يظهر للناظر في تفسير الخطيب - ﵀ - واستنباطاته، أنه أشعري العقيدة، لكنه أقرّ منهج السلف في رده على الفرق الضالة، حيث تصدّى لتفنيد آراء المعتزلة (^١)، والقدرية (^٢)، والجبرية (^٣)، وغيرهم من الفِرق عند تفسيره لبعض الآيات. (^٤) مُثبتًا لمنهج أهل السنة والجماعة في مواضع النزاع بينهم، ولا يستفيض كغيره من المفسرين في المباحث العقلية، وإنما يكتفي بعرض آراء الفرق، وبيان أن الآية لا تصلح دليلًا لهم مستدلًا بما ظهر من الآية. (^٥)
_________________
(١) هي فرقة كبيرة تأسست على يد واصل بن عطاء ت. ١٣١ هـ، أحد تلامذة الحسن البصري، وقد سميت بذلك لاعتزال واصل بن عطاء مجلس الامام الحسن البصري حينما دب خلاف بينهما حول المصير الأخروي للمسلم، وقد ازدهرت في العصر العباسي، اشتهرت بأصولها الخمسة وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أصولهم أن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وأن صاحب الكبيرة مخلد في النار، ونفي الرؤية، وغير ذلك من البدع والضلالات. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (١/ ١١٢)، والملل والنحل للشهرستاني ص ٣٨
(٢) هي فرقة تنفي قضاء الله وقدره في معاصي العباد، وتضيف خلقها إلى فاعلها، ويزعمون أن الله تعالى غير خالق لأكساب الناس ولا لشيء من أعمال الحيوانات، بل الناس هم الذين يقدرون على أكسابهم، وليس لله فيها صنع ولا تقدير. ينظر: الفرق بين الفرق (١/ ١١٤) ما بعدها، والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان لأبي الفضل عباس بن منصور التريني السكسكي ص ٥٠.
(٣) هي طائفة قد غلت في إثبات القدر حتى أنكروا أن يكون للعبد فعل حقيقة، بل هو في زعمهم لا حرية له، ولا اختيار، ويكفي في رد باطلهم هذا أن ما زعموه فيه اتهام باطل بظلم الله ﷿ للعباد بتكليفهم مالا قدرة لهم عليه، ومجازاتهم على ما ليس من فعلهم، تعالى الله عن ذلك. ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ١١٨ و٣٩٣)،وبدائع الفوائد لابن القيم (٤/ ١٦١٥)،والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٥)، وشرح العقيدة الواسطية للهراس ص ١٨٧
(٤) ينظر على سبيل المثال رده على المعتزلة في: السراج المنير (١/ ٤٨٤)، (١/ ٥٨٦)، (١/ ٦١٠) والقدرية: (٣/ ٣٨٤)، (٣/ ٥١٥)، والجبرية: (٢/ ٢٦)، (٣/ ٣٨٤)
(٥) ينظر: منهج الخطيب في تفسيره لوفاء سعداوي ص ٢٥٣.
[ ٤٥ ]
وقد نهج الخطيب منهج الأشاعرة (^١) في تأويله لآيات الصفات، فأثبت - كما أثبت الأشاعرة- سبع صفات فقط وهي: الحياة والقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام (^٢)، والسمع، والبصر. (^٣)
وأوَّل صفة الوجه (^٤)، والعين (^٥)، واليد (^٦)، والعلو (^٧). وغيرها من صفات الذات.
