﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ (٥) [طه: ٥] سبق القول فيه.
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ (٨) [طه: ٨]-سبق أيضا.
﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ (١٥) [طه: ١٥] أي: عن نفسي فكيف أظهرها للخلق، وهو معنى ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨٧) [الأعراف: ١٨٧] ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣٤) [لقمان: ٣٤].
﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ (١٧) [طه: ١٧] سؤال تأنيس، ﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ (١٨) [طه: ١٨] هذا جواب السؤال، وباقي كلامه زائد على الجواب المطابق استئناسا من موسى، ويستدل به على الجواب بأكثر مما سئل عنه لفائدة، إما الاستئناس كما هاهنا، أو زيادة فائدة وتمهيد فاعدة، كقوله ﷺ حين سئل عن البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (١).
﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ (٢٠) [طه: ٢٠] الآيتين، هذا من المعجزات النبوية، وتوجيهه عن المتكلمين أنه يخلق الحياة فيها إذا شاء ويسلبها عنها إذا شاء، وزعم بعضهم أنا العصا كانت من آس الجنة، وفيها حياة كامنة، إذا أريد انقلابها حية ظهرت الحياة وكمنت الجمادية، وإذا أريد عودها عصا انعكس ذلك، وهو بعيد، ولعله/ [١٣٥ أ/م] مأخوذ
[ ٤٢٥ ]
من قول أصحاب الكمون، عند الاستدلال على حدوث الأعراض، والفلاسفة ينكرون قلب العصي حية، وصرح لي بعضهم بذلك، وجعل يتعجب من تصديقي به.
﴿وَاِجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (٣٢) [طه: ٢٩ - ٣٢] احتجت به الشيعة على أن عليا هو الإمام الحق بعد رسول الله ﷺ وقرروه بأن هذا النص اقتضى أن هارون شريك موسى في أمره، والحديث وهو قوله ﷺ لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» اقتضى إثبات المنازل الهارونية من موسى لعلي من محمد ﷺ إلا النبوة، ومن منازل هارون الشركة في أمر موسى، فاقتضى مشاركة علي لمحمد في أمره، ثم النبي ﷺ كانت له النبوة والإمامة، وقد استثنى النبوة عن مشاركة علي فيها، فوجب أن يكون شريكه في الإمامة»، لكن قام الدليل وانعقد الإجماع على أنه لم يكن شريكه فيها حال حياته، فوجب أن يبقى مقتضى الحديث فيها بعد وفاته؛ لزوال المانع، ثم أكدوا ذلك بقوله ﷺ: «إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي» رواه أحمد في المسند من حديث عمران بن/ [٢٨٧/ل] حصين، وفى كتاب فضائل علي من حديث بريدة بن الحصيب «وهو وليكم بعدي».
﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ (٥٠) [طه: ٥٠] أي خلقته وبنيته ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ (٥٠) [طه: ٥٠] إما بعقل كالعقلاء، أو بإلهام كغيرهم، كالنحل في بناء بيوتها، والعنكبوت في نسجه، وغيرهما.
﴿قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ (٥١) [طه: ٥١] هذا إشارة من فرعون إلى إنكار البعث والقول بالدهر، فأجابه موسى بإثبات البعث بقوله: ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ (٥٢) [مريم: ٥٢] أي: يعلم تلك القرون علم ضبط، ثم إذا جاء وقت إعادتها أعادها، وبدليل البعث وهو قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ (٥٣) [طه: ٥٣] أي يخرجهم من الأرض كما يخرج منها النبات، وهو الدليل العام على البعث في القرآن، وقد سبق وسيأتي إن شاء الله ﷿.
