﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١) [هود: ١] يستدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، إذ ظاهره تراخي التفصيل عن وقت إنزاله؛ لأن (ثم) تقتضي التراخي، ويحتمل أنها لمجرد العطف كالواو أو تنبيها على تعظيم المنة أو العناية بالتفصيل كما تقول: أطعمت فلانا ثم كسوته وآويته، ثم زوجته، ونحو ذلك فلا يدل على المدعى.
﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (٢) [هود: ٢] فيه إثبات التوحيد والنبوة، وسيأتي برهانه إن شاء الله ﷿.
﴿وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (٣) [هود: ٣] هكذا هو الترتيب الطبيعي، أن يستغفر مما فعل، ثم يتوب عن أن يفعل، إذ الاستغفار طلب المغفرة لما وقع، والتوبة: العزم على ألا يوقع شيئا من الذنوب بعده.
ولما قدم التوبة على الاستغفار في قوله﷿-: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧٤) [المائدة: ٧٤] لم يعطف/ [٢٣٠/ل] الاستغفار، ثم لهذا المعنى ﴿*وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٦) [هود: ٦] يحتج به على أن عموم الرزق من الله -﷿حلاله وحرامه، خلافا للمعتزلة فيه كما سبق في أول «البقرة».
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] هذا يحتج به من رأى العرش سريرا أو جرما مستعليا بالجملة، ونفي تفسيره بالملك أو نحوه مما تأوله نفاة الاستواء؛ إذ لا يصح أن يقال:
وكان ملكه على الماء.
وقد جاء في الحديث: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟
[ ٣٣٧ ]
قال: «كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء» (١) والعماء ممدودا هو الغيم الرقيق.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] هو تعليل لخلق السماوات والأرض بالابتلاء، ويحتج به على تعليل أفعاله، وأحكامه﷾-.
﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧] فيه إثبات البعث.
﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٣) [هود: ١٣] فيه إثبات إعجاز القرآن والتحدي به، وإثبات النبوة بذلك على ما سبق في «البقرة» و«يونس».
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٤) [هود: ١٤] يحتج بها الجمهور على إثبات العلم صفة زائدة على مفهوم الذات وعلى قياسه سائر الصفات، تأوله المعتزلة على معنى أنزله، وهو يعلمه إما بذاته أو بعالميته: [١٠٧ أ/م] ولا يلزم من ذلك أن يكون هناك صفة زائدة.
قوله﷿- ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٧) [هود: ١٧] تعلقت به الشيعة في أن علي بن أبي طالب﵁هو حليفة رسول اللهﷺ [لأن الذي على بينة من ربه هو النبي ﵇] بدليل قوله:
﴿قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ﴾ (٥٧) [الأنعام: ٥٧] والشاهد منه هو
[ ٣٣٨ ]
علي لقوله ﷺ: «إن عليا مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي» وفي رواية «ولي كل مؤمن».
لأن الإمام خليفة النبي﵇والنبي شاهد على الأمة فكذا خليفته، فدل ذلك على أن عليا هو الإمام بعد النبي ﷺ.
وأجابت السّنّة عن هذا: بأن المراد بقوله﷿-: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٧) [٢٣١ ل] [هود: ١٧] هو القرآن من الله﷿- شاهد للنبي ﷺ بالصدق، لأنه معجزه الأكبر، يدل عليه قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ [هود: ١٧] أي: ومن قبل الشاهد كتاب موسى، فدل على أن الشاهد وكتاب موسى من جنس واحد، وعليّ ليس من جنس كتاب موسى، فلا يكون مرادا من الآية.
وهذا بحث جيد من الطرفين، ومن جهة الجمهور أجود، ومأخذ الخلاف أن الضمير في «منه» يحتمل رجوعه إلى من كان والى ربه، فحمله الشيعة على الأول، والجمهور على الثاني، وهو أقرب المذكورين.
ويحتمل أن المراد بقوله: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [هود: ١٧] أمة محمد ﷺ بدليل قوله﷿-: ﴿أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [هود: ١٧] فدل على أن المراد بمن كان جمع لا مفرد، وحينئذ يسقط الاستدلال به بالكلية.
و﴿أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ (٢٠) [هود:
٢٠] يحتج به الجبرية على أنهم لجبرهم على الكفر لم يستطيعوا الإيمان، وتأوله المعتزلة على أنهم لشدة كراهتهم للإيمان ما كانوا يستطيعون سماع دلائله، كما يقال: فلان ما يستطيع أن يسمع بذكر فلان ونحوه.
﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٣١) [هود: ٣١] يحتج به من يرى أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وقد سبق ذلك.
