أنكر تأثير الأسباب في مسبباتها، ومأخذ الأشاعرة هنا هو نفسه مأخذهم في القدر، فعندهم مثلًا: من قال: إن النار تحرق بطبعها، أوهي علة الإحراق فهو كافر مشرك؛ لأنه لا فاعل عندهم إلا الله مطلقًا. (^٣)
_________________
(١) السراج المنير (٢/ ٣٥)، وينظر: منهج الأشاعرة في العقيدة (١/ ٨٢).
(٢) السراج المنير (٢/ ٢٦).
(٣) الأشاعرة يثبتون وجود تلازم عادي بين الأسباب والمسببات، وينفون الاقتران الضروري بينهما، بمعنى أن المسببات تحدث عند الأسباب لا بها، وعلى قولهم فالنار مثلًا إذا لاقت شيئًا قابلًا للاحتراق فاحترق، فإن الاحتراق لم يكن بسبب النار، فهي لم تؤثر شيئًا، وإنما المؤثر هو الله وحده! ينظر: تحفة المريد للبيجوري ص (٩٨ - ٩٩)، وا لإنصاف للباقلاني (١/ ٤٥)، والمواقف للإيجي (١/ ٣١١)، وشرح أم البراهين للسنوسي (١/ ٨٠ وما بعدها)، وينظر تفصيل دعواهم وأمثلته والرد عليها في: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٣/ ١٣)، وتقريب التدمرية لابن عثيمين (١/ ٩٨)، ومنهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف (١/ ٣٤٤ وما بعدها).
[ ٥٢ ]
قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]: «﴿وَمَا هُمْ﴾ أي: السحرة ﴿بِضَارِّينَ بِهِ﴾ أي: السحر ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: أحدًا، ومِن: صلة ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: إرادته؛ لأنّ الأسباب غير مؤثرة بالذات بل بإرادته تعالى». (^١)
وقال عند قوله تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]: (وفائدة هذه الجملة الشرطية إبداء المانع لذهاب سمعهم وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه، وهو أنه تعالى أمهل المنافقين فيما هم فيه؛ ليتمادوا في الغيّ والفساد ليكون عذابهم أشدّ، وللتنبيه على أنّ تأثير الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئة الله تعالى، وأنّ وجودها مرتبط بأسبابها واقع بقدرته تعالى.) (^٢)
وفي أفعال المخلوقات: قال كما قالت الأشعرية: إن العبد فاعل لفعله مجازًا وليس حقيقة، وأن فعل العبد فعل لله لا للعبد؛ لأنهم مع سائر أهل السنة المثبتين للقدر يقولون أن الله تعالى خالق أفعال العباد، وهم يقولون أن الله فاعل فعل العبد، ففعل الله هو مفعوله، والخلق هو المخلوق. (^٣)
وأكثر الكلام حول مسألة خلق الله أفعال العباد، واستنباطها من الآيات ذات الدلالة، حتى تكاد تكون أكثر المسائل العقدية التي تعرّض لها في تفسيره.
_________________
(١) السراج المنير (١/ ٨٣).
(٢) السراج المنير (١/ ٣٧).
(٣) ينظر: الصفدية لابن تيمية (١/ ١٥٢)، وينظر الرد عليهم في: الفتاوى الكبرى (٦/ ٦٤١)، ومنهاج السنة النبوية (٣/ ١٤)، ومفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٢٤٣)، ورفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر لمرعي المقدسي (١/ ٤٠)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٣١٢).
[ ٥٣ ]
قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [الأعراف: ١٢٦]: (ذكر الصبر من قِبلهم ومن أعمالهم ثم إنهم طلبوه من الله تعالى، وذلك يدل على أنّ فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى وقضائه). (^١)
وقال عند قوله تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]: احتج أهل السنة بقوله تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى؛ لأنه تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئًا، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد، فلو كان العبد خالقًا لكان معبودًا إلهًا. (^٢)