فائدة ذكر قوله تعالى ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦]
قال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: ما فائدة ذكر أنشأنا قرنًا آخرين بعدهم؟ أجيب: بأنه ذكر للدلالة على أنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلك قرنًا ويخرب بلاده منهم، فإنه قادر على أن يُنشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده، فهو قادر على أن يفعل ذلك بكم). (^١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة ذكر إنشاء قرن آخرين بعد هؤلاء المذكورين في الآية، وهي التنبيه على أنه تعالى لا يتعاظمه شيء، ولا يعجزه أن يُهلك قرنًا، ويخلي ديارهم منهم، بل هوقادر سبحانه على أن يستبدلهم بآخرين، وفيه تعريض بالمخاطبين أيضًا، بإهلاكهم إذا عصوا، والمغزى: فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذَّبتموه أكرم على الله من رسولكم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم، لولا لطفه تعالى وإحسانه. (^٢)
_________________
(١) السراج المنير (١/ ٤٧٣)
(٢) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٤١)
[ ٣٥٦ ]
ودلالة هذه الآية على هذا المعنى نصَّ عليها عموم المفسرين كالزمخشري، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، والخازن، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور، وغيرهم. (^١)
قال أبو حيان: (فائدة ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم، إظهار القدرة التامة على إفناء ناس وإنشاء ناس، فهو تعالى لا يتعاظمه أن يهلك قرنًا ويخرب بلاده، وينشئ مكانه آخر يعمر بلاده، وفيه تعريض بالمخاطبين، بإهلاكهم إذا عصوا كما أهلك من قبلهم). (^٢)
فهذه الآية فيها الإشارة إلى ما يوجب الاعتبار والموعظة بحال من مضى من الأمم والقرون، فإنهم مع ما كانوا فيه من القوة وسعة الرزق وكثرة الأتباع أهلكهم الله لما كفروا وطغوا وظلموا، فكيف حال من هو أضعف منهم، وأقل عدَدًا وعُددًا، فهذا يوجب الاعتبار والانتباه من الغفلة. (^٣)
وفيها تأكيد على كمال القدرة وسعة السلطان، وأن ما ذُكر من إهلاك الأمم لا ينقص من ملكه تعالى شيئًا بل كُلَّما أهلك أمة أنشأ بدلها أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٥]. (^٤) وقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٦]، وقد جرت سنته تعالى بزوال أهل الظلم بعد الإمهال، وهذا دأبه في
_________________
(١) ينظر: الكشاف (٢/ ٦)، والتفسير الكبير (١٢/ ٤٨٥)، وأنوار التنزيل (٢/ ١٥٤)، والبحر المحيط (٤/ ٤٤٠)، ولباب التأويل (٢/ ٩٩)، وغرائب القرآن (٣/ ٥١)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ١١٢)، وروح البيان (٣/ ١٠)، وفتح القدير (٢/ ١١٦)، وروح المعاني (٤/ ٩١)، ومحاسن التأويل (٤/ ٣١٧)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٢٥١)، والتحرير والتنوير (٧/ ١٤٠).
(٢) البحر المحيط في التفسير (٤/ ٤٤٠)
(٣) لباب التأويل (٢/ ٩٩)
(٤) ينظر: إرشاد العقل السليم لأبي السعود (٣/ ١١٢)
[ ٣٥٧ ]
الأمم السابقين واللاحقين فلتعتبروا أيها المخاطبون بمن قصَّ الله عليكم نبأهم. وهي إشارات حسنة من الآية، والله تعالى أعلم.
[ ٣٥٨ ]
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]
قال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ عطف على ضمير المخاطبين أي: لأنذركم به يا أهل مكة، ومن بلغه من الإنس والجنّ إلى يوم القيامة، وهو دليل على أنّ أحكام القرآن تعمّ الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم، وأنه لا يؤاخذ بها من لم يبلغه). (^١)
هذه الآية فيها دلالتان: الدلالة الأولى:
عموم أحكام القرآن لكل من بلغه.
وجه الاستنباط: أن (مَنْ) من صيغ العموم (^٢)، فتشمل كل من بلغه القرآن إلى يوم القيامة.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص عموم أحكام القرآن لكل من بلغه؛ حيث أخبر تعالى في هذه الآية أنه ﷺ منذر لكل من بلغه هذا القرآن العظيم كائنًا من كان، ويفهم من الآية أن الإنذار به عام لكل من بلغه، وأن كل من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار. فالمعنى: كل من بلغه القرآن من موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلة.
_________________
(١) السراج المنير (١/ ٤٧٣).
(٢) لأنها اسم موصول والأسماء الموصولة تفيد العموم، ينظر: البحر المحيط للزركشي (٤/ ١١٢)، وإرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٣٠٥).
[ ٣٥٩ ]
وهنا مسألة صحة تكليف المعدوم أوخطاب المعدوم؟ (^١)
والصحيح فيها أن المعدوم مُكلَّف إذا وُجد بالخطاب الأول، ولا يحتاج في تكليفه لخطاب جديد، ولا يفتقر إلى إدخاله مع الأوائل بالقياس عليهم؛ لأنه كان داخلًا معهم بالأصالة.