[ ٣٣٩ ]
﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٣٢) [هود: ٣٢] يحتج به على مشروعية الجدال في إظهار الحق وإخفاء الباطل؛ لأن الآية دلت على أن نوحا فعله وأكثر منه مع قومه، خصوصا في أصول الدين مع الكفار والمبتدعة، كما فعل نوح ﵇.
﴿*شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٣) [الشورى: ١٣].
﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣٤) [هود: ٣٤]، يحتج بها الجمهور على أن الله﷿- يريد إغواء بعض الخلق، ومراد الله﷿واجب، فإغواء هؤلاء واجب، هو/ [١٠٧ ب/م] المراد بخلق الأفعال، إذ لا معنى لخلقها إلا إيجادها واختراعها بأسباب موجبة لها، والإغواء منها.
ولعل المعتزلة يتأولون ذلك على أن (يغويكم) معناه يصيبهم غاوين، من باب أجبنت الرجل وأبخلته أي أصبته، ووجدته جبانا وبخيلا.
﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣٦) / [٢٣٢/ل] [هود: ٣٦] يحتج به من يرى تكليف ما لا يطاق، وتقريره أن نوحا أخبر أن قومه لم يؤمن في المستقبل أحد منهم، وخبر الله﷿- صدق ومتعلقه جازم لا خلف فيه، ثم إنهم مع ذلك لم ينقطع الخطاب التكليفي عنهم، حينئذ هم مأمورون بالإيمان مع استحالة وقوعه منهم، وهو تكليف ما لا يطاق أو تكليف بالمحال، لا يقال: إن تعلق العلم والإخبار الإلهي بعد إيمانهم لا يوجب صيرورته منهم محالا؛ لأن العلم كاشف عن الحقائق لا مؤثر فيها، لأنا نقول: تعلق العلم بعدم إيمانهم يقتضي تعلق الإرادة والقدرة بذلك أيضا؛ لئلا تتنافى الصفات القديمة في متعلقاتها، وحينئذ يبقى إيمانهم خلاف المعلوم والمخبر به والمراد والمقدور، وذلك يوجب استحالته قطعا.
[ ٣٤٠ ]
فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) [هود: ٣٨] فيه جواز مقابلة الجاهل والأحمق ونحوهما بمثل فعله، ويشهد له النصوص نحو: ﴿فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٩٤) [البقرة: ١٩٤]، و﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ (٤٠) [الشورى: ٤٠] و﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ (١٢٦) [النحل: ١٢٦] وأشباهه.
﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٤٠) [هود: ٤٠] عام فيهم خص بالاستثناء بعده ﴿إِلاّ مَنْ سَبَقَ﴾ [هود: ٤٠] وهو ابنه المذكور أنه غرق بعد.
﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] يحتج به الشيعة في أنهم المصيبون على قلتهم، دون الجمهور على كثرتهم، وقد سبق، وجوابه عند ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في «البقرة».
﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾ (٤٥) [هود: ٤٥] يحتج به من يرى العموم، وأن له صيغة والتمسك به؛ لأن نوحا إنما تمسك في هذا السؤال بعموم قوله﷿-: ﴿اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠] وهو اسم جنس مضاف يفيد فيه العموم، فصار تقدير سؤال نوح: إن ابني من أهلي وقد وعدتني بإنجاء أهلي، ينتج قد وعدتني بإنجاء ابني.
﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] يحتمل وجوها:
أحدها: أن ابنك مخصوص في علمنا من عموم أهلك [وليس هو من أهلك] الناجين.
الثاني: أنه ليس من أهل دينك بدليل ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] وحينئذ يكون الأهل في قوله﷿- ﴿أَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠] مجازا عن الموافقين في الإيمان.
الثالث: ما قيل: إن هذا الولد كان ابن زوجته، أو أنه ولد على فراشه من غيره بدليل (فخانتاهما) [التحريم: ١٠] ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [١٠٨ أ/م]
[ ٣٤١ ]
[هود: ٤٦] برفع عمل ونحوه مما لا يلي [ق: بعضه] بالأنبياء، وعلى كل حال فلا بد [في هذه] القضية من استعمال المجاز في أهلك، أو تخصيص عمومه بالابن المذكور، أو تجوز نوح بولده/ [٢٣٣/ل] عن ابن امرأته، فيحتج بها على استعمال المجاز والتخصيص في الكلام.
﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] كأن نوحا لما قال: ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] كان ذلك [نوع اعتراض منه أو تذكيرا لمن لا ينسى]؛ لأن الله﷿قد حكم بإنجاء أهله، فحكمه لا يتغير، فلا فرق بين شفاعة نوح في ابنه وعدمها، فلذلك قوبل بهذا الكلام الذي يصعب موقعه فيقال: إن نوحا بكى من هذا الكلام دهرا طويلا.
[﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٩) [هود: ٤٩] سبقت دلالتها على النبوة في «آل عمران».]
﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥٦) [هود: ٥٦] [زعم الاتحادية أن معنى ذلك سريانه﷿- بذاته في العالم، حتى في الدواب، فلذلك أخذ بنواصيها؛ لأنه الذي يحركها ويتحرك فيها].
[ولذلك زعم ابن العربي في «الفصوص» أن هودا أعلم الأنبياء وأعرفهم بسر الإلهية لأجل هذا الكلام] ومعنى الآية عند علماء التوحيد أنه [﷿] لما فطر الدواب على طباع لا مخرج لها عن مقتضاها كان من حيث القدرة آخذا [بنواصيها]، وبحيث لا تتحرك إلا بمقتضى ما طبعها وفطرها عليه، كذا قال الحكيم الترمذي في بعض كتبه.
﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ (٥٩) [هود: ٥٩] لما كان دين الأنبياء واحدا في التوحيد وكلمتهم واحدة، كان عصيان الواحد منهم كعصيان جميعهم، وإلا فعاد ما عصوا بالحقيقة إلا من أرسل إليهم، وهو هود وحده.
﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (٧٤) [هود:
٧٤] فيه جواز الجدال حتى مع الأكابر ومن فوق رتبة الشخص إذا لم يعد ذلك إهانة لهم، ولم يثر فتنة أو مفسدة راجحة كجدال إبراهيم ربه، وقد أمرنا باتباع ملته.
[ ٣٤٢ ]
بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) [هود: ٧٨] يحتج لها الشيعة على جواز التقية، لأنه إنما سمح بنكاح بناته لاضطراره إلى صيانة أضيافه، ولولا ذلك لما سمح لهم بهن، وقد سبق ذلك في «آل عمران».
﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (٩٨) [هود: ٩٧ - ٩٨] قاطعة في الرد على من زعم أنه مات مسلما؛ لأن الله﷿سلب عنه الرشاد بعد موته، والمسلم لا يسلب عنه الرشاد بعد موته، وهو ينتج المقصود.
﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (١٠١) [هود: ١٠١] يحتج به المعتزلة إذ لو ذمهم على ما خلقه فيهم لكان ظالما لهم، وقد عرف هذا وجوابه مرارا، ثم ينتقض بالشخص القبيح الصورة فإنه مذموم بالطبع كالقرد/ [١٠٨ ب/م] والخنزير، ومن أشبههما من الناس، وصورته مخلوقه لله﷿خلقا محضا بلا خلاف.
﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ (١٠٤) [هود: ١٠٤] يحتج به على تناهي أيام العالم وانقضاء مدة الدنيا خلافا للدهرية/ [٢٣٤/ل] والفلاسفة حيث زعموا أن الزمان أزلي أبدي، لا ابتداء له ولا انقضاء، ولا أول ولا آخر، وحجتهم أن الزمان لو كان حادثا لكان عدمه قبل وجوده، وتلك القبلية من لواحق الزمان، فيلزم وجود الزمان قبل وجوده وأنه محال.
وجوابه أن القبلية والبعدية من الأمور الإضافية التي هي عدم محض، فلا نسلم أنها تلحق شيئا، ولا يحلقها شيء، سلمناه، لكن قولكم: القبلية من لواحق الزمان تريدون الزمان الحقيقي الخارجي أو التقدير الذهني؟
الأول ممنوع، والثاني مسلم ولا يلزم منه قدم الزمان الخارجي، ولعلك تستغرب إثبات الزمان التقديري والدليل عليه وجهان:
أحدهما: قوله ﷺ: «خلق الله النور يوم الأربعاء» (١) مع أن النور إنما هو حاصل النيرات الفلكية، ومنها الشمس التي حركتها سبب وجود الزمان الحقيقي، وذلك يقتضي
[ ٣٤٣ ]
أنه خلق النور قبل الزمان الحقيقي، ثم أخبر بأنه خلقه في زمان وهو الأربعاء؛ ويلزم أن ذلك الزمان التقديري ذهني لا حقيقي خارجي.
الوجه الثاني: أن الزمان من لوازم الفعل، ولذلك دل عليه بالالتزام، ثم إنه يصح أن يقال: خلق الله الزمان فيجب أن يكون خلقه إياه في زمان تقديري، وإلا لكان في زمان خارجي، فيلزم وجوده قبل وجوده، وأنه محال.
﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ (١٠٧) [هود: ١٠٧] في أهل النار والجنة، وقد استشكل هذا الاستثناء، ولبعضهم فيه تصنيف مفرد، والذي يتجه أن يقال فيه: أما في أهل النار فمعناه: إلا ما شاء الله من مقامهم في البرزخ أو في حال الحياة أو فيهما، فإن ذلك كله في مدة دوام السماوات والأرض وليسوا حينئذ في النار، أو معناه إلا ما شاء الله من مقامهم في الزمهرير فإنهم يستغيثون من النار، فيخرجون إلى الزمهرير يعذبون به وهو البرد الشديد، وهم حينئذ ليسوا في النار، وأما في أهل الجنة فيحتمل إلا ما شاء الله من حضورهم في حظيرة القدس عند رؤية الرب﷿كل جمعة أو في أوقات الرؤية، وذلك المقام خارج عن الجنة ثم يعودون إليها، ويحتمل إلا: ما شاء الله من تنزههم في أقطار الملكوت فإنه واسع، والجنة جزء يسير منه فيتنزهون فيه/ [١٠٩ أ] ثم يعودون كما يخرج الناس من بساتينهم [للقاء ملوكهم، والسّلام عليهم والتشرف برؤيتهم، وكما يخرج الملوك من بساتينهم] للصيد ونحوه، ثم يعودون إليها، ويحتمل غير ذلك مما في علم الله﷿- مما أراد بكلامه.
﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١١٢) [هود: ١١٢] كلمة/ [٢٣٥/ل] جامعة لخصال الإيمان والإسلام والإحسان، تقتضي فعل كل مأمور وترك كل محظور، ومن ثم قال النبي ﷺ: «شيبتني هود وأخواتها» (١) أما هود فبهذه الكلمة؛ لأنه خاف ألا يقوم بموجبها، وألا يفي بها، و[أما] أخواتها فسورة التكوير، والانفطار، والانشقاق؛ لتضمنهن حكاية أمر الآخرة وأهوال القيامة، ولذلك قال ﷺ: «من
[ ٣٤٤ ]
أحب أن يرى القيامة رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (١) [التكوير: ١] (١).
ونظير هذه الكلمة قوله﷿لموسى وهارون: ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٨٩) [يونس: ٨٩] وفي وصف الأولياء ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٣٠) [فصلت: ٣٠].
﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١١٢) [هود: ١١٢] أي وليستقم من تاب معك كما أمر، وهو أمر بالاستقامة لجميع الأمة، ولن يقوم بذلك إلا معان موفق.
﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ (١١٤) [هود: ١١٤] يحتج به من قال بالمحابطة والمقاصة بين الحسنات والسيئات، ومعناه: أنهما إن استويا تساقطا أو حبط أحدهما بالآخر، وإن تفاوتا سقط القدر المشترك من الطرفين وبقي الزائد له أو عليه، وهذا مقتضى العدل ووضع الموازين القسط.
نعم الحسنات والسيئات فيهن كبائر وصغائر، فالصغيرة تسقط بمثلها وكذا الكبيرة، أما الصغيرة مع الكبيرة إذا تقابلتا فالسيئة الكبيرة تسقط الحسنة الصغيرة، وأما العكس ففيه نظر، إلا أن يتفضل الله﷿ويسامح.
وهذا كله إذا صح الأساس وهو الإيمان، أما مع الكفر فلا توجد الحسنة، وإن وجدت عادت هباء منثورا.
﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (١١٦) [هود: ١١٦] تضمنت الذم لأكثر القرون الخالية على ترك إنكار المنكر، وذلك يقتضي وجوبه ونجاة فاعله وهلاك تاركه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أصول الإسلام ومهمات الدين.
[ ٣٤٥ ]
﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ (١١٧) [هود: ١١٧] يحتج به المعتزلة كما في نظيره في «الأنعام» ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (١١٨) [هود: ١١٨] يحتج به الجمهور كنظائره السابقة.
﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١١٩) [هود: ١١٨ - ١١٩].
أي وللخلاف خلقهم؛ كقوله﷿: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ (١٧٩) [الأعراف: ١٧٩] / [٢٣٦/ل، وقيل: للرحمة/ [١٠٩ ب/م] خلقهم، فإن أريد به عموم الناس فباطل، إذ أكثرهم للعذاب كما ثبت، وإن أريد البعض فيبقى تقديره، ولذلك خلق من رحم أي:
وللرحمة خلق من رحم، وهو متجه على ما فيه من ضعف، فالأشبه الأول بدليل تمام الآية:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩].
[ ٣٤٦ ]