما الباطل هو وقوع الكفر منهم، وهو غير لازم؛ لأن الله﷿يعصمهم منه مع جوازه عليهم كسائر المعاصي التي عصموا منها، ولولا جواز ذلك عليهم لم تظهر فائدة عصمتهم منه.
قالت الشيعة: فقد تبين بطلان شبهتكم في إبطال التقية، ووضح برهاننا على صحتها وجوازها، وأنها من دين الله﷿ورسله، وأولى العلم.
وإنما نازعتمونا في أصل التقية؛ لأجل فرع من فروعها، وجزء من جزئياتها، وهو أن بيعة علي لأبي بكر كانت تقية، فطردتم المنع [في الأصل] الكلي لأجل المعنى الجزئي، كما منعت اليهود أصل النسخ، لئلا تلزمهم نبوة محمد ﷺ والمسيح﵇ونحن
[ ١٢٩ ]
نقيلكم من ذلك، ولا نبني بيعته على [تقية علي] جواز التقية بل نحن نثبتها عليكم بحديث الزهري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وقد سبق ذكره، فإنه نص في أنه إنما بايع ضارعا أي: مقهورا مغلوبا لانصراف وجوه الناس عنه عند موت فاطمة.
وحينئذ لا يبقى لمنعكم جواز التقية من حيث هي تقية معنى، مع وضوح برهانها، والله -﷿أعلم [بالصواب].
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ (٣٠) [آل عمران: ٣٠] اختلف فيه، فذهب قوم إلى إثبات النفس لله﷿على ما يليق به، وجعلوه من آيات الصفات، وتأوله آخرون على الذات، أي: يحذركم الله ذاته، وكذا القول في:
﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (١١٦) [المائدة: ١١٦].
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ (٣٠) [آل عمران: ٣٠]، عام مطرد في الخير والشر، يلقى كل أحد ما عمل منهما ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣١) [آل عمران: ٣١] يحتج به على وجوب متابعة النبي ﷺ قولا وفعلا، وأنهما منه للوجوب، لأنه جعل متابعته لازما لمحبة الله﷿لأنا/ [٨٠/ل] نفرضها مقدمة استثنائية هكذا: لو أحب زيد الله لاتبع رسوله، فقد وقع اتباع الرسول ﷺ فيها تاليا، وهو اللازم ومحبة الله﷿-[لازمة] واجبة، ولازم الواجب واجب، فاتباع النبي ﷺ واجب، ثم اتباعه تارة يكون بامتثال أمره واجتناب نهيه، وتارة بموافقته في فعل مثل فعله، وترك مثل ما ترك لأجل أنه فعل وترك، وذلك يقتضي أن أمره وفعله يقتضيان الوجوب، وفيهما خلاف وتفصيل.
[ ١٣٠ ]
أمره، فأمره واجب الامتثال، لكن في هذا دور، إذ هو بناء لكن الأمر للوجوب على نفسه إذ صار تقديره امتثال أمره واجب، لأن الأمر للوجوب، فإن الله لا يحب الكافرين، دليل خطابه أنه يحب المؤمنين، ويؤكد هذا قوله﷿- ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٨) [آل عمران: ٦٨] ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٥٧) [البقرة: ٢٥٧] ولا يتولى إلا من يحبه، وحينئذ يستفاد من الآية أن عاقبة المؤمنين الرحمة والسلامة من الخلود في النار، لأن كل مؤمن محبوب لله﷿- مرحوم، سواء سلم من العذاب بالكلية أو عذب مدة ثم يرحم.
﴿* إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٣) [آل عمران: ٣٣]، يحتج به من يقول: إن آدم﵇كان رسولا أخذا من لفظ (اصطفى) واقترانه بجماعة من المرسلين وليس بنص فيه، وفي المسألة خلاف، وهي من مسائل النبوات.
﴿*إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٣) [آل عمران: ٣٣]، أي على عالمي زمانهم، أو على من عدا محمد ﷺ.
﴿فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣٦) [آل عمران: ٣٦] عام في ذرية مريم، وهم المسيح [وأخوته من يوسف النجار] فيما قيل. وقد صح في البخاري أن عمار بن ياسر كان محفوظا من الشيطان على لسان محمد ﷺ (١) فلعله كان ينزع إلى هذه الذرية من جهة بعض أمهاته، أو بسبب ما كالرضاع ونحوه.
﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] يحتج بها الجمهور على ثبوت كرامات الأولياء، خلافا للمعتزلة في إنكارها، وإنما يصح الاستدلال المذكور على القول بأن مريم لم تكن نبية، أما إن قيل: إنها كانت نبية فلا حجة
[ ١٣١ ]
فيه، إذ يكون ذلك من قبيل المعجزات لا الكرامات، وقد اختلف في مريم وأم موسى وسارة زوجة إبراهيم/ [٨١/ل] وآسية امرأة فرعون، هل كن نبيات أم لا؟ على قولين للعلماء، أصحهما: لا، واختلف من الرجال في طالوت والإسكندر والخضر ولقمان هل كانوا أنبياء أم لا؟ على قولين؛ أصحهما: لا، قال ذلك ابن حزم في كتاب الإجماع له.
﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَاِمْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ (٤٠) [آل عمران: ٤٠] هذا من خوارق العادات، أعني ولادة العاقر فهو معجزة لزكريا ﵇.
﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ (٤١) [آل عمران: ٤١] فيه مسائل:
الأولى: جواز جعل العلة الشرعية أمرا سلبيا عدميا نحو؛ ليس بمكيل فلا يجرى فيه الربا ونحوه، لأن الله﷿جعل له الأمارة على ولادة امرأة زكريا عدم كلامه ثلاثة أيام، وإذا جاز ذلك في معجز نبوي فهو في حكم فرعي أجوز.
