الاستنباط بدلالة الجمع بين النصوص. (^١)
وهي ما يُسمَّيها ابن القيّم دلالة التركيب.
قال - ﵀ -: (أو بدلالة التركيب، وهو ضم نصٍ إلى نص آخر، وهي غير دلالة الاقتران، بل هي ألطف منها وأدق وأصح). (^٢)
وقال: (وأخصُّ من هذا وألطف ضمُّه إلى نصٍ آخر، مُتعلِقٍ به فيُفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده، وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا ينتبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلُّقه به.) (^٣)
وهذا المنهج في الاستنباط بدلالة الجمع بين النصوص تعلَّمه الصحابة من رسول الله ﷺ. (^٤)
ومن أمثلة الاستنباط بدلالة الجمع بين النصوص:
عند قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]
قال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وفي ذلك دلالة على أنّ أقل مدّة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهرًا، وقال تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ
_________________
(١) جعل بعض الأصوليين هذه الدلالة داخلة في دلالة الإشارة. ينظر: أصول السرخسي (١/ ٢٣٧)، والإحكام للآمدي (٣/ ٦٥)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (٣/ ٤٧٦)
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٢٧٣)
(٣) المرجع السابق (١/ ٢٦٧)
(٤) كما أشكل على عمر بن الخطاب، وأهمه من أمر الكلالة، فراجع رسول الله ﷺ في ذلك فقال له: تكفيك آية الصيف، التي نزلت في آخر سورة النساء، يعني قوله تعالى ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، وهذا ما فهمه الصدِّيق وخفي على عمر - ﵄ - حتى دلَّه رسول الله وهداه إلى الجمع بين النصوص والاستنباط منها. ينظر: سبل الاستنباط من الكتاب والسنة ص ١٩٠.
[ ٩٦ ]
يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإذا أسقطنا الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهرًا من ثلاثين بقي مدة الحمل ستة أشهر). (^١)
- وعند قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣]
قال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قيل إن غرض إبليس من هذا الاستثناء أنه لا يقع في كلامه الكذب؛ لأنه لو لم يَذكُر هذا الاستثناء، وادَّعى أنه يغوي الكل لظهر كذبه حين يعجز عن إغواء عباد الله تعالى المخلصين، وعند هذا يقال: إن الكذب شيء يستنكف منه إبليس فليس يليق بالمسلم، وهذا يدل على أن إبليس لا يغوي عباد الله تعالى المخلصين، وقد قال تعالى في صفة يوسف ﵇ ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فتحصل من مجموع الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف ﵇ وما نُسب إليه من القبائح كذب وافتراء). (^٢)
_________________
(١) السراج المنير (٣/ ٢١)
(٢) السراج المنير (٣/ ٥١٢)
[ ٩٧ ]