ويدل لذلك هذه الآية إذ هي نص قاطع في هذه المسألة، وبيان ذلك: أن النبي ﷺ قد بعثه الله تعالى بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إليه بإذنه، وهذه النذارة التي أوكلت له ﷺ متوجهة لطائفتين، طائفة موجودة وهي: المرادة بقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾، والخطاب هنا للموجودين في عهده، والطائفة الثانية: الطائفة التي لم توجد في عهده، فيدخلون جميعهم في قوله ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾، فالموجودة حصلت النذارة لهم بالمباشرة، والمعدومة حصلت النذارة لهم بالبلاغ، فكل من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة واتضحت له المحجة، فسائر الأمة بعده ﷺ إلى أن تقوم الساعة تدخل
_________________
(١) هذه مسألة مشهورة عند الأصوليين، والمراد بالمعدوم هو: من لم يوجد في زمن نزول الخطاب الشرعي، كالأجيال التي جاءت بعد عهد النبوة إلى عهدنا هذا، وكالأجيال التي لم توجد الآن وإنما ستوجد في الأزمنة اللاحقة. وهذه المسألة فيها مذهبان: الأول: مذهب أهل السنة والجماعة وهو نفسه مذهب الأشاعرة، لكنهما اتفقا في النتيجة وإن اختلفا في الأصل الذي بُنيت عليه المسألة وهو صحة تكليف المعدوم، بشرط: (إذا وُجِد) أي خلق مستجمعًا لشرائط التكليف، وهذا هو الصواب وهو ما دلت عليه ظواهر النصوص من الكتاب والسنة، كما في هذه الآية ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] يعني بلغه القرآن. والمذهب الثاني هو: مذهب المعتزلة فأنكروا خطاب المعدوم، وعلى هذا عندهم أن أوامر الشرع الواردة في عصر النبي ﷺ تختص بالموجودين فقط، فلا يتناول النص إلا الموجود، وأما من بعده فيتناوله الخطاب بالدليل؛ فلا بد من دليل منفصل بنصٍّ أو إجماع أو قياس. ينظر: شرح الطحاوية (١/ ١٦٩)، وينظر الخلاف في هذه المسألة وأدلته وتحقيقه في: الإحكام للآمدي ١/ ١٥٣، والبحر المحيط للزركشي ٢/ ١٠٢، وإرشاد الفحول ١/ ٣٨، ومذكرة في أصول الفقه (١/ ٢٤٠).
[ ٣٦٠ ]
في قوله ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾، وقد تقرّر في القواعد أن (مَنْ) من صيغ العموم، كما تقدم؛ لأنها اسم موصول، والأسماء الموصولة تفيد العموم، فتشمل كل من بلغه القرآن إذا وُجِد وتمت فيه شرائط التكليف فلا يحتاج في تكليفه لدليل مستقل أو قياس خاص والله تعالى أعلم. (^١)
وممن أشار إلى هذه الدلالة: البيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وابن كثير، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، والسعدي، والشنقيطي، وغيرهم. (^٢)
قال الألوسي: (استُدل بالآية على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله ومن سيوجد بعد إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، واختلف في ذلك هو بطريق العبارة في الكل أو بالإجماع في غير الموجودين وفي غير المكلفين. فذهب الحنابلة إلى الأول، والحنفية إلى الثاني وتحقيقه في الأصول (^٣». (^٤)
_________________
(١) ينظر: إرشاد الفحول للشوكاني ١/ ٣٨، ومذكرة في أصول الفقه (١/ ٢٤٠). وينظر: إيضاح هذه المسألة واختصارها في موقع الشيخ: وليد بن راشد السعيدان، وكذلك موقع فضيلة الشيخ: أحمد بن عمر الحازمي، فقد أجادا وأفادا في طرح المسألة وتبسيطها لطلبة العلم من غير المتخصصين.
(٢) ينظر: أنوار التنزيل ٢/ ١٥٧، ومدارك التنزيل ١/ ٤٩٥، والتسهيل ١/ ٢٥٦، وتفسير القرآن العظيم ٣/ ٢٤٥، وإرشاد العقل السليم ٣/ ١١٨، وفتح القدير ٢/ ١٢٠، وروح المعاني ٤/ ١١٣، ومحاسن التأويل ٤/ ٣٣٠، والتحرير والتنوير (٧/ ١٦٨، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ٢٥٣، وأضواء البيان ١/ ٤٧٥.
(٣) تقدم توثيقه
(٤) روح المعاني ٤/ ١١٣.
[ ٣٦١ ]
ويدل له قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]
والحاصل أن دلالة النص في هذه الآية على شمول أحكام القرآن لمن سيوجد، كشمولها لمن قد كان موجودًا وقت النزول قوية ظاهرة، والله تعالى أعلم.
[ ٣٦٢ ]
الدلالة الثانية:
أن من لم يبلغه القرآن فلا يؤاخذ.
وجه الاستنباط:
أن مفهوم قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ نفي الإنذار بالقرآن عمن لم يبلغه، وعليه تنتفي المؤاخذة لعدم البلاغ.
الدراسة:
استنبط الخطيب كذلك من قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أن من لم يبلغه القرآن ولم تصله الدعوة فإنه لا يؤاخذ؛ وهو مبني على القول بالمفهوم؛ لأن مفهومها انتفاء الإنذار بالقرآن عمن لم يبلغه وعليه انتفاء المؤاخذة، فدلّ بمفهوم المخالفة على أن من لم تبلغه النذارة فليس بمُنذَر، وأن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه. ويدل له قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، والألوسي وغيرهما. (^١)
قال الألوسي: (استُدِل بالآية على أن من لم يبلغه القرآن غير مؤاخذ بترك الأحكام الشرعية). (^٢)
وقال البغوي – في غير موضع هذه الآية-: (وذلك أن الله تعالى أجرى السُنَّة أن لا يأخذ أحدًا إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنبًا إذا أُمر فلم يأتمر،
_________________
(١) ينظر: أنوار التنزيل للبيضاوي (٢/ ١٥٧)، وروح المعاني للألوسي (٤/ ١١٣).
(٢) ينظر: روح المعاني (٤/ ١١٣).
[ ٣٦٣ ]
أو نُهي فلم ينته، وذلك بعد إنذار الرسل، ولا عذاب على كافر أصلًا حتى تبلغه نذارة الرسول فالحُجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان). (^١)
ومن لم تبلغه دعوة الرسول ﷺ، ولم تصله نذارة القرآن فله حكم أهل الفترة الذين لم يأتهم رسول، فهم معذورون بالجهل لكنهم يمتحنون يوم القيامة.
أما نفي المؤاخذة مطلقًا والعذر بالجهل كما قال به الأشاعرة (^٢) فغير صحيح، والذي عليه أهل السنة أن أهل الفترة ومن في حكمهم ممن لم يبلغهم القرآن ودعوة الرسل لا يعذرون بالجهل مطلقًا، بل يمتحنون في عرصات القيامة، وهو الراجح من أقوال أهل العلم. (^٣)
وعليه فكل من لم تبلغه نذارة القرآن يكون معذورًا بجهله إلى أن تبلغه نذارته أو بالامتحان، وأما من بلغته نذارة القرآن ولم يؤمن به فهو في النار، ففرضٌ على من بلغه التصديق به واتّباعه، والهجرة لتحصيل ذلك (^٤)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) معالم التنزيل عند تفسير الآية ١٣١ من سورة الأنعام (٢/ ١٦١).
(٢) ينظر: شرح الباجوري (١/ ٣١)، وحاشية الدسوقي (١/ ٥٤ - ٧٠ - ٩٧)
(٣) ممن قال بعذر أهل الفترة ومن في حكمهم وامتحانهم: شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (لا يهلكهم الله ويعذبهم، حتى يرسل إليهم رسولا. وقد رويت آثار متعددة من أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في عرصات القيامة). مجموع الفتاوى ١٧/ ٣٠٨. وهذا الذي نصره ابن كثير، والبيهقي في كتاب الاعتقاد، والشنقيطي، وغيرهم. ينظر: تفسير القرآن العظيم ٣/ ٣٠. وأضواء البيان ١/ ٤٧٥، وجهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف (٢/ ٥٩٦)
(٤) ينظر: الفصل في الملل والنحل لابن حزم (٤/ ٥٠).
[ ٣٦٤ ]
الهادي والمضل هو الله تعالى، وما وقع من الأفعال إنما هو بمشيئة الله.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]
قال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾ إضلاله ﴿يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ﴾ هدايته ﴿يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو دين الإسلام، وهو دليل واضح لأهل السنة على المعتزلة في قولهم: إنهما من العبد). (^١)
وجه الاستنباط:
لمَّا نسب الله سبحانه الهداية والضلال إلى نفسه، دلّ على رد قول المعتزلة في زعمهم خلق العبد فعل نفسه.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنَّص على أن الهداية والضلال بيد الله خلافًا لمذهب المعتزلة، ومن تبعهم من القدرية القائلين بأنهما من فعل العبد؛ حيث دلَّت على أنه تعالى المضل من يشاء إضلاله من خلقه عن الإيمان، والهادي منهم من أحب هدايته، فموفقه بفضله للإيمان به، وأنه لا يهتدي من خلقه أحد إلا من سبق له في أم الكتاب السعادة، ولا يضل منهم أحد إلا من سبق له فيها الشقاء. (^٢)
_________________
(١) السراج المنير (١/ ٤٨٤)
(٢) ينظر: جامع البيان للطبري (٦/ ٤٢٢).
[ ٣٦٥ ]
قال القرطبي: (﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ دلَّ على أنه شاء ضلال الكافر وأراده لينفذ فيه عدله. ألا ترى أنه قال: ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي على دين الإسلام لينفذ فيه فضله، وفيه إبطال لمذهب القدرية.) (^١)
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبوحيان، وابن عادل، والسيوطي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (^٢)
وتأوّلت المعتزلة هذه الآية فقالوا: معنى يضلله: يخذله، وضلاله أن لم يلطف به؛ لأنه ليس من أهل اللطف، ومعنى يجعله على صراط مستقيم: يلطف به لأن اللطف يجري عليه، وهذا على قول الزمخشري (^٣)، وهو من تحريفاته للهداية والضلالة تبعًا لمعتقده الفاسد في أن الله تعالى لا يخلق الهدى ولا الضلال، وأنهما من جملة مخلوقات العباد. (^٤)
ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات المشيئة لله، وأن كل ما في الكون واقع بمشيئة الله تعالى. (^٥)
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٤٢٢)
(٢) ينظر: التفسير الكبير (١٢/ ٥٣١)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٤٢٢)، وأنوار التنزيل (٢/ ١٦١)، مدارك التنزيل (١/ ٥٠٣)، ولباب التأويل (٢/ ١١١)، والبحر المحيط (٤/ ٥٠٦)، واللباب في علوم الكتاب (٨/ ١٣٢)، وروح المعاني (٤/ ١٤٠)، ومحاسن التأويل (٤/ ٣٥٨)
(٣) ينظر: الكشاف (٢/ ٢٢).
