﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ (٨) [القصص: ٨] هذه لام العاقبة. أي: لتكون عاقبتهم ذلك؛ نحو:
لدوا للموت وابنوا للخراب . .
﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠) [القصص: ١٠] أي: ثبتناها عن الإبداء بأمر موسى.
وذلك لما ألهمناها وخلقناه في قلبها من دواعي الكتمان والصوارف عن الإذاعة. واستعارة الربط [هاهنا] من بديع الاستعارة تشبيها للقلب بوعاء ربط لحفظ ما فيه.
ويحتج الجمهور بهذا؛ لأن الله﷿إذا كان له من التصرف في القلوب أن يربط عليها ويطلقها-كان له من التصرف فيها أن يهديها ويضلها.
﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٣) [القصص: ١٣] فيه تعليل أفعاله﷿-/ [١٥٢ ب/م] بالحكم والمقاصد.
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (١٥) [القصص: ١٥] احتج به الشيخ شمس الدين الجزري شارح المنهاج في أصول الفقه على الشيخ تقي الدين ابن تيمية-فيما قيل عنه إنه قال: لا يستغاث برسول الله ﷺ؛ لأن الاستغاثة بالله﷿من خصائصه وحقوقه الخاصة به؛ فلا تكون لغيره كالعبادة.
وتقرير الحجة المذكورة: أنه قال: يجب أن ينظر في حقيقة الاستغاثة ما هي، وهي الاستنصار والاستصراخ، ثم قد وجدنا هذا الإسرائيلي استغاث بموسى واستنصره واستصرخه بنص هذه الآيات، وهي استغاثة مخلوق بمخلوق، وقد أقر موسى عليها الإسرائيلي، وأقر الله﷿موسى على ذلك، ولم ينكر محمد ﷺ ذلك لما نزلت عليه هذه الآية. أي فكان هذا إقرارا من الله﷿ ورسوله على استغاثة المخلوق
[ ٤٧٩ ]
بالمخلوق، وإذا جاز أن يستغاث بموسى فبمحمد ﷺ/ [٣٢١ ل] أولى؛ لأنه أفضل بإجماع.
ومما يحتج به على ذلك حديث هاجر أم إسماعيل حيث التمست الماء لابنها؛ فلم تجد، فسمعت حسا في بطن الوادي، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث. وهذا في معنى الاستغاثة منها بجبريل، وقد أقرها على ذلك ولم ينكره النبي ﷺ عليها لما حكاه عنها.
ولأن اعتقاد التوحيد من لوازم الإسلام، فإذا رأينا مسلما يستغيث بمخلوق علمنا قطعا / [١٥٣ أ/م] أنه غير مشرك لذلك المخلوق مع الله ﷿، وإنما ذلك منه طلب مساعدة، أو توجه إلى الله ببركة ذلك المخلوق، وإذا استصرخ الناس في موقف القيامة بالأنبياء ليشفعوا لهم في التخفيف عنهم، جاز استصراخهم بهم في غير ذلك المقام، وقد صنف الشيخ أبو عبد الله بن نعمان كتابا سماه «مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام» واشتهر هذا الكتاب وأجمع أهل عصره على تلقيه منه بالقبول، وإجماع أهل كل عصر حجة، فالمنكر لذلك مخالف لهذا الإجماع؛ فإن قيل: الآية المذكورة في قصة موسى والإسرائيلي ليست في محل النزاع من وجهين: أحدهما أن موسى حينئذ كان حيا، ونحن إنما نمنع من الاستغاثة بميت. الثاني أن استغاثة صاحب موسى به كان في أمر يمكن موسى فعله وهو إعانته على خصمه وهو أمر معتاد، ونحن إنما نمنع من الاستغاثة بالمخلوق فيما يختص بالله﷿كالرحمة والمغفرة والرزق والحياة، ونحو ذلك: فلا يقال: يا محمد، اغفر لي أو ارحمني أو ارزقني أو أجبني أو أعطني مالا وولدا؛ لأن ذلك شرك بإجماع.
وأجيب عن الأول بأن الاستغاثة إذا جازت بالحي فبالميت المساوي-فضلا عن الأفضل-أولى؛ لأنه أقرب إلى الله﷿من الحي لوجوه:
أحدها: أنه في دار الكرامة والجزاء، والحي في دار التكليف.
الثاني: أن الميت تجرد عن عالم الطبيعة القاطعة عن الوصول إلى عالم الآخرة، والحي متلبس بها.
الثالث: أن الشهداء في حياتهم محجوبون، ويعد موتهم أحياء عند ربهم يرزقون.
وعن الثاني: أن ما ذكرتموه أمر مجمع عليه معلوم عند صغير المسلمين-فضلا عن كبيرهم-أن المخلوق على الإطلاق لا يطلب منه ولا ينسب إليه فعل ما اختصت القدرة الإلهية به، وقد رأينا إغمار النار وعامتهم وأبعدهم عن العلم والمعرفة يلوذون بحجرة النبي ﷺ ولا يزيدون على أن يسألوا الشفاعة والوسيلة: [يا رسول]، اشفع لنا، يا الله ببركة نبيك اغفر لنا: فصار الكلام في المسألة المفروضة فضلا لا حاجة بأحد من المسلمين إليه.
[ ٤٨٠ ]
وإذا لم يمكن بد من التعريف بهذا الحكم خشية أن يقع فيه أحد، فليكن بعبارة لا توهم نقصا في النبي ﷺ ولا غضا من منصبه، مثل أن يقال: ما استأثر الله﷿بالقدرة عليه، فلا يطلب من مخلوق/ [٣٢٢ ل] على الإطلاق أو نحو هذا ولا يتعرض للنبي ﷺ سلب الاستغاثة عنه مطلقا ولا مقيدا، ولا يذكر إلا بالصلاة والسّلام عليه، والرواية عنه، ونحو ذلك.
هذا حاصل ما وقع في هذه المسألة، سؤالا وجوابا، ذكرته بمعناه وزيادات من عندي.
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (١٥) [القصص: ١٥] يحتج به المعتزلة في نسبة خلق الأفعال إلى المخلوق: لأن موسى نسب قتله القبطي إلى الشيطان بأنه من عمله.
وأجيب بأن معناه، هذا من جنس عمل الشيطان، أو مما وسوس به [وزينه] الشيطان ونحو ذلك، وإلا فقتل القبطي مخلوق لموسى عندكم [على] الحقيقة، وعندنا الله﷿فلم يبق للشيطان إلا التزيين والوسوسة، ولموسى إلا الكسب عندنا.
﴿قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦) [القصص: ١٦] أي بكسب القتل عندنا وبخلقه عندهم.
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١٨) [القصص: ١٨] فسّر الاستغاثة السابقة بالاستنصار / [١٥٣ ب/م] والاستصراخ فدل على أنها مترادفة على معنى واحد، كما سبق ذكره.
﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٠) [القصص: ٣٠] يحتج بها الصوتية لأن المنادي هاهنا هو الله﷿بنفسه، بدليل ﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٠) [القصص: ٣٠] والنداء لا يعقل إلا بحرف وصوت.
[ ٤٨١ ]
وأجاب الخصم باحتمال أن النداء بواسطة ملك حاك؛ لقوله: ﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٠) [القصص: ٣٠] أو يكون موسى غاب عن حسه فأدرك النداء بلا صوت ولا حرف في الخارج كما يدرك النائم الكلام كذلك، ولو صح قول الصوتية للزم أن الله﷿جسم في ذاته أو أنه يتطور في الأجسام إذا شاء ويتخذها مظهرا له على رأي الحلولية أو الاتحادية، وإنه باطل؛ لأن الجسمية من لوازم الصوت قطعا.
﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاُضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ (٣٢) [القصص: ٣٢] البرهان هو الحجة المركبة من مقدمتين قاطعتين، وعصا موسى ويده البيضاء كذلك؛ إذ يقال في كل واحدة منهما: هذا خارق للعادة، وكل خارق للعادة معجز يدل على صدق صاحبه، فهذا معجز يدل على صدق موسى.
﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (٣٤) [القصص: ٣٤] هذا مما تناقض به الشيعة [لعنهم الله] حيث قالوا: إن قوله ﷺ لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» أثبت له المنازل الهارونية. فيقال له:
فيجب أن يكون علي أفصح منه، كما كان هارون أفصح من موسى. فإن التزموا ذلك فهو خلاف الإجماع، وخلاف قوله ﷺ: «أنا أفصح من نطق الضاد» (١) وإن لم يلتزموه انقضت دعواهم، اللهم إلا أن يمنعوا كون الفصاحة منزلة من المنازل، أو يسلموا ذلك ويدعوا تخصيصها بدليل كالنبوة، مع أن كثيرا منهم يزعم أن كلام علي في النهج وغيره أفصح الكلام بعد القرآن.
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٣٨) / [٣٢٣ ل]) [القصص: ٣٨] يحتج بها أصحاب الجهة كما سبق.
[ ٤٨٢ ]
﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ (٤٠) [القصص: ٤٠] إلى ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ (٤١) [القصص: ٤١] إلى قوله: ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ (٤٢) [القصص: ٤٢] هذا كله يتناول بعمومه فرعون مع جنوده وهو قاطع في الرد على من زعم أنه مات مؤمنا إيمانا اختياريا نافعا.
﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (٤٤) [القصص: ٤٤] إلى ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤٦) [القصص: ٤٦] هذا استدلال على صدق محمد﵊وتقريره كما سبق في ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤٤) [آل عمران: ٤٤] أي أنت لم تشهد موسى حين أوحينا إليه، ولا كتبت ولا دارست ولا أخبرت/ [١٥٤ أ/م]، فما قصصت خبره على وجهه إلا رحمة من ربك وهو الوحي.
واعلم أن في التوراة: أن إسحاق أو يعقوب جرى له في سقي الغنم ولقاء المرأتين، ونكاح امرأة ونحوه شبيها بما تضمنته هذه السورة مما جرى لموسى مع ابنتي شعيب.
وليست قصة هذا السياق في التوراة، فاليهود إذا سمعوا قراء المسلمين يقرءون سورة القصص تغامزوا بينهم، أي انظروا كيف اشتبهت القصة على محمد أو على من لقنه فحرفها وبدلها؛ لأنها عندهم قصة إسحاق أو يعقوب، وأنا رأيتهم ينظر بعضهم إلى بعض [في بعض] الأسواق، وقارئ ضرير يقرأ هذه القصة.
والجواب: أن ما ذكروه غير لازم؛ لجواز أن القصة حرفت في التوراة عن موسى إلى غيره. والتوراة أولى بالتحريف لوجوه:
أحدها: تقادم عهدها.
الثاني: إحراق بخت نصر لها حتى لم يجدوها إلا عند عزيز، فأملاها عن ظهر قلب، فزعموا أنه ابن الله لذلك على ما قيل.
الثالث: أن أحبارهم حرفوا منها كثيرا من صفات محمد ﷺ وأحواله الدالة على نبوته
[ ٤٨٣ ]
استزلالا لعامتهم أن يؤمنوا، واستدامة للرياسة عليهم، فلعلهم حرفوا هذه القصة إلى إسحاق لما سمعوها في القرآن مضافة إلى موسى إيقاعا للريبة في قلوب عوامهم.
وقد رأيت لأبي الفخر الإسكندري النصراني-وكان يهوديا فتنصر-أو لغيره جزءا جمع فيه ما حرفه اليهود من التوراة، تحريف تبديل لا تحريف تأويل، رأيت هذا الجزء عند أبي البشائر بن فرج الله النصراني الحكيم بقوص من بلاد الصعيد.