الثانية أن [٣٩ أ/م] قوله﷿: ﴿إِلاّ رَمْزًا﴾ استثناء متصل أو منقطع؟ فيه خلاف، واحتمال الثالثة: لو حلف لا يكلم زيدا، فرمز إليه أو غمزه بما يفهم به عنه، انبنى على الخلاف إن قلنا: الاستثناء المذكور متصل، فالرمز كلام يحنث به وإلا فلا.
﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ (٤٢) [آل عمران: ٤٢] يحتج به من يرى نبوتها كما مر نحو: ﴿*إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٣) [آل عمران: ٣٣] ﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤) [الأعراف: ١٤٤] وليس بنص في ذلك كما سبق.
﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ (٤٢) [آل عمران: ٤٢] [إن قلنا: إن مريم] وصواحباتها نبيات فهن أفضل من فاطمة وخديجة وعائشة، وإن قلنا: لسن بنبيات احتمل أنهن أيضا أفضل للخلاف في بنوتهن، واحتمل التسوية بين الجميع تخصيصا لهن [بأدلتهن الخاصة] من بين النساء،
[ ١٣٢ ]
واحتمل تفضيل فاطمة على الجميع لقوله ﷺ: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» (١) «فاطمة بضعة مني» وبضعة النبي ﷺ لا يعدل بها شيء، وهو أظهر الاحتمالات إن شاء الله ﷿.
﴿يا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاُسْجُدِي وَاِرْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (٤٣) [آل عمران: ٤٣] يحتج به من يرى أن الواو لا تقتضي الترتيب لتقديمه السجود على الركوع.
وأجيب بأن في شرعهم كان ترتيب الصلاة هكذا، فقد أفادت الترتيب في ذلك الشرع، والأظهر أنها للجمع المطلق، لا للترتيب، فإذا قلنا: قام زيد وعمرو، احتمل قيامها معا، ومتعاقبين، ومع التراخي، وكون زيد قام قبل عمرو وبالعكس.
وسنذكر المسألة غير هاهنا إن شاء الله ﷿.
﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤٤) ([٨٢/ل]) [آل عمران: ٤٤] هي حجة على صحة نبوة النبي ﷺ وتقريرها: أن محمدا ﷺ قد أخبر بغيب لم يحضره، ولم يخبره به مخبر سوى الله﷿-، وكل من أخبر بغيب كذلك فهو نبي صادق؛ فمحمد ﷺ نبي صادق، أما الأولى فلأنه أخبرهم بما كان من أمر زكريا﵇- ومريم، ولم يحضره قطعا، ولم يخبره سوى الله ﷿؛ إذ لم يكن كاتبا، ولا مؤرخا، ولا خالط أحدا ممن هو كذلك حتى يخبره.
وأما الثانية: فلأن من كان كذلك يعلم قطعا أنه علم ذلك الغيب بوحي، وكل من أوحي [إليه] الوحي الحقيقي فهو نبي، ويستفاد من هذا أن واصف اللقطة إذا أصاب صفتها يجب دفعها إليه؛ لأنه إذا وصفها والتقدير أنه لم يحضر عند التقاطها ولا أخبره بها الملتقط ولا غيره دل على أنه صاحبها لانحصار القسمة في ذلك.
قوله﷿في صفة عيسى: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٤٥) [آل عمران: ٤٥] اعلم أنا قد نهينا عن التفضيل بين الأنبياء، لكن/ [٣٩ ب/م] قد بلغنا عن بعض الناس أنه يفضل موسى على عيسى، فخالف النص وأخطأ الصواب، وغرضنا الرد
[ ١٣٣ ]
عليه لا غير، وبيانه أن الله﷿لما أثنى على موسى﵇قال:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾ (٦٩) [الأحزاب: ٦٩] وقال في عيسى﵇- ﴿إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وهذا الثناء أبلغ، فالمثنى عليه به أفضل، ولأن موسى ذو آية، وعيسى في نفسه آية، وموسى كليم، وعيسى روح [وقد علم أن ذلك إنما هو] بمجرد الإضافة، ولأن موسى حين يستشفع الناس به في الموقف يذكر ذنبا يمتنع به من الشفاعة، وعيسى لا يذكر ذنبا، ولأن محمدا ﷺ أفضل الأنبياء، وعيسى أقرب إليه، والأقرب من الأفضل أفضل، وقد يعارض هذا كله بأن مكان موسى من السماء أرفع من مكان عيسى كما صح في حديث المعراج (١) وليس بقاطع في كونه أفضل؛ لاحتمال أن ذلك لكون عيسى على عزم النزول إلى الأرض كما يكون الجالس في التشهد الأول غير متورك بل كأنه على الرضف مستوفزا لكونه على عزم النهوض، أو لغير ذلك من الأسرار؛ ولأن الإجماع على أن جبريل أفضل الملائكة مع أن فوقه في المكان خلقا كثيرا منهم، وبالجملة/ [٨٣/ل] فارتفاع المكان لا يدل على ارتفاع المكانة.
﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٤٦) [آل عمران: ٤٦] هذه من آيات عيسى، والكلام على أصل أهل السّنّة مخلوق لله﷿كسائر الأفعال؛ فجاز أن يخلقه على لسان الطفل وغيره، والذين تكلموا في المهد: عيسى وصاحب جريج وابن صاحبة الأخدود، وابن المرأة الذي رأى امرأة تضرب فقال: اللهم اجعلني مثلها، ورأى رجلا ذا يسارة فقال: اللهم لا تجعلني مثله. وشاهد يوسف ﵇ على خلاف فيه، (٢) وهذه من مسائل النبوات من المعجزات.
﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٧) [آل عمران: ٤٧].
إن قلنا: إن مريم نبية؛ فهذا معجز لها ولابنها، وإن قلنا: ليست بنبية فهو معجز لابنها
[ ١٣٤ ]
وكرامة لها، كما كان رد الشمس على القول بإثباته معجزا للنبي ﷺ وكرامة منه لعلي ﵁، وخلق بشر لا من أب بل ولا من أم أيضا ممكن لذاته، وإنما أطردت العادة بخلافه فصار غريبا خارقا.
وقد أحال الله﷿به على القدرة فقال ﷿: ﴿إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٧) [آل عمران: ٤٧].
﴿وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] هذا من معجزاته -﵇جعل الله﷿في روحه قوة تتعدى إلى الطين، فيصير طيرا وهو روح القدس على أحد الأقوال فيه، وهو كالنار توقد غيرها ولا تنقص/ [٤٠ أ/م].
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤٩) [آل عمران: ٤٩] هذه كلها من معجزاته والمعجز أمر ممكن خارق للعادة، مقرون بالتحدي خال عن المعارض، ومعجزات الأنبياء ﵈ كلها داخلة تحت هذا الحد.
﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٥٠) [آل عمران: ٥٠] يعني في شرع موسى﵇أحل لهم السبت، ولأجله حاولت اليهود قتله بناء على أن أحكام التوراة مؤبدة عندهم.
وقد بينا بطلان ذلك في مسألة النسخ، وتغيير المسيح له مع صحة نبوته ووضوح برهانه ومعجزته دليل على جواز النسخ وكذلك اليهود في دعوى التأييد أو تأويله على ما سبق بيانه وعند المسلمين في بقاء تحريم السبت عليهم قولان قوله ﷿: ﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (٥٢) [آل عمران: ٥٢] قيل معناه مع الله، والصواب أنها على أصلها في انتهاء الغاية أي: من أنصاري لأصل إلى إقامة أمر الله، أو أنه ضمن أنصاري معنى أصحابي؛ لأن الناصر صاحب. والصحبة لا بد لها من مقصد وغاية، وهي هاهنا الوصول إلى الله﷿وكذا القول في ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾
[ ١٣٥ ]
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) ([٨٤/ل]) [النساء: ٢].
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦) [المائدة: ٦] فيهما خلاف.
﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٥٥) [آل عمران: ٥٥] اختلف فيه، فقيل:
مات ثلاث ساعات، وصلي عليه في السماء ثم عاش، وقيل: لم يمت إلى الآن، ولا يموت حتى يقتل الدجال ثم يموت بعد مدة، ويدفن في حجرة النبي ﷺ وذلك بسؤاله أن يكون له نصيب من جهاد أمة محمد ﷺ فأجيب ورزق أفضل جهادها: جهاد الدجال، ومعنى الآية على هذا: إني رافعك ومتوفيك بعد الرفع بناء على أن الواو لا تقتضي الترتيب.
﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ (٥٥) [آل عمران: ٥٥].
احتج به النصارى على طريق الإلزام على أنهم أفضل الأمم، قالوا: لأنا نحن الذين اتبعوه، وقد حكم القرآن بأننا فوق الذين كفروا به، فكل من خالفنا في مقالنا في المسيح فنحن فوقه وأفضل منه بنص القرآن.
والجواب: لا نسلم أنكم اتبعتموه بل أنتم أول من خالفه وكفر به، إذ هو يقول: أنا عبد الله ورسوله، وأنتم تقولون: إنه إله، وقد ورد القرآن بأنه تبرأ منكم، واعتذر إلى الله -﷿مما قلتم، وإنما الذين اتبعوه هم المسلمون الذين اعتدلوا فيه؛ فقالوا: عبد الله ورسوله، فقذفوه، وعلى زعمكم قتلوه، يدل [هذا على] أنه جعل العلامة أن يجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، والمسلمون هم بحمد الله ﷿ الظاهرون على غيرهم إلى يوم القيامة إن شاء الله﷿.
[ ١٣٦ ]
(/ [٤٠ ب/م] ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٣٣) [التوبة: ٣٣].
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٥٦) [آل عمران: ٥٦]، الآيتين، عام مطرد بشرط الموافاة على الكفر والإيمان.
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٥٩) [آل عمران: ٥٩].
هذا جواب عن شبهة احتج بها النصارى على إلهية المسيح، وصورة الشبهة أن المسيح آية في نفسه؛ لوجوده على خلاف مطرد العادة من غير أب، ولك من كان كذلك فهو إله.
وتقرير الجواب: لا نسلم المقدمة الثانية إذ هي باطلة بآدم، قيل له: «كن» فكان، لا من أب ولا أم، ثم ليس هو إلها، ولو كان ما زعمتم يقتضي الإلهية، لكان آدم أحق بها؛ لأنه أغرب وأعجب وأقعد في خرق العادة، ثم إن بعض النصارى يفرق بين آدم وعيسى بأنه مولود خرج من الرحم/ [٨٥/ل] بخلاف آدم.
والجواب أن هذا الفرق لا أثر له بل هو مقرر لضعف دعواكم؛ لأن كونه مولودا يقرر له حكم البشرية والإنسانية، وذلك ينافي الإلهية.