(٤) ينظر: حاشية الانتصاف على الكشاف لابن المنير (٢/ ٢٢)
(٥) وهي تختلف عن الإرادة بأنها لا تنقسم إلى كونية، وشرعية؛ بل هي كونية محضة؛ فما شاء الله كان؛ وما لم يشأ لم يكن سواء كان مما يحبه، أو مما لا يحبه؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ [الأنعام: ٣٩]؛ فهذا لا يحبه؛ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]: فهذا يحبه؛ وكل فعل علَّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ ودليل ذلك سمعي، وعقلي؛ فمن السمع: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ فدلَّ هذا على أن مشيئته مقرونة بالحكمة؛ وأما العقل فلأن الله ﷾ سمَّى نفسه بأنه «حكيم»؛ والحكيم لا يصدر منه شيء إلا وهو موافق للحكمة. ينظر: تفسير سورة البقرة للعثيمين (٣/ ٢٥)
[ ٣٦٦ ]
قال ابن أبي العز في شرحه كلام الطحاوي رحمهما الله:
(يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلًا) ردًا على المعتزلة في هذا الباب:
قال: (هذا رد على المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله، وهي مسألة الهدى والضلال. قالت المعتزلة: الهدى من الله: بيان طريق الصواب، والإضلال: تسمية العبد ضالًا، أو حكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه. وهذا مبني على أصلهم الفاسد: أن أفعال العباد مخلوقة لهم. والدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. ولو كان الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي عن نبيه، لأنه ﷺ بين الطريق لمن أحب وأبغض. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]. وقوله: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]. ولو كان الهدى من الله البيان، وهو عام في كل نفس لما صح التقييد بالمشيئة. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧]. وقوله ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩].) (^١)
وفي هذا دليل على أن الهادي والمضل هو الله تعالى، وأن ما وقع من الأفعال إنما هوبمشيئة الله، وما لم يقع إنما لم يقع لأن الله لم يشأه، سواء ذلك في الطاعة أو المعصية أو ما ليس بطاعة ولا معصية من المباحات، والمشيئة عند أهل السنة لا يلزم منها الحب والرضا، وإنما تتعلق بالإرادة الكونية القدرية التي لا يخرج شيء
_________________
(١) شرح الطحاوية (١/ ١٣٧)، وينظر: شرح الواسطية لصالح الفوزان (١/ ٩٠)
[ ٣٦٧ ]
في الوجود عنها سواء كان طاعة أو معصية، فإذا كان الفعل طاعة فإنه يكون واقعًا بمشيئة الله وبحبه ورضاه، وإذا كان معصية فإنه يكون واقعًا بمشيئة الله وعدم حبه ورضاه لذلك.
وبهذا يتضح أن قول المعتزلة في تقسيم المشيئة لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وبدلالة هذه الآية كما نصَّ عليها الخطيب ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، حيث لا يمكن تقدير المشيئة هنا أنها مشيئة الإلجاء والإكراه، ولكن المعتزلة يأخذون ببعض الكتاب ويردون بعضه، وأهل الحق يدينون لله بالقرآن كله. (^١) والله تعالى أعلى وأعلم.
_________________
(١) ينظر: حاشية الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار للعمراني (١/ ٤٩ ومابعدها)، وينظر: إعلام الموقعين (٢/ ٢١١)، وشفاء العليل لابن القيم (١/ ٨٠)، والإبانة عن شريعة الفرقة الناجية لابن بطة (١/ ١٩٠).
[ ٣٦٨ ]
الفائدة من قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠]
قال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: قد يُستدل بهذا على أنّ الملائكة أفضل من الأنبياء لأنّ معنى الكلام لا أدعي منزلة أقوى من منزلتي، ولولا أنّ الملائكة أفضل لم يصح ذلك؟
أجيب: بأنه ﷺ إنما قال ذلك تواضعًا لله تعالى، واعترافًا بالعبودية، حتى لا يُعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح، وبأنّ المراد بما قاله نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة، وذلك لا يدل على أنهم أفضل من الأنبياء). (^١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ وذلك أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوج النساء؟
فأجابهم ﵊ بقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه البشر، وإنما نفى عن نفسه هذه الأشياء تواضعًا لله تعالى، واعترافًا له بالعبودية، وأيضًا حتى لا يقترحوا عليه الآيات التي لايقدر عليها،
_________________
(١) السراج المنير (١/ ٤٨٧)
[ ٣٦٩ ]
فنفى قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة وليس في ذلك دلالة على أنهم أفضل من الأنبياء. (^١)
وممن أشار إلى هذا المعنى من المفسرين: ابن عطية، والرازي، والبيضاوي، والقرطبي، والخازن، وأبو حيان، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)
قال ابن عطية مؤيدًا هذه الدلالة: (وتعطي قوة اللفظ في هذه الآية الملك أفضل من البشر، وليس ذلك بلازم من هذا الموضع، وإنما الذي يلزم منه أن الملك أعظم موقعًا في نفوسهم وأقرب إلى الله، والتفضيل يعطيه المعنى عطاء خفيًا وهو ظاهر من آيات أخر، وهي مسألة خلاف). (^٣)
وذكر الرازي وجهًا آخر في فائدة هذه الآية إضافة لإظهار التواضع منه ﵊، والاعتراف بالعبودية، وهي أن القوم كانوا يقترحون منه إظهار المعجزات القاهرة القوية، كقولهم ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى آخر مطالبهم، فقال تعالى في آخر الآية ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] يعني لا أدعي إلا الرسالة والنبوة، وأما هذه الأمور التي طلبتموها، فلا يمكن تحصيلها إلا بقدرة الله، فكان المقصود من هذا
_________________
(١) ينظر: لباب التأويل للخازن (٢/ ١١٤)
(٢) ينظر: المحرر الوجيز (٢/ ٢٩٤)، والتفسير الكبير (١٢/ ٥٣٨)، والجامع لأحكام القرآن (٦/ ٤٣٠)، ولباب التأويل (٢/ ١١٤)، والبحر المحيط (٤/ ٥١٨)، وفتح القدير (٢/ ١٣٥)، وروح المعاني (٤/ ١٤٧)، ومحاسن التأويل (٤/ ٣٦٦)، والتحرير والتنوير (٧/ ٢٤٢)
(٣) المحرر الوجيز (٢/ ٢٩٤)
[ ٣٧٠ ]
الكلام إظهار العجز والضعف وأنه لا يستقل بتحصيل هذه المعجزات التي طلبوها منه. (^١)
واستدل الجبائي (^٢) بهذه الآية على أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وجعل معنى الآية: لا أدعي منزلة فوق منزلتي، قال: فلولا أن الملك أفضل لم يصح ذلك، وتبعه الزمخشري كعادته يُرغم معاني القرآن على مسايرة مذهبه (^٣)، فهو جارٍ على مذهب المعتزلة أن الملَك أفضل خلق الله.