[ ٤٢٦ ]
[طه: ٦٦] يحتج به من يرى السحر خيالا لا حقيقة له، لقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ،﴾ المشهور والمشهور أن له حقيقة في الخارج؛ لأنه يقتل، ولا شيء مما يقتل بخيال، أو لا حقيقة له، وقد أوجب جماعة من أهل العلم منهم الشافعي وأحمد القصاص في القتل بالسحر عمدا، ولولا أن له حقيقة لما فعلوا، وقد يقال: إن الخيال/ [١٣٥ ب/م] والوهم قد يغلبان فيقتلان ولا حقيقة لهما خارجية، ويجاب بأن القتل أثر وجودي خارجي، والأثر الوجودي استحال أن يكون مؤثره عدميا لاستحالة تأثير العدم في الوجود.
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ (٦٧) [طه: ٦٧] قيل: خاف أن يفتتن الناظرون بذلك السحر، ويلتبس الأمر عليهم فلا يتبين الحق أو لا يتمحض، وقيل: لما أراد السحرة الإلقاء سمع موسى هاتفا يقول: ألقوا يا أولياء الله، فخاف أن يكون ممكورا به، وأن العناية [بخصمه] دونه، وإنما سموا أولياء الله باعتبار مآل حالهم كما وقع.
﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ (٦٩) [طه: ٦٩] خبر وحكم عام بعدم فلاحه في الدنيا والآخرة ما لم يتب، ومن ثم كان الساحر شبيها بالشيطان خاسئا [مذموما] مدحورا قبيح السمعة سيئ الحالة والقالة.
﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى﴾ (٧١) [طه: ٧١] قيل: أي: على جذوع النخل، وقيل: هي ظرفية على أصلها لتمكن المصلوب على الجذع تمكن المظروف على الظرف.
﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى﴾ (٧٧) [طه: ٧٧] وهو من معجزاته، ضرب البحر بعصاه فامتنع، فأوحي إليه أن أكنه، فكناه، وقال: انفلق أبا خالد، وهى كنية البحر، ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٦٣) [الشعراء: ٦٣] وظهرت أرض البحر يابسة ويعايا بها، فيقال: ما أرض لم تر الشمس إلا مرة واحدة؟ ! وهي هذه.
[ ٤٢٧ ]
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ (٧٨) [طه: ٧٨] هذه من الإشارات/ [٢٨٨/ل] جوامع الكلم.
﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى﴾ (٧٩) [طه: ٧٩] بالكسب والتسبب، عند الجمهور، وبخلق الضلال عند المعتزلة، و﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى﴾ (٧٩) [طه: ٧٩] يحتمل أنه تأكيد لمعني ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ (٨٥) [طه: ٨٥]، ويحتمل أن «أضل» لما كان في سياق الإثبات كان مطلقا لا عموم له، يصدق بمرة واحدة بين إرادة العموم منه بعموم لازمه، وهو سلب الهداية، إذ الضلال يلزمه عدم الهدى.
﴿قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ (٨٤) [طه: ٨٤] يستفاد منه أن الأمر للفور؛ لأن موسى كان مأمورا بالسعي لميقات ربه، ثم إنه علل عجلته برضى ربه، وجعلها سببا له، وإذا كانت الفورية في امتثال الأمر سببا للرضى، كان التراخي سببا للغضب عملا بموجب قياس العكس، وغضب الله﷿واجب الاجتناب، ورضاه واجب التحصيل، وسببه فورية الامتثال، وسبب الواجب واجب، ففورية الامتثال واجبة، وهو المطلوب.
﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ (٨٥) [طه: ٨٥] يحتج به الجمهور لإضافة الله﷿فتنتهم إلى نفسه، وربما أجيب بأن الفتنة هاهنا الاختبار لا الضلال، اختبرهم فلم يثبتوا على محك الامتحان.
﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ (٨٥) [طه: ٨٥] يحتج به المعتزلة لإضافة الضلال/ [١٣٦ أ/م] إلى السامري، ويجاب عنه بأنه أضيف إليه باعتبار التسبب والكسب، وقد سبق في «الأعراف» أن موسى قال: «يا رب هذا السامري صاغ العجل فمن أنطقه؟» قال: أنا، قال: فما فتن قومي إلا أنت ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، قال: أحسنت يا حكيم الحكماء.