_________________
(١) الأشاعرة أو الأشعرية هي فرقة تنتسب لأبي الحسن الأشعري قبل رجوعه عن مذهبه، مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، ولهم معتقدات عقدية باطلة، من أشهر أصولهم: تأويل صفات الله تعالى، والاستدلال على وجود الله بأن الكون حادث، وكل حادث فلابد له من محدِث قديم مخالف للحوادث، والتوحيد عندهم هو نفي التثنية ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة، والإيمان هو التصديق القلبي، وجاءوا بنظرية الكسب في باب القدر وهي في مآلها جبرية خالصة؛ لأنها تنفي أي قدرة للعبد أو تأثير، وأنكروا تأثير الأسباب في مسبباتها، ونفوا تعليل أفعال الله، وأنكروا أن يكون للعقل والفطرة أي دور في الحكم على الأشياء بالحسن والقبح، وأن مرد ذلك إلى الشرع وحده، إلى آخر أباطيلهم. ينظر: الملل والنحل (١/ ٩٤)، ومنهج الأشاعرة في العقيدة للدكتور سفر الحوالي (١/ ٧٧ - ٩٢).
(٢) أثبت الخطيب هذه الصفة لكن على منهج الأشاعرة، فالكلام الذي يثبتونه لله تعالى هو معنى أزلي أبدى قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت ولا يوصف بالخبر ولا الإنشاء، وتبع الرازي هنا في طعناته على مذهب السلف كما يظهر جليًا في هذه الصفة. فعند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال: "وذهب بعض الحنابلة والحشوية إلى أنّ كلام الله تعالى حروف وأصوات متقطعة وأنه قديم، قال الإمام الرازي: وهذا القول أخس من أن يلتفت إليه العقل، والذي عليه أكثر أهل السنة والجماعة - يعني الأشاعرة- أنّ كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات، وأنّ موسى سمع تلك الصفة الحقيقية الأزلية، قالوا: كما أنه لا يبعد رؤية ذاته مع أنّ ذاته ليست جسمًا ولا عرضًا، كذلك لا يبعد سماع كلامه مع أنّ كلامه لا يكون حرفًا ولا صوتًا." السراج المنير (١/ ٥١٢)، وينظر: المفسرون بين التأويل والإثبات للمغراوي ص ١٢٢٢.
(٣) ينظر على سبيل المثال: إثباته لصفة العلم في السراج المنير (١/ ١١٤).
(٤) قال عند قوله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]: " ثم علل وحدانيته بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: ذاته؛ فإنّ الوجه يعبر به عن الذات، قال أبو العالية: إلا ما أريد به وجهه، وقيل: إلا ملكه". السراج المنير (٣/ ١٢٣).
(٥) قال عند قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] أي: السفينة ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: محفوظة من أنْ تدخل بحر الظلمات، أو يأتي عليها غير ذلك من الآفات بحفظنا على مالنا من العظمة حفظ من ينظر الشيء بأعين كثيرة ولا يغيب عنه أصلًا.) السراج المنير (٤/ ١٤٦)، وعند قوله تعالى ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، قال: " أي: بمرأى منا نراك ونحفظك". السراج المنير (٤/ ١٢٠).
(٦) قال عند تفسير قوله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]: «(الذي بيده) أي: بقدرته وتصرفه لا بقدرة غيره.» السراج المنير (٤/ ٣٣٦).
(٧) قال عند تفسير قوله تعالى ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]: "وهو العليّ أي: الرفيع فوق خلقه، المتعالي عن الأشباه والأنداد." السراج المنير (١/ ١٦٩).
[ ٤٦ ]
كما أوَّل الخطيب كذلك الصفات الفعلية التي ينكرها الأشاعرة جملة وتفصيلًا، مثل الإتيان (^١)، والمجيء (^٢)، والغضب (^٣)، والمحبة (^٤)، والرضى (^٥)، وغيرها من الصفات. (^٦)
_________________
(١) قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] " أي: أمره أو بأسه، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل، ٣٣] أي: عذابه وقوله تعالى: ﴿جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأنعام، ٤٣]، أو يأتيهم الله ببأسه، فحذف المأتيّ به للدلالة عليه، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾." السراج المنير (١/ ١٣٦)
(٢) قال عند تفسير قوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]: " قال الحسن: أمره وقضاؤه." واقتصر عليه، ينظر: السراج المنير (٤/ ٥٣٥).
(٣) قال عند تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾ [الأعراف: ١٥٢]: " ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾ أي: عقوبة. " السراج المنير (١/ ٥١٩).