وهذه المسألة (^٤) محل خلاف بين أهل العلم فقال بعضهم بتفضيل الملائكة، وقال بعضهم بتفضيل بني آدم، ولكل قولٍ أدلته (^٥)، ومذهب أهل السنة أن الأنبياء وصالحي البشر أفضل من الملائكة - كما تقدم - وهو الراجح. (^٦)
_________________
(١) وذكر فوائد أخرى غيرها، ينظر: التفسير الكبير (١٢/ ٥٣٨)
(٢) هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن جمران بن أبان، الجبائي، أحد أئمة المعتزلة؛ وصاحب التصانيف، كان إماما في علم الكلام في عصره، وله في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة، توفي سنة ٣٠٣ هـ. ينظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٦٧)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ١٨٣).
(٣) ينظر: الكشاف (٢/ ٢٥)، وينظر قوله والرد عليه في: التفسير الكبير (١٢/ ٥٣٨)، والبحر المحيط (٤/ ٥١٨)، وروح المعاني (٤/ ١٤٧)، ومحاسن التأويل (٤/ ٣٦٦)، والتحرير والتنوير (٧/ ٢٤٢)
(٤) تقدم الكلام عنها في أول سورة البقرة عند قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ينظر الاستنباط رقم: (١٣)
(٥) ينظر: حجج القرآن لأحمد بن المظفر الرازي (١/ ٨١)، والفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي (١/ ١٥٣)، والحبائك في أخبار الملائك لجلال الدين السيوطي (١/ ٢٠٧).
(٦) ينظر: لوامع الأنوار البهية للسفاريني (٢/ ٣٩٨)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٤)، والصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن القيم (٣/ ١٠٠٢)، وشرح الطحاوية لصالح آل الشيخ (١/ ١٠٥).
[ ٣٧١ ]
قال ابن عاشور ردًا عليهم: (ومن تلفيق الاستدلال أن يستدل الجبائي بهذه الآية على تأييد قول أصحابه المعتزلة بتفضيل الملائكة على الأنبياء، مع بُعد ذلك عن مهيع الآية). (^١)
وقال الشوكاني موافقًا الخطيب وغيره في هذه الآية: (وليس في هذا ما يدل على أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وقد اشتغل بهذه المفاضلة قوم من أهل العلم، ولا يترتب على ذلك فائدة دينية ولا دنيوية، بل الكلام في مثل هذا من الاشتغال بما لا يعني، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). (^٢)
والصحيح أنه ليس في الآية دليل على تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما هو محل النزاع كما زعم الجبائي وغيره، وإن كان ظاهرها يؤيده؛ لأنها إنما وردت ردًا على الكفار في قولهم ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ .. الآية، وتكليفهم له عليهم الصلاة والسلام بنحو الرقي في السماء وغيره مما لا طاقة له به. فردَّ قولهم: بأنه بشر، وذلك شأن البشر، ولم يدَّعِ أنه ملك، حتى يُتعجب من أكله للطعام، وحينئذ لا يلزم منها تفضيل الملائكة على الأنبياء.
قال الألوسي: (ونحن لا ندعي تميز الأنبياء على الملائكة عليهم الصلاة والسلام في عدم الأكل مثلًا، والقدرة على الأفاعيل الخارقة كالرقي ونحوه، ولا مساواتهم لهم في ذلك، بل كون الملائكة متميزين عليهم، عليهم الصلاة والسلام في ذلك مما أجمع عليه الموافق والمخالف، ولا يوجب ذلك اتفاقًا على أن الملائكة أفضل منهم بالمعنى
_________________
(١) التحرير والتنوير (٧/ ٢٤٢).
(٢) فتح القدير للشوكاني (٢/ ١٣٥).
[ ٣٧٢ ]
المتنازع فيه، وإلا لكان كثير من الحيوانات أفضل من الإنسان ولا يدعي ذلك إلا جماد). (^١)
فلا يلزم من الآية تفضيل الملائكة على الأنبياء، لأنه لا خلاف أن الأنبياء، يأكلون الطعام، وأن الملائكة ليسوا كذلك، فالتفرقة بهذا الوجه متفق عليها، ولا يوجب ذلك اتفاقًا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء. (^٢)
ولعل هذا الجواب أظهر من كون هذا القول منه ﷺ من باب التواضع وإظهار العبودية لله كما حكاه الخطيب، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) روح المعاني (٤/ ١٤٧).
(٢) ينظر: حاشية الانتصاف على الكشاف لابن المنير (٢/ ٢٥)، ومحاسن التأويل (٤/ ٣٦٦)، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا (٧/ ٣٥٧)
[ ٣٧٣ ]
حجية سد الذرائع.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨]
قال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ أي: اعتداءً وظلمًا ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جهلًا منهم بالله وبما يجب أن يذكر به، وفيه دليل على أنّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدّي إلى الشرّ شر). (^١)
وجه الاستنباط:
أن اللَّه تعالى قد حرّم سبّ الأصنام التي يعبدها المشركون مع كون السب حمية لله وإهانة لأصنامهم؛ لكون ذلك السب ذريعة إلى أن يسبوا اللَّه تعالى.