[ ٤٢٨ ]
جمعا كثيرا من بني إسرائيل أدركوا بفطرتهم أن هذا هو الإله وهم كانوا أهل التحقيق والمعرفة منهم.
وأجيب بأن قبل هذا وبعده ما يقطع ببطلانه، وهو قوله﷿- ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ (٨٥) [طه: ٨٥] فجعل ذلك فتنة ضلالا، وهو قول هارون لهم ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ (٩٠) [طه: ٩٠] وانتظم الدليل هكذا: الرحمن ربكم، والعجل ليس بربكم، ينتج أن الرحمن ليس هو العجل، وأن العجل ليس هو الرحمن، ولو صح ما زعمه الاتحادية لكان عبدة العجل المتوعدون بالغضب والذلة أعرف بالله﷿من موسى وهارون، وأنه محال.
﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ (٨٩) [طه:
٨٩] يستدل به الصوفية على أن الله﷿متكلم بحرف وصوت؛ لأن دل/ [٢٨٩/ل] من باب قياس العكس على أن الله﷿متصف بأنه يرجع إليهم القول لو شاء، وحقيقة ذلك المتعارفة المتبادر إليها الفهم هو القول بحرف وصوت، وأجاب الخصم بأن حاصل هذا أنه استدلال بالمفهوم، وهو ضعيف وإنما سلب النطق والكلام عن العجل، وذلك لا يقتضي إثباته لله﷿إلا بطريق المفهوم، ودل على التوحيد بنفي الضر والنفع، عن غير الله﷿ونظمه هكذا: الإله يملك الضر والنفع، والعجل غيره لا يملك الضر والنفع، فالإله ليس هو العجل، فالعجل ليس هو الإله.
﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ (٩٠) [طه: ٩٠] فيه أن الطاعة موافقة الأمر ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (٩٣) [طه: ٩٣] يفيد أن المعصية مخالفة الأمر لا الإرادة، خلافا لما يحكى عن المعتزلة.
وفيه أيضا أن الأمر على الوجوب والفور، أما الأولى فلعقاب موسى لهارون بالأخذ بلحيته ورأسه على مخالفة أمره. وأما الثاني: فلقوله: ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (٩٣) [طه: ٩٢، ٩٣] وإذ وقتية أي: ما منعك حين أو وقت ضلالهم من اتباعي لتخبرني، أو من سلوك طريقي فيهم بالردع والمنع
[ ٤٢٩ ]
والجهاد، فعاقبه على تأخير اتباعه عن وقت ضلالهم/ [١٣٦ ب/م]، وأخبر أنه بذلك عصى أمره.
﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (٩٤) [طه: ٩٤] فيه جواز التصرف في الأحكام والسياسات بحسن رعاية المصالح؛ لأن هارون حصل أعلى المصلحتين عنده، وهو جمع بني إسرائيل وتأليفهم، ودفع أعظم المفسدين، وهو التفريق بينهم، وإن استلزم ذلك مخالفة أمر أو ارتكاب نهي، وأن المتصرف بحسب المصلحة مؤديا للنصيحة معذور، وأشار هارون بقوله:
﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (٩٤) [طه: ٩٤] إلى قول موسى له ﴿*وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٤٢) [الأعراف:
١٤٢] وللشيعة هاهنا كلام، وهو أن النبي ﷺ نزل عليا منه منزلة هارون من موسى، وعلي هو الإمام الحق بعده ﷺ ومقتضى استخلافه أن يسوس الأمة بالأصلح فالأصلح، وأن يجمعها ولا يفرقها، فلما خرج عليه، وغدر به رأى الأصلح جمع الكلمة، وعدمه الفرقة، فلذلك لم يجاهدهم معتذرا إلى النبي ﷺ إذا لقيه يوم القيامة بما اعتذر به هارون إلى موسى، وهو قوله: إني خشيت أن تقول: فرقت بين الأمة ولم ترقب مقتضى استخلافي لك اعتبار السياسة بالأصلح فالأصلح.
ويجاب عن هذا بأن هذا القياس لا يصح؛ لأن موسى كان/ [٢٩٠/ل] منتظر العودة، فأخر هارون الجهاد والإنكار حتى يعود فيرى رأيه، ومحمد ﷺ غير منتظر العودة إلى الدنيا، فقد كان الواجب على علي إن كان هو الإمام الحق، كما زعمتم أن يجاهد بمن أطاعه، وإن قل من عصاه، وإن كثروا إن كانوا كفارا أو بغاة كما قاتل الخوارج وأصحاب صفين والجمل، وإلا لكان تاركا لواجب الجهاد، وهاهنا بحث من الطرفين يطول.
[ ٤٣٠ ]
الاختصاص بذلك قد يكون معجزا وكرامة لنبي أو ولي، وقد يكون فتنة واستدراجا كما في السامري، وبلعام الذي قال فيه تعالى: ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (١٧٥) [الأعراف: ١٧٥] فلا ينبغي لأحد أن يغتر بما كوشف به من الأسرار والحقائق لما ذكرنا، بل ينظر في حال نفسه، فإن كان موافقا للشرع رجا خيرا وخشي المكر الخفي، وسوء العاقبة وإن كان مخالفا للشرع، فليحذر وليرتدع وليعلم أنه ممكور به، ثم لا ييأس من اللطف والتدارك/ [١٣٧ أ/م] ﴿يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٧) [يوسف: ٨٧] والذي بصر به السامري هو أن جبريل﵇كان يوم أغرق فرعون وقومه على حجرة تسمى الحياة مهما وطأت شيئا تحرك حيا تحت حافرها، فألهم أن تراب حافرها يفيد الجمادات حياة فلما صاغ العجل، وقد كان أخذ من ذلك التراب شيئا ألقاه عليه فتحرك وخار، وصار عجلا جسدا له خوار، فذلك معنى قوله: ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ (٩٦) [طه: ٩٦] أي: من أثر حافر فرس الرسول ﴿فَنَبَذْتُها﴾ [طه: ٩٦] أي: على العجل لما صغته ﴿وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ (٩٦) [طه: ٩٦] أي: ألهمت أو خطر لي، فكان ذلك التراب إكسير الحياة (كإكسير) الذهب، ويحتج بهذا أصحاب الكيمياء، لأن الجماد إذا جاز أن ينتقل إلى الحيوان بجوهر يضاف إليه، فانتقاله إلى رتبة أخرى من رتب الجماد بجوهر يضاف إليه أولى بالجواز.
﴿قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ (٩٧) [طه: ٩٧]، إنما سمى العجل إلها باعتبار اعتقاد السامري وتهكما به، وأحرقه ونسفه في البحر تحقيقا لما سبق من أنه لا يملك ضرا ولا نفعا لنفسه فكيف لغيره؟ ! ويلزم ذلك أنه ليس بإله لما مر.
[ ٤٣١ ]
[طه: ١٠٠]، فيه إيجاب الإيمان بالقرآن واتباعه بدليل الوعيد على الإعراض عنه، وفيه/ [٢٩١/ل] وفيما بعده إثبات القيامة والصور والمحشر ونحوه من أحكام اليوم الاخر.
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ (١١٣) [طه: ١١٣] يحتج به من رأى أن لا معرب في القرآن، وهو ما أصله أعجمي ثم عرب، وإلا لما كان جميع القرآن عربيا، وهو خلاف ظاهر الاية.
وأجيب بأن الاية عام مخصوص بما ثبت تعريبه: كالسجيل والقسطاس والمشكاة ونحوه، أو عام أريد به الخاص، وهو أكثره، أي: وكذلك جعلنا أكثر القرآن عربيا، أو لأن المعرب فيه استولى عليه لسان العرب فصار عربيا حقيقة أو حكما، كما أن إبليس وإن كان من الجن غلب عليه حكم الملائكة، حتى تناوله أمرهم بالسجود لادم، والشيء قد ينتقل عن حكمه الأصلي بالغلبة الطارئة عليه.
﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١١٤) [طه: ١١٤] دليل على شرف العلم، وأنه إنما يحصل بتعليم الله﷿كشفا أو إلهاما أو توفيقا لأسباب التعلم، وهذا من خواص العلم على المال؛ إن العلم تحمد الزيادة منه.
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (١١٥) [طه: ١١٥] أي: ترك العهد، وقيل: هو نسيان حقيقي، ورد بأنه لو كان كذلك لما عصي، ولا عوقب لرفع حكم النسيان في موجب العدل.
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (١١٥) [طه: ١١٥] أي: على رعاية العهد، وحفظه، كقوله: ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢].
﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ (١١٧) [طه: ١١٧] إشارة إلى تحمل الرجل مؤونة المرأة، لتخصيصه بالشفاء دونها، ولم يقل:
فتشقيا، وهذا شبيه بدلالة المفهوم وهو اختصاص الشيء بالحكم لتخصيصه بالذكر.
﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى﴾ (١١٨) [طه: ١١٨] قرن بينهما؛ لأن الجوع عري الباطن وخلوه، كما أن عدم الثياب عري الظاهر.
[ ٤٣٢ ]
﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ (١١٩) [طه: ١١٩] لأن الضحى هو البروز للشمس ظمأ الظاهر، والظمأ ضحى الباطن، بجامع لحوق الحرارة لهما.
﴿فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ (١٢١) [طه: ١٢١] يحتج به من رأى أن الأنبياء غير معصومين من الكبائر؛ لأن هذه كانت كبيرة من آدم، ولذلك سميت غيّا، وهو الضلال، وعوقب عليها بالإخراج من الجنة.
وأجيب بأن آدم حينئذ لم يكن نبيا، فهو في ذلك كبني يعقوب، فيما فعلوا، وحينئذ الاية خارجة عن محل النزاع].
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ (١٢٤) [طه: ١٢٤] يحتج به على عذاب القبر، وتقريره أن للإنسان ثلاثة أحوال:
معاشه في الدنيا، ومعاده يوم الحشر، وما بينهما، وهو البرزخ وفى القبر، وليس المراد بالمعيشة الضنك المعاش في الدنيا/ [٢٩٢/ل]؛ لئلا يخالف الخبر المخبر؛ إذ أكثر المعرضين عن الإيمان، والذكر في أوسع معيشة ولا معاده يوم الحشر؛ لتعقيب المعيشة الضنك به، وهو دليل التغاير، فتعين أن المراد ما بينهما، وهو في حاله القبر وسماه معيشة؛ لأنه لا يدرك عذاب القبر إلا وهو حي، فهو يعيش عيشا نكدا فيه.
[ ٤٣٣ ]
بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) [طه:
١٣١] فيه تعليل تمتعهم بفتنتهم، وهو تعليل للفعل الإلهي، وإضافة الفتن إلى الله﷿وقد سبق.
﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ (١٣٣) [طه: ١٣٣] يعني أن ذكر محمد ﷺ في الكتب القديمة: أنه نبي آية واضحة على نبوته كافية يعلمها أهل الكتاب، فيلزمهم بها الحجة، ويخبرون بها المشركين فيحصل لهم العلم بذلك، فيلزمهم الحجة-أيضا-لكن أهل الكتاب عاندوا وكتموا فلهذا كانوا / [١٣٨ أ/م] أشد جرما، وأعظم دركا.
﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ (١٣٤) [طه: ١٣٤] وهو نظير ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١٦٥) [النساء: ١٦٥] ونظيرها في القصص.
[ ٤٣٤ ]