الاستنباط في اللغة هو: الاستخراج والظهور بعد الخفاء، وأصله من النَّبَط، والنَّبَطُ: الماء الذي يَنْبُطُ من قَعر البِئْر إذا حُفِرت، وقد نَبَط ماؤها يَنبِط نَبْطًا ونبوطًا، وأَنبَطْنا الماءَ، أي: استنبطناه، يعني: انتهينا إليه. (^١)
فالنَّبَطُ: الماء المستنبطُ من الأرض، ومنه قول الشاعر:
قريبٌ ثَرَاهُ، ما يَنَالُ عَدُوُّه لَه نَبَطًَا، آبِي الهوانِ، قَطُوبُ. (^٢)
ونبطت الْبِئْر وأنبطتها إِذا استخرجت ماءها. وكل شَيْء أظهرته بعد خفائه فقد أنبطته واستنبطته.
واستنبطت من فلَان علمًا أَو خَبرًا أَو مَالًا إِذا استخرجته مِنْهُ.
واستنبطتُ هذا الْأَمر إذا فَكَّرتُ فيهِ فأظهرته. (^٣)
_________________
(١) ينظر: العين للفراهيدي (٧/ ٤٣٩)، ولسان العرب لابن منظور (٧/ ٤١٠)
(٢) ينظر: شمس العلوم للحميري (١٠/ ٦٤٥٧)، وأساس البلاغة للزمخشري ص ٨٠٤، وفيه: قريب نراه، ويروى البيت أيضًا: (عند الهوان قطوب).
(٣) ينظر: جمهرة اللغة لابن دريد الأزدي (١/ ٣٦٢)، والقاموس المحيط للفيروز آبادي (١/ ٦٨٩)
[ ٢١ ]
وعليه فالاستنباط: الاستخراج (^١)؛ إذ النون والباء والطاء في لغة العرب كلمةٌ تدلُّ على استخراج الشيء والانتهاء إليه.
واستنبط الفقيه: إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه. قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] (^٢)
قال الزجاج (^٣): (معنى يستنبطونه في اللغة: يستخرجونه، وأصله من النبط، وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر). (^٤)
وقال ابن جرير (^٥): (كلُّ من أخرج شيئًا كان مُستَتِرًا عن إبصار العيون، أو عن معارف القلوب فهو مستنبطٌ له). (^٦)
ومن هذه المعاني اللغوية يتبين ما يأتي:
أولًا: أن الاستنباط هو الاستخراج باتفاق أهل اللغة، وهو المعنى المطابق للَّفظ.
_________________
(١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٣/ ١١٦٢)، ومقاييس اللغة لابن فارس (٥/ ٣٨١)
(٢) ينظر: لسان العرب (٧/ ٤١٠)
(٣) هو: إبراهيم بن محمد بن السري بن سهل الزجاج النحوي، أبو إسحاق، كان من أهل العلم بالأدب والدين، وصنف كتابًا في (معاني القرآن)، وله كتاب (الأمالي)، وكتاب (الاشتقاق)، و(العروض) وغيرها، توفي سنة ٣١١ هـ. ينظر: إنباه الرواة على أنباء النحاة لأبي الحسن القفطي (١/ ١٩٤)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٤٩).
(٤) معاني القرآن وإعرابه (٢/ ٨٣)
(٥) هو: محمد بن جرير بن يزيد الطبري، صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير، كان إمامًا في التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغيرها من الفنون، وله مصنفات عديدة تدل على سعة فضله وغزارة علمه، من الأئمة المجتهدين، توفي سنة ٣١٠ هـ. ينظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٩١)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (١٤/ ٢٦٧)، وطبقات المفسرين للداودي ص ٣٧٤.
(٦) جامع البيان (٧/ ٢٥٥)
[ ٢٢ ]
ثانيًا: أن في الاستنباط نوعُ اجتهادٍ ومعاناة، دلَّ عليه صيغة اللفظ المفتتحة بحروف الطلب (الألف، والسين، والتاء)، فهي تدل على تطلب الشيء لأجل حصوله، فليس المراد مجرد الإنباط بل الاستنباط، وكأن فيها معنى التكلف في إعمال العقل الذي يحتاجه المستنبط حال الاستنباط (^١)، وهذا الاجتهاد والعناء في نيل المستنبَط واضحٌ في ما يبذله مستنبِطُ الماء من البئر.
قال ابن القيم (^٢): (الاستنباط هو: استخراج الشيء الثابت الخفي الذي لا يعثر عليه كل أحد) (^٣)
ثالثًا: أن الاستنباط أقرب إلى باطن الكلام منه إلى ظاهره، وأقرب إلى المعاني منه إلى الألفاظ. (^٤)
_________________
(١) ينظر: مفهوم التفسير، والتأويل، والاستنباط، والتدبر، والمفسر. للدكتور: مساعد الطيار، ص ١٥٩.