الدراسة:
هذه الآية أصل في قاعدة سد الذرائع (^٢)؛ حيث حرّم تعالى سبّ آلهة المشركين مع كون السبّ غيظًا وحميةً لله وإهانةً لآلهتهم، لكونه ذريعة إلى سبّهم لله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبّته تعالى أرجح من مصلحة سبِّنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز (^٣)، فاستنبط الخطيب منها بدلالة اللازم أنّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها.
_________________
(١) السراج المنير ١/ ٥١٠
(٢) ينظر تأصيل هذه القاعدة وحجيتها في: الموافقات للشاطبي ٣/ ٧٦، والبحر المحيط للزركشي ٨/ ٨٩، وإرشاد الفحول للشوكاني ٢/ ١٩٤، والمهذب في علم أصول الفقه المقارن للنملة ٣/ ١٠١٦.
(٣) ينظر: إعلام الموقعين لابن القيم ٣/ ١٣٧
[ ٣٧٤ ]
ووجه النهي عن سبّ أصنامهم هو أن السبّ لا تترتب عليه مصلحة دينية؛ لأن المقصود من الدعوة هو الاستدلال على إبطال الشرك، وإظهار استحالة أن تكون الأصنام شركاء لله تعالى، فذلك هو الذي يتميز به الحق عن الباطل، وينهض به المُحِق ولا يستطيعه المبطل، فأما السبّ فإنه مقدور للمُحق وللمبطل فيظهر بمظهر التساوي بينهما، وربما استطاع المبطل بوقاحته وفُحشه ما لا يستطيعه المحق، فيلوح للناس أنه تغلّب على المُحق. ويكفي وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر في القدح في إلهيتها، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها. (^١)
ومن هذا القبيل - وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها - ماجاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسبُّ الرجل أبا الرجل، فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمه» (^٢)، وكان ﵊ يكِفُّ عن قتل المنافقين؛ لأنه ذريعة إلى قول الكفار: إن محمدًا يقتل أصحابه. (^٣)
وممن استنبط هذه القاعدة الجليلة من الآية: السمرقندي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وابن كثير، والسيوطي، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور وغيرهم. (^٤)
_________________
(١) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ٧/ ٤٣٠.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: لايسب الرجل والديه، برقم (٥٩٧٣)، (٨/ ٣)
(٣) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣١٥).
(٤) ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي ١/ ٤٧٤، والتفسير الكبير ١٣/ ١١٠، والجامع لأحكام القرآن ٧/ ٦١، وأنوار التنزيل ٢/ ١٧٧، وتفسير القرآن العظيم ٣/ ٣١٥، والإكليل ١/ ١٢٠، وإرشاد العقل السليم ٣/ ١٧٢، وفتح القدير ٢/ ١٧١، ومحاسن التأويل ٦/ ١٤٧، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ٢٦٩، والتحرير والتنوير ٧/ ٤٣٠.
[ ٣٧٥ ]
قال الشوكاني: (في هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبَّب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرمة، ومخالفة حق، ووقوع في باطلٍ أشدّ، كان الترك أولى به، بل كان واجبًا عليه، .. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة، وهي أصل أصيل في سد الذرائع وقطع التطرق إلى الشُبه). (^١)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) فتح القدير ٢/ ١٧١.
[ ٣٧٦ ]
تكذيب القدرية والمعتزلة في قولهم: لا يحسُن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه.
قال الله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨]
قال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وفي هذه الآية دليل على تكذيب القدرية والمعتزلة حيث قالوا: لا يحسن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه فهو الفعال لما يريد، لا يُسأل عما يفعل). (^١)
وجه الاستنباط:
ظاهر الآية يفيد العموم في تزيين الله تعالى الخير والشر.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص تكذيب القدرية والمعتزلة في قولهم: «لا يحسُن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه» حيث قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ فنصَّ سبحانه على تزيين العمل لكل أمة. وظاهر قوله تعالى ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ العموم في الأمم وفي العمل، فيدخل فيه المؤمنون والكافرون، أي: كما زينَّا لهؤلاء المشركين عبادة الأصنام وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان، كذلك زينا لكل أمة عملهم من الخير والشر والطاعة والمعصية. (^٢)
_________________
(١) السراج المنير (١/ ٥١٠)
(٢) البحر المحيط في التفسير (٤/ ٦١٢).
[ ٣٧٧ ]
قال ابن عباس: «زيَّنا لأهل الطاعة الطاعة، ولأهل الكفر الكفر» (^١)، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. وهذا ما عليه أهل السنة من أن المُزين للكافر الكفر، وللمؤمن الإيمان، هو الله تعالى بدلالة ظاهرهذه الآية، ففيه رد على القدرية والمعتزلة في زعمهم أن خَلق الكفر وتزيينه لا يحسن من الله تعالى. (^٢)
وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والخازن، وأبو حيان، والنيسابوري، والقاسمي، وغيرهم. (^٣)
وأهل السُنَّة على أن خَلقه تعالى الكفر والظلم في الكافر والظالم، وإقراره ثم تعذيبهما عليه، وخَلقه الكفر وغضبه منه وسخطه إياه، كل ذلك منه تعالى حكمة وعدل وحق، وممن دونه تعالى سفه وظلم وباطل. (^٤)
فالمؤمن اختار الإيمان وأحبَّه واستحسنه وأراده وآثره على ضده، وكرِه الكفر وأبغضه واستقبحه ولم يُرده وآثر عليه ضده، والله خلق له الاختيار والاستحسان والإرادة للإيمان والبغض والكراهة والاستقباح للكفر، قال تعالى ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]
_________________
(١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧/ ٦٢)
(٢) ينظر الرد عليهم في: الإبانة عن أصول الديانة لابن أبي بردة (١/ ١٨١)، والتوحيد للماتريدي (١/ ٢٣٦) و(١/ ٢٩٤)، والفصل في الملل والنحل (٣/ ٤١)، والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية (٢/ ٤٦٢).