(٤) قال عند تفسير قوله تعالى ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]: «أي: اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله، فحب المؤمنين لله اتباعهم أمره، وإيثار طاعته، وابتغاء مرضاته، وحب الله للمؤمنين ثناؤه عليهم، وثوابه لهم، وعفوه عنهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾». السراج المنير (١/ ٢٠٩).
(٥) قال عند تفسير قوله تعالى ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]: " ﴿﵃﴾ بطاعته، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بثوابه." السراج المنير (١/ ٤٠٨).
(٦) كما في صفة الحياء، والمكر، والاستهزاء، والكرسي (موضع القدمين)، والفوقية، والمعية، وغيرها. ينظر المفسرون بين التأويل والإثبات للمغراوي ص ١٢١٧ - ١٢٣٣. وموقف ابن تيمية من الأشاعرة للشيخ عبدالرحمن المحمود (٣/ ١٠٤٩ ومابعدها) وينظر للاستزادة:: السراج المنير (١/ ٢٦)، (١/ ٢١٩)، (٤/ ٣٧٣).
[ ٤٧ ]
وأثبت الخطيب - ﵀ - صفة الاستواء على ضعف في ذلك (^١)، كما أثبت الرؤية (^٢)، لكنه كسائر الأشاعرة يثبتون رؤية الله ﷿، ويقولون: (نظرٌ لا إلى جهة)، ويرون الجهة مستحيلة في حق الله، فإثباتهم لها مختلف عن إثبات أهل السنة والجماعة؛
_________________
(١) قال عند قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] (أي: استوى أمره، وقال أهل السنة: الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب الإيمان به، ونكل فيه العلم إلى الله تعالى. والمعنى أنّ له ﷾ استواء على العرش على الوجه الذي عناه، منزه عن الاستقرار والتمكن، وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه، ٥]، فأطرق رأسه مليًا وعلاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالًا ثم أمر به فأخرج. وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة أمرّوها كما جاءت، اقرؤها بلا كيف، وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية، والعرش في اللغة السرير، .. وشذ قوم فقالوا: العرش بمعنى الملك، وهذا عدول عن الحقيقة إلى التجوّز مع مخالفة الأثر، ألم يسمعوا قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود، ٧] أتراه كان الملك على الماء؟ .. وبعضهم يقول: استوى بمعنى استولى ويحتج بقول الشاعر: *قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق* وقال آخر: *هما استويا بفضلهما جميعًا على عرش الملوك بغير زور* وهذا منكر عند أهل اللغة، قال ابن الأعرابيّ: لا يعرف استولى فلان على كذا إلا إذا كان بعيدًا منه غير متمكن منه، ثم تمكن منه، والله تعالى لم يزل مستوليًا على الأشياء، والبيتان قال ابن فارس اللغوي: لا يعرف قائلهما، ولو صحا لا حجة فيهما، لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليًا، نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة). السراج المنير (١/ ٤٨٠).
(٢) ينظر كلامه عند قوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]: السراج المنير (٤/ ٣٧٣)، وقوله تعالى ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]: (١/ ٥٨٦)، وقوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]: (٤/ ٥٧٠).
[ ٤٨ ]
إذ يجعلونها رؤية بقوى يحدثها الله تعالى في الأجسام يوم القيامة لا إلى جهة. أما أهل السنَّة فيجعلون الرؤية بالعينين إلى جهة العلو حيث اللهُ جلّ وعلا. (^١)
وفي الجملة فقد سار الخطيب على نهج الأشاعرة، وبنى تفسيره وتبعتها استنباطاته على أصولهم، وسأعرض فيما يأتي أمثلة لموافقته بعض أصولهم مجملة، إشارة لها وتنبيهًا عليها، وإلا فالكلام عليها وردّها سيأتي مفصلًا مبسوطًا بمشيئة الله في قسم الدراسة.
فأقول وبالله التوفيق: