يظهر للمتأمل في الاستنباط عند الخطيب عنايته بموضوع التربية، والسلوك، وكذلك الرِقاق التي تحمِل المرء على استشعار مراقبة الله تعالى، والحث على مكارم الأخلاق، والتحذير من سفاسف الأمور، ودنيء الطباع.
وتأتي هذه الاستنباطات التربوية في المرتبة الثالثة من حيث الاستنباطات الأكثر ورودًا عند الخطيب بعد الاستنباطات العقدية، والفقهية. (^١)
ومن أمثلة الاستنباط عند الخطيب في التربية والسلوك ما يأتي:
- عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]
قال الخطيب - ﵀ -: (أي: إن أرادا الإصلاح وزوال الشقاق أوقع الله بينهما الألفة والوفاق، وفيه تنبيه على أنّ من أصلح نيته فيما يتحرّاه أصلح الله تعالى مبتغاه). (^٢)
- وعند قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]
_________________
(١) حيث بلغت استنباطاته في التربية والسلوك (٣٧) استنباطًا من ببن مجموع الاستنباطات.
(٢) السراج المنير (١/ ٣٤٦).
[ ٧٧ ]
قال الخطيب - ﵀ -: (في هذه الآية دلالة على أنّ من قصد طاعة الله تعالى كان قيامه وقعوده، ومشيه وحركته، وسكونه، كلها حسنات مكتوبة عند الله تعالى، وكذا القول في طرف المعصية، فإنّ حركته فيها كلها سيئآت، فما أعظم بركة الطاعة وما أكبر ذل المعصية إلا أن يغفرها الله تعالى). (^١)
- وعند قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت ٢٣]
قال الخطيب - ﵀ -: (﴿أَرْدَاكُمْ﴾ أي: أهلككم، وفي هذا تنبيه على أن مِن حق المؤمن أن لا يذهب عنه ولا يزول عن ذهنه أن عليه من الله تعالى عينًا كالئة، ورقيبًا مهيمنًا، حتى يكون في أوقاته وخلواته من ربه أهيب وأحسن احتشامًا، وأوفر تحفُظًا، وتصورًا منه مع الملأ، ولا يتبسَّط في سره، مراقبةً من التشبه بهؤلاء الظانين). (^٢)
هذا ما تيسر الإشارة إليه من هذه الموضوعات، وهناك بعض الاستنباطات العامة التي لا تندرج تحت الأقسام الآنفة الذكر، وهذا النوع كثير عند الخطيب (^٣).
_________________
(١) السراج المنير (١/ ٧٤٧)
(٢) المرجع السابق (٣/ ٥٨٦)
(٣) في التأريخ والسير، والجغرافيا في الكلام عن طبيعة الأرض، وغيرها. ينظر على سبيل المثال: السراج المنير (٢/ ٥٢١)، (٢/ ٥٨٥)، (٣/ ١٣٢)، (٣/ ١٤٤)، (٤/ ٥٤٣).
[ ٧٨ ]