وثالثها: من ذهب إلى أنها خلق للرب وكسب للعبد، وفرقوا بين الخلق والكسب / [٧/ل] بأن الخلق هو الإنشاء والاختراع من العدم إلى الوجود، والكسب هو التسبب إلى ظهور ذلك الخلق على الجوارح، ورسموه بأنه ظهور أثر القدرة القديمة في محل القدرة الحادثة، وذلك كالولد هو مخلوق لله﷿مكسوب للأبوين بالجماع، فالخالق موجد، والكاسب متسبب، وهؤلاء هم الكسبية وهم الجمهور والسواد الأعظم من المحدثين والفقهاء.
ورابعها: من ذهب إلى أن الفعل مخلوق للرب والعبد اشتراكا، بناء على جواز أثر من مؤثرين ومقدور بين قادرين.
وخامسها: من ذهب إلى أن الله﷿يوجد قدرة للعبد، والعبد يوجد بقدرته الفعل.
وسادسها: من ذهب إلى أن الفعل له جهة عامة، وهي كونه فعلا: حركة أو سكونا، وجهة خاصة، وهي كونه طاعة كالصلاة، أو معصية كالزنا. وهو من الجهة الأولى مخلوق للرب [﷿] ومن الجهة الثانية مخلوق للعبد. . ولعل فيه مذاهب أخر.
وأما تردد الأدلة فيه:
فأما سمعا: فلأنّ القرآن [العزيز]: تارة يضيف الأفعال إلى العباد؛ نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١٥٩) [الأنعام: ١٥٩].
[ ١٩ ]
﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٠٨) [الأنعام: ١٠٨].
﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اِسْمَ اللهِ عَلَيْهَا اِفْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١٣٨) [الأنعام: ١٣٨].
﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٠) [الانشقاق: ٢٠].
﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ (٣٩) [النساء: ٣٩].
﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢) [الأعراف: ١٢] ونحوه.
وتارة يضيفها إلى الله﷿-: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦٢) [الزمر: ٦٢].
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٢) [الفرقان: ٢].
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٣) [فاطر: ٣].
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ (٩٦) [الصافات: ٩٦].
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٤) [الملك: ١٤].
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (١٦) [الرعد: ١٦] ونحوه.
[ ٢٠ ]
وأما عقلا: فلأن المعتزلة قالوا: لو خلق الله﷿معاصي خلقه، ثم عاقبهم عليها، لكان عن العدل خارجا، وفي ساحة الجور والجا. ولأن ما يخلقه الله﷿- يجب وقوعه؛ فتكليف العبد بعد ذلك بإيجاده تكليف بالواجب أو الممتنع، وتحصيل للحاصل، وهو محال. ولأنا ندرك بالحس أو الضرورة وقوع أفعالنا بأدواتنا على وفق دواعينا وقدرتنا وإرادتنا، ونعلم بالوجدان أننا الموجدون المخترعون لها؛ فلا نقبل بعد ذلك الحوالة على غائب لا ندركه، وصار النزاع في ذلك من باب التشكيك في البديهات والسفسطة؛ فلا يسمع.
وقالت المجبرة: لو كان العبد خالقا لأفعاله/ [٥ ب/م] لكان مع الله﷿- خالقون كثيرون، وذلك ضرب من الشرك كالمجوسية؛ ومن ثم ورد تشبيه القدرية بالمجوس (١)، ولأن أخص صفات الله﷿كونه قديما مخترعا، فلو كان معه مخترع غيره لكان ذلك المخترع منازعا في الإلهية أو مقاسما فيها، وهو باطل؛ ولأن فعل العبد ممكن، وكل ممكن فإنه لا يخرج إلى الوجود إلا بمرجح، ثم ذلك المرجح: إما من العبد؛ فيلزم: إما الدور، أو التسلسل. أو من الرب﷿فيكون هو الخالق، وهو المطلوب.
وأما الكشف عن سره فذلك يظهر/ [٨/ل] بمقدمات:
الأولى: أن الله ﷿أحب أن يكون له في خلقه المشيئة النافذة.
الثانية: أنه﷿أحب أن يكون له عليهم الحجة البالغة.
الثالثة: أنه﷿علم ما سيكون منهم قبل أن يوجدهم؛ فعلم مثلا من آدم وإبراهيم وموسى ومحمد-عليهم الصلاة والسّلام-أنه سيكون منهم الطاعة، وعلم من إبليس ونمرود وفرعون وأبي جهل وأبي لهب أنه ستكون منهم المعصية، وعلم أنه لو ترك كلا واختياره وفوض إليه أفعاله لم يكن منهم إلا ما تعلق به علمه؛ من طاعة أولئك، ومعصية هؤلاء. وحينئذ استوت حالتا جبرهم على أعمالهم وتفويضها إليهم، فلو فوّض إليهم أعمالهم والحالة هذه، لضاعت فائدة التفويض، ولم يبق فيه إلا مجرد مفسدة مشاركة المخلوق له في الاختراع، فرغب ﷾ببالغ حكمته عن هذه المفسدة المجردة، وآثر التوحد في خلقه من غير مشارك؛ صيانة لجانب الإلهية والملك عن وصمة المنازعة والشرك.
ثم إنه﷿لما علم أن في خلقه من يعترض عليه ويقول: إنك إذا أجبرتنا لم
[ ٢١ ]
تعدل فينا؛ ولو فوضت أعمالنا إلينا لقمنا من طاعتك بما علينا-أخفى عنهم طريق الجبر بلطيف حكمته؛ ليقيم عليهم بالغ حجته؛ وذلك بأن خلق فيهم أفعالهم بواسطة مشيئاتهم، فظنوا أنهم لها خالقون، وإنما هم بلطيف الحكمة وعظيم القدرة مجبورون غالطون، وذلك اللبس عليهم من شؤم اعتراضهم، ولو سلموا الأمر لرب الأمر، لكشف لهم عن حقيقة الأمر.
وتقرير ذلك أنه﷿إذا شاء من عبده فعلا، خلق له مشيئة ذلك الفعل، ثم خلق ذلك الفعل على أدوات العبد، موافقا لإرادته. وهذا مستفاد من قوله﷿-:
﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٩) [التكوير: ٢٩] فمشيئة الله﷿سبب مؤثر أبعد، ومشيئة العبد سبب مقارن أقرب.
فالقدري نظر إلى المقارن لقربه، والجبري نظر إلى المؤثر، ولم يمنعه من ذلك بعده، فكان نظره أسدّ. وعلى هذا، فنسبة فعل العبد إلى الرب﷿شبيه بنسبة التالي إلى المقدم في الشرطية اللزومية؛ نحو: «إن كانت الشمس طالعة فالعالم مضيء»، ونسبته إلى العبد نسبة التالي إلى المقدم في/ [٥ أ/م] الشرطية الاتفاقية؛ نحو: «إن كان الإنسان ناطقا فالفرس صاهل».
إذ الله﷿مؤثر في الفعل على جهة الغلبة، والعبد ليس له منه إلا وقوعه مقارنا له على جهة الاتفاق؛ ولهذا تراه ربما أراد الفعل وسعى فيه فلا يقع، وربما كرهه وتحرز منه فيقع؛ فدل على أن المؤثر فيه غيره، وإنما العبد واسطة/ [٩/ل] لإقامة الحجة عليه.
وأما ما احتج به المعتزلة، فراجع [إما] إلى التحسين والتقبيح العقلي، وهو ممنوع، أو إلى دعوى الضرورة في غير موضعها، وهو مكابرة.