سلمنا أن القصة لم تحرف في التوراة، لكن جاز أنها جرت لإسحاق وموسى جميعا، فذكرت عن إسحاق في التوراة وعن موسى في القرآن دون التوراة، على حسب اختيار المتكلم أو حكمته أو الداعي إلى ذلك.
ومع هذا الاحتمال لا يجوز القطع بالتحريف على أحد الموضعين.
كيف وإن عبد الله بسلام أعلم اليهود/ [٣٢٤ ل] بالتوراة ومن تابعه منهم-مع علمهم بسورة القصص-لم يمتنعوا من الإسلام، ولو صح عندهم ما قلتم لامتنعوا منه، بل قامت عندهم براهين النبي ﷺ من التوراة وغيرها من كتب الأولين: فأسلموا.
قوله﷿-: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤٦) [القصص: ٤٦] احتج بها بعض أهل الذمة في كتاب له على أن محمدا إنما أرسل إلى العرب. لأنهم هم الذين ما أتاهم من نذير قبله، أما/ [١٥٤ ب/م] بنو إسرائيل فالنذر والرسل قبله فيهم كثير.
وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن المراد ما أتاهم من نذير من قبلك في هذه الفترة التي بينك وبين المسيح، فطال العهد وحرفت الكتب ودخلت الملل، فاحتيج إلى رسول يرشد الناس إرشادا خالصا من الريب، وإليه الإشارة بقوله﷿-: ﴿وَلكِنّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ (٤٥) [القصص: ٤٥].
الوجه الثاني: هب أن المراد بالقوم الذين لم يأتهم نذير قبله هم العرب، لكن ليس في الآية ما يقتضي تخصيص إرساله إليهم إلا بطريق مفهوم ضعيف، لكن ذلك المفهوم لا يعارض نصوص القرآن في عموم الدعوة، ثم إن من اعترف برسالته إلى العرب لزمه القول بعموم دعوته؛ لأن مطلق رسالته ولو إلى قبيلة من العرب يستلزم صدقه، وقد تواتر عنه أنه
[ ٤٨٤ ]
ادعى عموم الدعوة، فيجب قبول ذلك منه لثبوت رسالته المطلقة، أو مطلق رسالته.
﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧) [القصص: ٤٧] سبق نظيرها في إقامة الحجة بإرسال الرسل في آخر «طه» و«النساء».
﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦) [القصص: ٥٦] سياق ما قبلها يقتضي أنها في أهل الكتاب؛ لأنه قسمهم قسمين:
أحدهما: معاند للقرآن منكر له، وهو المذكور في قوله﷿-: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧) [القصص: ٤٧] إلى ﴿*وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥١) [القصص: ٥١].
والثاني: مؤمن بالقرآن. وهم مؤمنو أهل الكتاب، وهو المراد بقوله﷿-:
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٢) [القصص: ٥٢] إلى ﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٥٤) [القصص: ٥٤] إلى ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ (٥٥) [القصص: ٥٥] وهؤلاء كعبد الله بن سلام وأصحابه، ثم جاءت هذه الآية مشتركة بين القسمين فقوله﷿- ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] إشارة إلى القسم الأول الضال منهم، وقوله﷿-: ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦) [القصص: ٥٦] إشارة إلى القسم الثاني المهتدي منهم، فهذا كلام متجه بشهادة ظاهر الكتاب، غير أن الحديث الصحيح ورد بأن هذه نزلت في أبي طالب حين أحب النبي ﷺ ودعاه إلى الإسلام عند موته، فالمشهور أنه امتنع ومات على ملة عبد المطلب.
وحكى ابن إسحاق أنه نطق/ [٣٢٥ ل] بكلمة الشهادة قبل خروج روحه والعباس عنده فسمعه، فقال العباس: إنه قد أسلم. فقال النبي ﷺ: «ما سمعت شيئا» فلما اختلف النقل في ذلك اختلف [أهل] السنة والشيعة في ذلك، فقال الجمهور: إنه مات كافرا،
[ ٤٨٥ ]
واحتجوا بوجوه:
أحدها: هذه الآية نزلت بسببه، وهى تقتضي عدمه إسلامه/ [١٥٥ أ/م] لأن النبي ﷺ كان يحب إسلامه، والآية تضمنت أنه لا يهدي من أحب.
الثاني: الحديث الصحيح أنه ﷺ قيل له: إن أبا طالب كان يحوطك، فهل تنفعه بشيء؟ قال «نعم، هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (١) وفي حديث آخر: «في رجليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه» (٢).
الثالث: ما جاء في بعض الآثار أن أبا طالب لما جاء علي إلى النبي ﷺ فقال: إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: «فاذهب فواره» (٣) ثم أمر عليا بعد ذلك بالغسل، ولولا أنه مات كافرا لما سماه ابنه علي ضالا، ولا أقره النبي ﷺ على ذلك، ولا تخلف عن شهود أمره ولا أمر عليا بالاغتسال من غسله.
الرابع: أنه روي أن النبي ﷺ لما رفع سرير أبي طالب عارضه النبي ﷺ وقال: «وصلتك رحم يا عم» (٤) ولم يتبعه، ولو مات مسلما لكان أحق وأفضل من تبعه لما كان يحوطه وينصره ويشفق عليه، وقالت الشيعة: إنه مات مسلما، واحتجوا بوجوه:
أحدها: قوله﷿-: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٥٧) [الأعراف: ١٥٧] قالوا: ولا يقدر أحد يدعي أن أحدا نصر محمدا ﷺ ووقره نصرة أبي طالب له حين لا ناصر من الخلق سواه، حتى حارب قريشا بأسرها
[ ٤٨٦ ]
في نصرته، وقد فصل في السير المعتبرة من ذلك ما لا نطيل بذكره، ولم ينصره هذه النصرة وقطع فيه رحم قومه إلا وهو مؤمن به، ولكنه أخفى إيمانه تقية؛ لأن تدبير الحرب والمكيدة في نصرة الله ورسوله اقتضت ذلك، ولو أظهر خلافهم في الدين لتمالؤوا عليه، ثم لم يثبت لهم، فلما أيقن بالموت أظهر إسلامه كما رواه عنه العباس فيما رواه ابن إسحاق؛ لأنه لم ييأس من نفسه وحرب قومه إلا ذلك الوقت.
الثاني: أن أبا طالب كفل يتيما، وكل من كفل يتيما فهو في الجنة، أما الأولى فلأن أبا طالب كفل محمدا ﷺ يتيما وهو أفضل الأيتام وغيره. وأما الثانية فلقوله ﷺ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» (١) وأشار بإصبعيه، فإذن أبو طالب في الجنة، وذلك يستلزم/ [٣٢٦ ل] إيمانه.
الثالث: أن النبي ﷺ أقره على نكاح زوجته فاطمة بنت أسد أم علي، ولولا أنه مؤمن لما أقره، إذ ليس من دينه نكاح الكافر المسلمة.
الرابع: أن الحديث الصحيح ورد بأن المرء مع من أحب، ولا يشك أحد أن أبا طالب كان/ [١٥٥ ل/م] يحب النبي ﷺ حتى إن كان ليؤثره على أولاده، فليكن معه ﷺ عملا بموجب الحديث، وذلك مستلزم لإيمانه.
الخامس: أن النبي ﷺ كان يحب أبا طالب؛ لأنه كافله وناصره ومربيه وعمه صنو أبيه لأبويه، لا يشك أحد في ذلك، وكل من أحبه النبي ﷺ أولى بذلك، وإن شك شاك في حب النبي ﷺ لأبي طالب فلينظر إلى قوله ﷺ: «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها» (٢) ولا أحد أحسن إلى النبي ﷺ إحسان أبي طالب؛ فوجب أنه ﷺ كان يحبه.