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ (٦١)
[آل عمران: ٦١] فيها بحثان مع النصارى والشيعة، فإن نصارى نجران وفدوا على النبي ﷺ ليجادلوه في إلهية المسيح، ورئيسهم يومئذ العاقب والسيد وعبد المسيح، فقالوا:
يا محمد، هل تعلم بشرا يولد من غير أب، فإن لم يكن المسيح إلها فمن أبواه؟ فقال لهم النبي ﷺ: «هل تعلمون ولدا إلا من جنس أبيه؟» قالوا: لا، قال: «فإن كان المسيح ابن الله كما زعمتم، وجب أن يكون أبوه مثله، وهو مثله» فأفحمهم، ثم إنهم عاندوا وطلبوا المحاجة بعد هذا الانقطاع، فأمر النبي ﷺ عليا والحسن والحسين وفاطمة خلفهم حتى جاء للموعد، فلما رآه النصارى ومن معه عرفوا الحق، وقال بعضهم لبعض: إنا لنرى وجوها إن دعوا علينا أضرم علينا الوادي نارا فاحترقنا؛ أو أسلموا معه ولا تباهلوه، فقالوا: أما
[ ١٣٧ ]
الإسلام فلا، وأما الجزية فنعم، ففعلوا ذلك وصالحوه على شيء كثير من سلاح وكراع ومال وغيره؛ ثم انصرفوا، ثم بعد مدة عاد السيد فأسلم في آخرين معه، أو كما قيل، هذا ما يتعلق بالآية مع النصارى.
وأما البحث فيها مع الشيعة، فإنهم احتجوا بهذه القصة على أن أهل البيت هؤلاء الأربعة أفضل الناس بعد النبي ﷺ من الصحابة والقرابة/ [٤١/أ/م] وعلى أن عليا أفضل من أبي بكر وفاطمة أفضل من عائشة، وقرروا هذه الدعاوى من حيث الجملة بوجوه:
أحدها: أنه ﵊عول على هؤلاء الأربعة في أهم الأمور، وهو إثبات التوحيد على منكريه دون غيرهم، وكل من عول عليه في أهم الأمور دون غيره فهو أفضل.
الوجه الثاني: أنهم منصوص عليهم للمباهلة في القرآن من السماء، وكل من كان منصوصا عليه من السماء/ [٨٦/ل] فهو أفضل.
الوجه الثالث: أن الجهاد ضربان: روحاني وجسماني، والروحاني أفضل، ثم إن ﵊جعل هؤلاء القوم جنده في أفضل الجهادين، وهو الروحاني؛ فكانوا أفضل من جنده في الجهاد الجسماني، ثم كان علي أفضل أهل البيت لاجتماع الجهادين له، أما الروحاني ففي هذا المقام، وأما الجسماني فكم له فيه من مقام.
الوجه الرابع: أن نساءه في هذا المقام المشهود كانت فاطمة، ونفسه كان هو عليا، فوجب أن يكونا أفضل من عائشة وأبي بكر.
الوجه الخامس: لو كان أبو بكر وعمر وعائشة وحفصة في طبقة أهل البيت في الفضيلة، لأخرجهم معهم للمباهلة، لأن أهل الفضل إنما يدخرون لأوقات الكروب، كما أن الشجعان إنما يدخرون للحروب.
وقصة المباهلة على معنى ما ذكرناه ثابتة في صحيح مسلم، وهي بيان للآية.
[ ١٣٨ ]
الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) [القصص: ٧١].
﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦٢) [آل عمران: ٦٢].
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٥) [آل عمران: ٦٥] هذا أصل في استدلال أصحاب الحديث على كذب الكذابين فيه بالتاريخ بأن يروي أحدهم عمن مات قبل ولادته، أو يؤرخ سماعه منه بوقت قد مات قبله، مثل أن يقول: حدثني فلان سنة ست عشرة، ووفاة فلان سنة خمس عشرة وهو أصل في استخراج كذبهم، ومرجعه إلى هذه الآية؛ لأن اليهود والنصارى جادلوا في إبراهيم، وادعت كل طائفة أنه كان على دينها فقيل لهم: أديانكم وكتبكم، وهي التوراة والإنجيل، إنما ظهرت بعد إبراهيم بدهر طويل فكيف يكون عليها مع أنه كان قبلها، وهو نظير قول المحدث للراوي الكاذب، فلان مات قبل أن تولد، فكيف سمعت منه هذا محال.
﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٦) [آل عمران: ٦٦].
هذا حجة/ [٤١/ب/م] على أن شرط صحة المناظرة أن تكون في علم يعلمه المناظران، أما أن يناظرا/ [٨٧/ل] في علم لا يعلمه أحدهما فلا، إذ مقصودها إحقاق الحق، وإبطال الباطل بالدليل.
ومن لا يعرف ذلك العلم لا يمكنه ذلك، وإنما هو كالأعمى يريد الكتابة وهذه تتعلق بأصول الفقه؛ لأن الجدل مذكور في أواخره في كثير من الكتب.
﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ﴾ (٦٨) [آل عمران: ٦٨] أي في عصره ﴿وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٨) [آل عمران: ٦٨] يعني محمدا وأمته لا اليهود والنصارى.
﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٦٩) [آل عمران: ٦٩] يحتج به القدرية في أن الإنسان يضل نفسه لا أن غيره يضله.
وأجاب الجمهور بأن الله﷿يضله حقا، وهو يضل نفسه اختيارا وكسبا،
[ ١٣٩ ]
أو يضله بالسبب الأبعد، ويضل هو نفسه بالسبب الأقرب كما سبق في موضعه.
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٧٠) [آل عمران: ٧٠] أي بصحتها؛ وهو إنكار شديد عليهم في ذلك، وفيه دليل [عظيم على] قبح شهادة الزور، وأنه جدير بأن يكون إحدى الموبقات، لأن شاهد الزور يشهد بالشيء، وهو يعلم صحة بطلانه، وينفي الشيء وهو يعلم ثبوته، فأشبه اليهود في كفرهم بما علموا صحته، وقد نهى عن التشبه بهم نهيا مغلظا، وكذلك ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧١) [آل عمران: ٧١].
﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاُكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٧٢) [آل عمران: ٧٢] أوله ووقت إقباله، بدليل مقابلته باخره تشبيها له بوجه الحيوان، لأنه أول جسده، وهو مجاز محل الكلام فيه أصول الفقه.
﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٧٣) [آل عمران: ٧٣].
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٧٤) [آل عمران: ٧٤] هو حجة على أن مناط الفضل والرحمة والخير والبركة، إنما هو مشيئة الله﷿لا استعداد المستعد، ولا سعي الساعي، ولا حزم الحازم، ولا عجز العاجز ونحوه، وإنما تلك الأسباب إذا تعلقت المشيئة بشيء قدرت أسبابه اختيارا، وإلا اضطرارا.
﴿* وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥) [آل عمران: ٧٥] يستشهد بها على مفهوم الموافقة، وهو ما يكون المفهوم فيه أولى بالحكم من المنطوق؛ لأن من يؤدي قنطارا أولى بأداء الدينار، ومن يمنع دينارا أولى بمنع القنطار، وهو من باب:
﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ / [٨٨/ل] [الإسراء: ٢٣].
واعلم أن الحكم إما أن يستفاد من منظوم الكلام، وهو المنطوق، أو من مفهومه، وهو
[ ١٤٠ ]
إما أن يكون أولى بالحكم من المنطوق وهو مفهوم الموافقة، أو لا يكون أولى به وهو مفهوم المخالفة نحو: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١٥) [المطففين: ١٥] «وفي سائمة الغنم الزكاة» (١) / [٤٢ أ/م] وإلى هذه القسمة ترجع الألقاب الكثيرة نحو مفهوم الخطاب، ودليله وفحواه ولحنه وما كان من ذلك.
﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٧٩)
[آل عمران: ٧٩] دليل خطابه أنه يكلم ويزكي من ليس كذلك، ممن وفى بعهده ولم يشتر بعهد الله﷿ويمينه ثمنا قليلا.
﴿وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٧٩) [آل عمران: ٧٩]، تدل على أن من علم الكتاب وعلمه ودرس كان ربانيا، وهو مشاهد، ودل صدر الآية وهو ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٧٩) [آل عمران: ٧٩]. على أنه لا أحد من البشر ينبغي أن يكون إلها حقيقيا، وهي قضية سالبة دائمة إن لم تكن ضرورية، وهي تنعكس كنفسها هكذا: لا واحد من الالهة الحقيقية ينبغي أن يكون بشرا، وهو مبطل لمذهب النصارى في اعتقادهم إلهية المسيح، والكلام معهم طويل.
﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٨٠)
[آل عمران: ٨٠] فيه رد على اليهود والنصارى، حيث تألهوا عزيرا والمسيح، وعلى الصابئة حيث عبدوا الملائكة والكواكب.
ومستند الرد أن هؤلاء كلهم حادثون، لما سبق في بيان حدوث العالم، [ولا شيء] من الحادث بإله، فلا شيء من هؤلاء بإله، وهو واضح.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ﴾
[ ١٤١ ]
﴿رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (٨١) [آل عمران: ٨١] فيها مسألتان:
إحداهما: جواز التكليف بالمعدوم بشرط وجوده، لأن الله﷿أخذ ميثاق النبيين﵈على نصرة محمد ﷺ والإيمان به في الزمن القديم وليس حينئذ موجودا، لكن بشرط وجوده في عصره.
الثانية: ﴿قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (٨١) [آل عمران: ٨١] فيه مستدل لمن اشترط في صحة الرواية إقرار الشيخ بأن يقال له: حدثكم فلان أو سمعتم، فيقول: سمعت. أو: نعم، وهو مذهب من شدد في الرواية، والصحيح أنه متى علم إقراره بالسماع ونحوه بنص منه أو قرينة جازت الرواية.
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٨٥) / [٨٩/ل]) [آل عمران: ٨٥] عام مطرد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اِفْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٩١) [آل عمران: ٩١] عام مطرد في عدم قبول الفدية منهم، ولحوق العذاب الأليم بهم، وعدم الناصر لهم.
﴿* كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٩٣) [آل عمران: ٩٣] عام خص بالاستثناء بعده.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٠٢)
[آل عمران: ١٠٢] قيل: عام خص بقوله﷿- ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ وَاِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٦) [التغابن: ١٦] وقيل: عام أريد به ذلك الخاص، وقيل: منسوخ به في البعض، وهو ما لا يستطاع، ولعلك تطلب الفرق بين العام المخصوص، والعام الذي أريد
[ ١٤٢ ]
به الخاص وهو فرق مهم، وهو المتكلم إذا أطلق اللفظ العام فإن أراد سلب الحكم عن بعض منه فهو العام المخصوص، مثاله: قام الناس. فإن أردت إثبات القيام لزيد مثلا لا غير، فهو عام أريد به الخاص، وإن أردت سلب القيام عن [زيد] فهو عام مخصوص، وأيضا العام يراد به الخاص، إنما يحتاج إلى دليل معنوي يمنع من إرادة الجميع فيتعين له البعض، والعام المخصوص يحتاج إلى مخصص لفظي غالبا كالشرط والاستثناء والغاية والصفة والمنفصل نحو: قام القوم، ثم بقوله: ما قام زيد.
﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٠٣) [آل عمران: ١٠٣] يحتج به وبأمثاله من ذم الفرقة، والنهي عنها من ينكر الخلاف في الفروع، وتقريره: أن الخلاف مطلقا مذموم، ولا شيء من المذموم بمشروع فالخلاف مطلقا ليس بمشروع، فإن اضطر إليه لتعارض الأمارات والماخذ، فليجتهد في تقليله ما أمكن، على ما تقرر في كتاب «عمدة الاختلاف في تقليل الخلاف».
﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٠٣) [آل عمران: ١٠٣] يحتج بظاهره من يرى أن ما قارب الشيء يعطى حكم ذلك؛ لأن هؤلاء المخاطبين كانوا قد قاربوا الوقوع في النار فأعطوا حكم من وقع فيها، ثم أخرج منها، أما إن تأولناه على معنى: فأنقذكم من الوقوع فيها، على تقدير حذف المضاف لم ينهض حجة على ذلك.
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٤) [آل عمران: ١٠٤] فيها أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، لأن/ [٩٠/ل] المأمور به بعض الناس، ويلزم منه جواز الإيجاب على الكفاية، خلافا لمن منعه؛ لأنه إيجاب على مبهم مجهول، وذلك غير معقول.
والجواب يمنع أنه غير معقول؛ إذ لا يأبى العقل أن يوجب السيد على جماعة عبيده عملا إن تركوه عاقبهم، وإن فعلوه سلموا من العقاب سواء فعله جميعهم أو بعضهم، ولا يعين لفعله أحدا منهم، وقياسا على الواجب المخير، إذ هو تكليف ببعض غير معين وعلى الواجب الموسع إذ هو تكليف في زمن غير معين، والمسائل الثلاث من مادة واحدة، إذ
[ ١٤٣ ]
هي مشتركة في تعلق الحكم بالقدر المشترك.
﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ (١٠٨) [آل عمران: ١٠٨] يحتج به المعتزلة على أن الظلم الواقع في العالم ليس من الله﷿بخلق ولا إرادة، وتقريره أن الله﷿نفى أن يريد أن يظلم هو أحدا، ولو كان الظلم الواقع منهم مخلوقا، أو مرادا له ثم عاقبهم عليه لكان ظالما لهم وذلك مع كونه لا يظلمهم ما لا يجتمع.
وجواب الجمهور بمنع هذه الملازمة فلا نسلم أنه لو خلق الظلم فيهم ثم عاقبهم عليه كان ظالما.
ومستند/ [٤٣/أ/م] المنع ما قررناه في سر القدر.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (١١٠) [آل عمران: ١١٠] ربما تعلق به بعض الجهال في الطعن على الأمة بأن قال: معنى الآية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ثم انتقلتم عن الخيرية كما يقال:
كانت دولة فلان وانقضت، وكان الناس كراما، ثم حالوا عن الكلام.
والجواب: أن هذا جهل بالكلام وأقسامه، فإن هذا إنما يصح أن لو كانت «كان» هاهنا ناقصة، وليست كذلك بل هي تامة تقديره: وجدتم خير أمة، نحو: إذا كان الشتاء أي: إذا وقع، ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أي وجد.
﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فيه أن هذه الخصال الثلاثة هي جماع الخير وملاكه؛ لأنه ﷿ فسر خيرية الأمة بها.
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ﴾ (١١٩) [آل عمران: ١١٩] عام مطرد.
﴿وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] هذا أمر تعجيز وتحسير، أي: أنكم عاجزون عن كيدنا، وبحسرته تموتون.
﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١١٩) [آل عمران: ١١٩] عام مطرد.
[ ١٤٤ ]
عموم وخصوص تضمن عموما/ [٩١/ل] مطردا، وكذلك كل جملة تضمنت نفيا ب «ما» وإثباتا ب «إلا» فقوله﷿: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١٢٦) [آل عمران: ١٢٦] عام، أي ما النصر موجود، ثم خص بالاستثناء بعد وهو ﴿إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ فحصل منهما عام مطرد تقديره: النصر كله من عنده الله.
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١٢٨) [آل عمران: ١٢٨] عام مطرد، إذ هو نكرة في سياق نفي، وهو شبيه بقوله﷿- ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦) [القصص:
٥٦] في الدلالة على استبداد الله﷿بالتصرف في خلقه من غير مشارك.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٣٠) [آل عمران: ١٣٠] هذا خرج مخرج الغالب، أو حكاية حالهم في أكل الربا، أو التعريض بالتشنيع على أكلته، كذلك فلا مفهوم حتى لو أكله آكل لا أضعافا مضاعفة لكان حراما أيضا.
﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤) [آل عمران:
١٤٤] فيه إثبات رسالته ﷺ وسيأتي البرهان عليها في سورة الفتح إن شاء الله ﷿.
﴿اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا﴾ (١٤٤)
[آل عمران: ١٤٤] زعمت الشيعة أن هذا تعريض من الله﷿بارتداد الصحابة، وانقلابهم على أعقابهم بعد موت النبي ﷺ قالوا: والنبي ﷺ علم ذلك، فأكد في نهيهم عنه، بقوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ولا ترجعوا بعدي ضلالا. . .» (١) الحديث، ثم لم يكفه ذلك حتى أخبرهم بأنهم سيؤخذ بهم يوم القيامة عن الحوض ذات الشمال إلى النار حتى لا يخلص منهم إلا همل النعم، قالوا: وقد كان ذلك منهم بانحرافهم عن إمامهم المنصوص عليه وهو علي إلى غيره.
[ ١٤٥ ]
وأجاب الجمهور بأنا لا نسلم أن في الآية تعريضا بما ذكرتم، وإنما هو جملة شرطية دخل عليها حرف الاستفهام، فأفادت تشجيعهم على القيام بالأمر معه/ [٤٣ ب/أ] ومن بعده، وقد فعلوا، وأما قوله ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفارا» فهو نهي لهم عن مثل ما خلفت به الأمم السالفة أنبياءها من الكفر، وقد امتثلوا فلم يكفروا، وما كان بينهم من الحروب والدماء فعن تأويل واجتهاد هم فيه معذورون بل ومأجورون، وأما المأخوذ بهم ذات الشمال إلى النار فمحمول على أهل الردة الذين ماتوا عليها.
﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٥) [آل عمران:
١٤٥] عام مخصوص بمن شاء الله﷿أن ينال ذلك، ووفق لأسبابه بدليل:
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ (١٨) [الإسراء: ١٨].
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ﴾ (١٥١) [آل عمران: ١٥١] أي: بما نخلق فيها من أسباب الضعف والجبن، ونقرره فيها من مقدمات خذلانهم ونصر المؤمنين عليهم، وهو من مادة ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١٣) [آل عمران: ١٣] ونحوه.
[ ١٤٦ ]
وغيرها من العوالم لا تصرف في شيء من ذلك في الدنيا والآخرة لغيره، ﷿.
﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٢٣) [هود: ١٢٣]، ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٤) [فاطر: ٤]، ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ (٤٢) [النجم:
٤٢]، ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١٥٤)
[آل عمران: ١٥٤] يعني بقدرة الله﷿وقضائه وقدره الغالب النافذ، ومستند ذلك وسببه ما يلقيه ويخلقه في النفوس من دواعي البروز إلى القتال والصوارف عن القرار في البيوت، بما تسول للإنسان نفسه من لذة الظفر بخصمه، أو الغنيمة ونحوه.
فإذا خرج ضعفت أسبابه، وانعكس حسابه، وأخذت أسلابه كما جرى للكفار ببدر.
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٤٨) [الأنفال: ٤٨] ونحو ذلك، وكشف السر عن خلق الدواعي والصوارف، وتحقيق كيفيته ما لا يليق مع كل أحد، وهو إذا حقق انتفضت به قوى القدر وانعزل الصواب عن أهل الاعتزال. وهذه كقوله ﷿:
﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٧٨) [النساء: ٧٨] وقول الشاعر:
فإن المنية من يخشها فسوف تصادفه أينما
أي: أينما ذهب.
قول علي﵁-:
في أي يومي من الموت أفر [أيوم لم يقدر] أو يوم قدر ونظائره (كثيرة).
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١٥٥) [آل عمران: ١٥٥]، فيها مسائل للشيعة:
[ ١٤٧ ]
الأولى: أن هذا كان يوم أحد ففر عثمان وثبت علي؛ فدل على أن عليا أفضل؛ لأنه سلم من هذه اللائمة.
الثانية/: [٤٤ أ/م]: أن الفرار من الزحف كبيرة خصوصا عن النبي ﷺ في تلك الضائقة، وقد أتاها عثمان.
الثالثة: دلت الآية على أن فرار عثمان إنما كان عقوبة على ذنب آخر أتاه لقوله ﷿: ﴿إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] فكان عقوبة الذنب ذنبا مثله.
وأجابت السّنّة بتمام الآية، وهو/ [٩٣/ل] قوله﷿: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١٥٥) [آل عمران: ١٥٥] والذنب المغفور كغير المعمول، ولو ساعد الدليل على أن يحمل تولى عثمان وأصحابه توليا مباحا، إما تحرفا لقتال، أو تحيزا إلى فئة، لكان أولى، لكنه لا يساعد إذ لو كان كذلك لما لحقتهم اللائمة، ولما احتاجوا إلى العفو، وبما أجبنا به أولا أجاب ابن عمر عن عثمان مع معرفة ابن عمر بحقيقة الواقعة.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١٥٦) [آل عمران: ١٥٦] هذا هو قول القدرية المعتقدين لكون الإنسان يخلق الموت والقتل وأسبابه، فلو لم يخلقه لم يقع، فرد الله﷿ذلك عليهم بأنه هو الذي يحي ويميت بما يخلقه من الموت والحياة على أيدي خلقه، ويجبرهم على اكتساب أسبابه، وإنما خذل القدرية حتى اعتقدوا معتقدهم ليجعل ذلك حسرة في قلوبهم، يتندمون على فعلها كلما ذكروها تعجيلا لجزء من عذاب القدر لهم في الدنيا قبل الآخرة.
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] أي: بذنوبكم، فعله الله﷿بكم، وليس المراد أنكم خلقتموه كما زعم القدرية بدليل قوله ﷿:
﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٦٦) [آل عمران: ١٦٦] إشارة إلى تعليل هذا الفعل بهذه الحكمة، ويحتج به على أن أفعاله﷿معللة بالعلل الحكمية ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ اِدْفَعُوا﴾
[ ١٤٨ ]
قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) [آل عمران: ١٦٧] يحتج به المعتزلة في إثبات المنزلة بين المنزلتين، وعلى المنافقين لا كفار ولا مؤمنون، كالخنثى بين الذكر والأنثى؛ لأن الكلام هنا في المنافقين، ولم يقطع لهم أحد بأحد الطرفين بل جعلهم إلى الكفر أقرب منهم للإيمان، وهو يدل على ما ذكرنا، وكذلك المعتزلة قالوا: المؤمن إذا أتى الكبيرة خرج عن الإيمان لفسقه، ولم يدخل في الكفر لبقاء إسلامه وتوحيده، فهو إذن في منزلة بين منزلتين، لا كافر ولا مؤمن.
﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٦٨) [آل عمران: ١٦٨] كقولهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١٥٦) [آل عمران: ١٥٦] وقد سبق، ثم أجيبوا على جهة التعجيز والتكذيب؛ فقيل لهم: ﴿فَادْرَؤُا﴾ أي ادفعوا ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٦٨) [آل عمران: ١٦٨]، لأن من يدفع عن غيره أولى/ [٤٤ ب/م] بأن يدفع عن نفسه، وهم لا يستطيعون الدفع عن أنفسهم كما تبين في الواقع، فكذا عن غيرهم.
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١٦٩) [آل عمران: ١٦٩] يعني الشهداء، يحتج بها على أن الأرواح أجسام؛ لأنه وصفوا بعد القتل بالحياة والرزق والفرح والاستبشار وتلك صفات الأجسام، ثم إن تلك ليست هي الأجسام الطبيعية التي كانت قبل القتل؛ لأن تلك مشاهدة عندنا ليس لها شيء من الصفات المذكورة، فدل على أنها صفات أجسام [هي] الأرواح، ولقائل أن يقول: لعل الصفات المذكورة للطير الخضر التي تتعلق بها أرواح الشهداء، وتعلق من شجر الجنة، وحينئذ لا يدل على أن الأرواح أجسام.
[ ١٤٩ ]
حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) [آل عمران: ١٧٣] هذا عام أريد به الخاص كما مر في المقدمة.
﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٧٥)
[آل عمران: ١٧٥] أي يخوفكم أولياءه، وفيه إثبات الشيطان والجن خلافا للفلاسفة.
﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٧٦) [آل عمران: ١٧٦] هو يشوش مذهب المعتزلة من وجهين:
أحدهما: أن هذا شر وقد أراده، وهم زعموا أنه لا يريد الشر.
الثاني: أنهم زعموا أنه يجب عليه اللطف ورعاية المصالح.
وهذا ينافي ذلك، إذ لا مصلحة لهم في حرمان حظهم من الآخرة، وفي لزوم هذا لهم نظر.
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٧٨) [آل عمران: ١٧٨] هذا أيضا ينافي رعاية المصالح لهم، إذ إن مصلحتهم إذن في أن يعاجلهم ليكون أقل لإثمهم، بل في ألا كان يبتليهم، بل ألا كان يخلقهم.
﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١٨٢) [آل عمران: ١٨٢] يحتج به القدرية في أن فعلهم مخلوق لهم، ويحمله الآخرون على الكسب أو مقتضى الجبر على ما عرف.
﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٨٣) [آل عمران: ١٨٣] ظاهرة أنه سلم لهم هذه الدعوى، ثم ألزمهم المناقضة، وهو قتلهم من جاءهم بذلك، فإن كان صادقا فلم قتلتموه! وإن كان كاذبا فقد بطل كون القربان المذكور علامة على صدقه.
والتحقيق له [أنه] إنما سلم لهم ذلك على سبيل التنزيل، كأنه قال: لا أسلم أن الله﷿عهد إليكم بذلك، سلمناه لكن قد قتلتم من هذه صفته فلزمكم ما ذكرناه.
[ ١٥٠ ]
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (١٨٥) [آل عمران: ١٨٥] عام مخصوص بنفس الله﷿بأن وصف له نفسا، وعالم الجنة إن قلنا: لا يموتون، وحينئذ تقديره: كل نفس حادثة لم تخلق للبقاء ذائقة الموت.
فيختص بالقيد الأول، نفس الله﷿وبالثاني عالم الجنة ونحوه، ممن خلق للبقاء.
﴿وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] عام مطرد في توفية الأجور والحصر هو للتوفية في ذلك اليوم.
وكذا ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وهو مثل ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] / [٤٥ أ/م] في أنه جمع عموما وخصوصا حصل منه عموم مطرد.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (١٩٠) [آل عمران: ١٩٠] الآيتين، فيهما إشارة إلى كيفية النظر في شواهد الوجود الدالة على الصانع الموجود، كما في نظيرتها في البقرة غير أن هذه أخص من تلك وأحق بهذا المعنى، إذ فيها التصريح/ [٩٥/ل] بالتفكر في خلقهما، ولهذا كان النبي ﷺ يقرؤها وما بعدها حين يقوم من منامه، وروي أنه ﷺ قال: «ويل لمن قرأها ثم لم يتدبرها» (١).
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (١٩١) [آل عمران: ١٩١] إشارة إلى وجه الاستدلال بها وهو هكذا: ربنا أنت خلقت هذا، ومن خلق هذا لم يخلقه باطلا، فأنت لم تخلق هذا باطلا ولا عبثا نحو:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ (١١٥) [المؤمنون: ١١٥] ففيه إشارة إلى الاستدلال على المبدأ، وهو الصانع، وعلى المعاد وهو المرجع.
﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا﴾
[ ١٥١ ]
﴿ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ﴾ (١٩٣) [آل عمران: ١٩٣] ربما استشعر منه وجوب إجابة الداعي بمجرد دعواه من غير معجز، وليس كذلك، بل لا بد من المعجز والنظر فيه، وإلا ادعى النبوة كل أحد، [وإذا] كان مع اشتراط المعجز ظهر كذابون دجالون يدعون النبوة فكيف لو لم يشترط.
وهذه الآية مطلقة أو مجملة في اشتراط المعجز، قيدت أو [بينت] بالإجماع والنظر على ما قد يأتي إن شاء الله﷿.
﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ (١٩٥) [آل عمران: ١٩٥] يحتج به المعتزلة على مذهبهم في الأعمال؛ لأن الثواب هو العوض، فلولا أن أعمالهم التي استحق عليها الثواب من خلقهم لكان العوض والمعوض من جهة واحدة وأنه محال.
والكسبية قالوا: هو ثواب على أكسابهم.
الجبرية قالوا: سمي ثوابا مجازا، وإلا فكلاهما العمل والجزاء عليه من الله ﷿.
[ ١٥٢ ]