(٢) هو محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي، أبو عبدالله، الشهير بابن القيم الجوزية، الإمام المفسر الفقيه الأصولي الحنبلي، تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وحامل علمه، له المصنفات الشهيرة النافعة منها: (زاد المعاد)، و(بدائع الفوائد) وغيرهما كثير، توفي سنة ٧٥١ هـ. ينظر: شذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٣٥٢)، وطبقات المفسرين للأدنه وي، ص ٢٨٤.
(٣) ينظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٤)
(٤) وينبغي التنبه إلى أن المعاني المستنبطة تتفاوت في القرب والبعد من معنى الآية، كما تتفاوت في الظهور والخفاء، وكُلُّ ذلك بحسب المعنى المستنبط، ووجه اتصاله بالمعنى الظاهر، وباستعراض أي من الكتب المفردة في الاستنباطات القرآنية يتضح ذلك بلا خفاء؛ فبينما نجد استنباطًا على التمام، إذ يتلوه آخر موغلًا في الإيهام، ثم استنباطٌ في القرب والظهور كأنه المعنى المباشر للَّفظ، ويتبعه آخر في البعد والخفاء، بما لا يكاد يُسفر عن وجه اتصاله بالآية. ينظر: معالم الاستنباط في التفسير لنايف بن سعيد الزهراني ص ٤٤
[ ٢٣ ]
قال البغوي (^١): (من العِلم ما يُدرَكُ بالتلاوة والرواية، وهو: النصُّ، ومنه ما يُدرَكُ بالاستنباط، وهو: القياس على المعاني المودعةِ في النصوص) (^٢)، والقياس نوعٌ من الاستنباط.
رابعًا: أنه يطلق على المحسوسات كما في استنباط الماء من البئر، وعلى المعاني كاستنباط الحُكم أو الفائدة بعد النظر والتأمل. (^٣)
أمَّا تعريف الاستنباط في الاصطلاح فقد تفاوتت فيه عبارة العلماء:
فعرَّفه النووي (^٤) بقوله: (قال العلماء: الاستنباط استخراج ما خفي المراد به من اللفظ). (^٥)
وقال ابن القيم: (الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يخفي على غير مستنبطه). (^٦)
_________________
(١) هو: الحسين بن مسعود بن محمد، أبو محمد البغوي، الفقيه الشافعي، يلقب بمحيي السنة، كان إمامًا في التفسير والحديث والفقه، وله من التصانيف: (معالم التنزيل) في التفسير، و(شرح السنة) في الحديث، و(التهذيب) في الفقه، توفي سنة ٥١٦ هـ. ينظر: طبقات المفسرين للسيوطي ص ٥٠، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ١٥٨.
(٢) معالم التنزيل (١/ ٦٦٧)
(٣) ينظر: منهج الاستنباط من القرآن للدكتور: فهد الوهبي ص ٣، ومعالم الاستنباط في التفسير لنايف الزهراني، ص ٢٠.
(٤) هو: محيي الدين، أبو زكريا، يحي بن شرف النووي، الإمام، الفقيه، الحافظ، صاحب التصانيف النافعة في الفقه، والحديث، له شرح على صحيح مسلم، ورياض الصالحين، توفي سنة ٦٧٦ هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ للقيسراني (٤/ ٤٧٠)، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص ٥١٣.
(٥) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٨) ولعل نسبته إلى العلماء تُكسبه مزيد قوة؛ إذ ليس من كلام النووي وحده بل به قال جمع من العلماء.
(٦) إعلام الموقعين (١/ ٣٩٧)، وينظر: البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي (٧/ ٣٠).
[ ٢٤ ]
وقال في موضع آخر هو: (استخراج الشيء الثابت الخفي الذي لا يعثر عليه كل أحد) (^١)
وتعددت التعريفات فيه وتقاربت في كثير منها، والذي يضبطها في جملتها خفاء المستنبَط ودِقّة ملحظِه، كما هو الجامع له في المعنى اللغوي.
والذي يعنينا في هذا المقام هو خصوص الاستنباط من القرآن الكريم، ويمكن تعريفه بأنه:
استخراج ماخفي من النص القرآني من المعاني والأحكام والفوائد واللطائف بطريق صحيح. (^٢)
وعليه فيمكن ضبط معنى الاستنباط في استعمال المفسرين بأنه: استخراج ما وراء ظواهر معاني الألفاظ من الآيات القرآنية. (^٣)