(٣) ينظر: التفسير الكبير (١٣/ ١١١)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ٦٢)، ولباب التأويل (٢/ ١٤٥)، والبحر المحيط (٤/ ٦١٢)، وغرائب القرآن (٣/ ١٤٢)، ومحاسن التأويل (٤/ ٤٦٥)
(٤) ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٤١)
[ ٣٧٨ ]
والكافر على عكسه اختار الكفر واستحسنه وأحبَّه وأراده وآثره على ضده، وكرِه الإيمان وأبغضه ولم يُرده، والله تعالى خلق ذلك كله، وليس أحدهما بممنوع عن ضد ما اختاره، ولا بمحمول على ما اكتسبه، ولذلك وجبت حجة الله عليهم، وحقَّ عليهم القول، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]. (^١)
قال ابن القيم: (قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ
_________________
(١) ينظر: التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي (١/ ٤٩).
[ ٣٧٩ ]
وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨]، وقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣]
فأضاف التزيين إليه سبحانه خلقًا ومشيئة. وحذَف فاعله تارة، ونسَبه إلى سببه، ومن أجراه على يده تارة. وهذا التزيين منه سبحانه حسن، إذ هو ابتلاء واختبار للعبد ليتميز المطيع منهم من العاصي، والمؤمن من الكافر، وهو من الشيطان قبيح.
وأيضًا فتزيينه سبحانه للعبد عمله السيء عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته، وإيثار سيء العمل على حسنه فإنه لا بد أن يعرفه سبحانه السيء من الحسن، فإذا آثر القبيح واختاره وأحبه ورضيه لنفسه، زيَّنه سبحانه له وأعماه عن رؤية قُبحه بعد أن رآه قبيحًا. وكل ظالم وفاجر وفاسق لا بد أن يُريه الله تعالى ظلمه وفجوره وفسقه قبيحًا، فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه. فربما رآه حسنًا عقوبة له، .. ومع هذه فحجة الله قائمة عليه بالرسالة، وبالتعريف الأول. فتزيين الرب تعالى عدل، وعقوبته حكمة، وتزيين الشيطان إغواء). (^١)
فثبت أنه يمتنع أن يصدر عن العبد فعل، ولا قول، ولا حركة، ولا سكون، إلا إذا زيَّن الله تعالى ذلك الفعل في قلبه وضميره واعتقاده، وأيضًا الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفرًا وجهلًا، والعلم بذلك ضروري بل إنما يختاره لاعتقاده كونه إيمانًا وعلمًا وصدقًا وحقًا، فلولا سابقة الجهل الأول لما اختار هذا الجهل. (^٢)
_________________
(١) تفسير القرآن الكريم لابن القيم (١/ ٢٤٤) بتصرف، وشفاء العليل (١/ ١٠٣).
(٢) ينظر: التفسير الكبير (١٣/ ١١١)
[ ٣٨٠ ]
وبهذا يظهر بطلان قول المعتزلة والقدرية، وأن الحق ما ذهب إليه أهل السنة في أن الخالق للكفر، والمزين له هو الله تعالى كما دلت عليه الآية؛ إذ هي نص في محل النزاع، وهي دلالة قوية ظاهرة، والله تعالى أجل وأعلم.
نجاسة الخنزير نجاسة عين.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]
قال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي: الخنزير ﴿رِجْسٌ﴾ أي: نجس، فالضمير يعود على المضاف إليه؛ لأنّ اللحم دخل في قوله ﴿مَيْتَةً﴾، وحينئذٍ ففي الآية دلالة على نجاسة الخنزير وهو حي، فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى). (^١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة النص نجاسة عين الخنزير؛ لأن الضمير فى قوله تعالى ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ عائد على لفظ الخنزير لا على لفظ «لحم»، وعلَّله بأن اللحم داخل في حكم الميتة، وقال سبحانه في موضع آخر ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، فتحريم اللحم معلوم بالنصّ عليه، ولو عاد الضمير عليه لخلا الكلام من فائدة التأسيس، فوجب عوده إلى كلمة «خنزير» ليفيد الكلام تحريم بقية أجزائه.
_________________
(١) السراج المنير ١/ ٥٢٤.
[ ٣٨١ ]
وقد اختلف العلماء في نجاسة عين الخنزير، فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الخنزير حيوان نجس. (^١)
وعمدة أدلتهم هي هذه الآية، وذهب مالك إلى أن الخنزير طاهر (^٢)، كما هو ظاهر قوله تعالى ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ أن المحرّم منه هو لحمه فقط، وجمهور الفقهاء على أن المحرم لحمه وسائر أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر والمراد جميع أجزائه؛ لكون اللحم هو معظم ما ينتفع به. (^٣)
والخلاف في عود الضمير في قوله ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، فإما أن يعود على «لحم الخنزير»، أو يعود على «خنزير» فإنه أقرب مذكور، والأظهر أنه يعود على ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ لأن المُحدَّث عنه إنما هو اللحم، وجاء ذكر الخنزير على سبيل الإضافة إليه، لا أنه هو المُحدَّث عنه المعطوف (^٤)، وعلى كلٍ فهو دليل على نجاسة لحم الخنزير.