السادس: أن أبا طالب جاهد في الله، وكل من جاهد في الله مؤمن، أما الأولى فلأنه نصر رسول الله ﷺ، وكل من نصر رسول الله ﷺ فهو مجاهد في الله، ومن تأمل السيرة علم أن جهاد أبي طالب في نصرة رسول الله ﷺ وإقامة دينه وذبه عنه، وحياطته له أفضل الجهاد حين رسول الله ﷺ وحده، وقصارى من اتبعه أن يفروا بدينهم إلى الحبشة وغيرها، وقريش بأسرها وأحابيشها وأتباعها ترميه عن قوس واحدة، وأبو طالب يلقى عنه بنحره، هذا مما لا ينكره منصف.
[ ٤٨٧ ]
وأما الثانية فلقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦٩) [العنكبوت: ٦٩] وحسبك به وعدا يقتضي هداية من جاهد في الله.
السابع: أن أشعار أبي طالب في ديوانه تنادي بإيمانه، كقوله في مدح النبي ﷺ:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
إن اقتضى سياقه أنه مدح فيه ولا أحقق ذلك والظاهر خلافه، وليس هذا بالمقصود، إنما المقصود مثل قوله:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
وفى رواية:
وعرضت دينا لا محالة أنه من خير أديان البرية دينا
وقوله:
فاصدع بأمرك ما عليك خصاصة وافرح وقر بذاك منك عيونا
فهذا مدح لدينه وتصديق له، وأمر له بإظهاره والصدع به، ولا إيمان فوق ذلك، وأشعاره في المعنى كثيرة لم نستحضرها. فهذا ما نحفظه ونستحضره الآن من حجج الأخرى يطول فلنقتصر/ [١٥٦ أ/م].
وقد رأيت لبعض الشيعة كتابا مستقلا في إسلام أبي طالب، والذي ذكرته لهم جل ما فيه-إن لم يكن كله-فاعلم ذلك.
ثم إن قوله﷿-: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦) [القصص: ٥٦] يحتج بها الجمهور في أن الهداية إلى الله﷿فكذا الضلال مقابل لها هو بقدره خلافا للمعتزلة.
﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ (٥٩) [القصص: ٥٩] سبق نظيرها في الأنعام وهود.
[ ٤٨٨ ]
يدل عليه: ﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٧٠) [القصص: ٧٠] أي فيهما، وإذا كان له الحكم في الدنيا على العموم والإطلاق، فلا حكم لأحد معه، ولا اختيار، وذلك حقيقة الإجبار.
﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٧٥) [القصص: ٧٥] فيه أن المستدل إذا طولب بالدليل على دعواه فلم يذكره أو لم ينهض بتقريره أنه يكون منقطعا؛ لأن هؤلاء ادعوا الشركاء فإذا طولبوا بالبرهان لم يجدوه.
وقد حكم بانقطاعهم ولزوم الحجة لهم.
﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص: ٧٨] قيل: هو الكيمياء، وقد سبق القول فيها غير مرة، وذكر في السير أن موسى لما أمر ببناء قبة الزمان بالذهب بنى بما مع بني إسرائيل من الذهب الذي كانوا خرجوا به من مصر، فلم يكف، فشكا موسى ذلك إلى ربه فنزل جبريل فعلمه الكيمياء: فعمل منها ما كمل به بناء القبة، ثم تركها، ثم إنه علمها أخته وأخاه هارون، فسأله قارون أن يعلمه إياها، فقال: لا خير لك فيها، فألح عليه حتى علمه فكنز منها الكنوز. ثم كانت سبب هلاكه دنيا وأخرى.
قيل: ومن ثم كان أكثر ما يوجد الكيمياء والزغل في ولد هارون من اليهود.
﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٧٨) [القصص: ٧٨] أي بعد إقامة الحجة عليهم، إذ لا فائدة في سؤالهم بعد ذلك.
﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨٨) [القصص: ٨٨] قيل: ذاته، وقيل: صفة تسمى وجها، وقيل: إلا ما أريد به جهة التقرب إليه.
[ ٤٨٩ ]