_________________
(١) قال ابن قدامة: (لا يختلف المذهب في نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما أنه نجس عينه وسؤره وعرقه وكل ما خرج منه). الشرح الكبير على متن المقنع/٢٤٨، وينظر: المغني (١/ ٣٥)، والإنصاف في للمرداوي ١/ ٣١٠، وبدائع الصنائع للكاساني ١/ ٦٣، والمجموع للنووي ٢/ ٥٦٨.
(٢) باعتبار أن الأصل في الأشياء الحية الطهارة بما فيها الكلب والخنزير، كما يفيد ظاهر قوله تعالى ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾، فالمحرّم عنده اللحم دون الشحم فيحلّ شحمه وغضروفه وعظمه وجلده لذلك.
(٣) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ١/ ١٣، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ١/ ٤٠، وأحكام القرآن لابن العربي ١/ ٨٠.
(٤) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٦٧٤، والإكليل للسيوطي ١/ ١٢٣، وإرشاد العقل السليم ١/ ١٩١، وروح المعاني ١/ ٤٣٩، والتحرير والتنوير ٨/ ١٣٨.
[ ٣٨٢ ]
قال السمين الحلبي: (ورُجِّح الأول - أي عود الضمير على لحم الخنزير - بأن اللحم هو المُحدَّث عنه، والخنزير جاء بعرضية الإضافة إليه، ألا ترى أنك إذا قلت: «رأيت غلام زيد فأكرمته» أن الهاء تعود على الغلام؛ لأنه المُحدَّث عنه المقصود بالإخبار عنه لا على زيد؛ لأنه غير مقصود). (^١)
وقال ابن كثير: (قوله ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ يعني: إنسيه ووحشيه، واللحم يعُمُّ جميع أجزائه حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم هاهنا وتعسفهم في الاحتجاج بقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ يعنون قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير، حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء، كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطَّرِد). (^٢)
وعليه فالذي يظهر ضعف ما قاله الخطيب من عود الضمير على المضاف إليه دون المضاف، كما أن دلالة الآية على نجاسة عين الخنزير ليست دلالة قطعية، فقد يراد بالنجاسة: النجاسة الحُكمية وهى حُرمة الأكل، وليس النجاسة العينية، كنجاسة المشركين في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فالمراد: نجاسة الاعتقاد وليس النجاسة العينية، وكما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، فنجاسة الأنصاب والأزلام حُكمية وهى الحرمة وليست نجاسة عينية، ولذلك استدل بعض العلماء على
_________________
(١) الدر المصون ٥/ ٢٠٠
(٢) تفسير القرآن العظيم ٣/ ١٦.
[ ٣٨٣ ]
نجاسة عين الخنزير بالقياس على الكلب؛ لأنه أسوأ حالًا منه حيث لا يجوز الانتفاع به. (^١)
وقد نصَّ على نجاسة الخنزير بدلالة الآية جمهور المفسرين. (^٢)
قال الطبري في بيان معنى الآية (وحُرّم عليكم لحم الخنزير أهليه وبريّه. فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج عموم، والمراد منهما الخصوص. وأما لحم الخنزير فإن ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره، حرام جميعه، لم يخصص منه شيء). (^٣)
وقال السمرقندي: (ذكر اللحم خاصة والمراد به اللحم والشحم وجميع أجزائه. وهذا شيء قد أجمع المسلمون على تحريمه، فقد ذكر الميتة وإنما انصرف إلى بعض منها، وأحل البعض منها، وهو السمك والجراد، وذكر الدم وإنما المراد به بعض الدم؛ لأنه لم يدخل فيه الكبد والطحال، وذكر لحم الخنزير فانصرف النهي إلى اللحم وغيره). (^٤)
_________________
(١) قال الشيرازي في المهذب: (وأما الخنزير فنجس لأنه أسوأ حالا من الكلب، لأنه مندوب إلى قتله من غير ضرر فيه، ومنصوص على تحريمه، فإذا كان الكلب نجسا فالخنزير أولى، وأما ما توّلد منهما أو من أحدهما فنجس لأنه مخلوق من نجس فكان مثله). المهذب ٢/ ١٤٠.
(٢) ينظر: جامع البيان ٩/ ٤٩٣، وأحكام القرآن للجصاص ١/ ١٣، وتفسير القرآن للسمرقندي ١/ ١١٤، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ١/ ٤٠، ومعالم التنزيل ١/ ٢٠١، وأحكام القرآن لابن العربي ١/ ٨٠، والتفسير الكبير ٥/ ٢٠٠، والجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٢٢، والدر المصون للسمين الحلبي ٥/ ٢٠٠ وتفسير القرآن العظيم ٣/ ١٦، والإكليل ١/ ١٢٣، وإرشاد العقل السليم ١/ ١٩١، وروح المعاني ١/ ٤٣٩، والتحرير والتنوير ٨/ ١٣٨.
(٣) جامع البيان ٩/ ٤٩٣.
(٤) تفسير القرآن للسمرقندي ١/ ١١٤.
[ ٣٨٤ ]
والحاصل أن الخلاف في عود الضمير لفظي، والآية دالة على نجاسة لحم الخنزير وتحريمه على كلا الاحتمالين، لكننَّا لا نجزم بقطعية دلالتها على نجاسة عين الخنزير. (^١) والله تعالى أعلم.
_________________
(١) قال النووي: (نقل ابن المنذر إجماع العلماء على نجاسة الخنزير وهو أولى ما يُحتج به لو ثبت الإجماع، ولكن مذهب مالك طهارة الخنزير مادام حيًا، وأما ما احتج به المصنف – يعني الشيرازي -فكذا احتج به غيره ولا دلالة فيه، وليس لنا - أي الشافعية - دليل واضح على نجاسة الخنزير في حياته). المجموع (٢/ ٥٦٨).
[ ٣٨٥ ]