الدرس ١٧
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [سورة البقرة].
هذه الآيةُ -آية الدَّيْنِ- أطولُ آية في كتاب الله، وقد استنبط الشيخ ابن سعدي -﵀- منها ومن الآية التي تليها ٣٧ فائدة.
قال -﵀-: احتوت هذه الآيات على إرشاد الباري عبادَه في معاملاتهم إلى حفظ حقوقهم بالطرق النافعة والإصلاحات التي لا يقترح على العقلاء أعلى ولا أكمل منها؛ فإن فيها فوائدَ كثيرةً منها:
١ - جواز المعاملات في الدُّيون؛ سواءً كانت ديون سَلَم أو شراء مُؤَجَّلًا ثمنه، فكله جائز؛ لأن الله أخبر به عن المؤمنين، وما أخبر به عن المؤمنين فإنه من مقتضيات الإيمان، وقد أقَرَّهم عليه الملكُ الدَّيَّان.
٢ - وجوب تسمية الأجل في جميع المُدَايَنات وحلول الإجارات.
٣ - إذا كان الأجل مجهولًا فإنه لا يَحِل؛ لأنه غَرَر وخَطر، فيَدخل في المَيْسِر.
٤ - أمره تعالى بكتابه الديون، وهذا الأمر قد يجب إذا وجب حفظ الحق؛ كالذي للعبد عليه ولاية، وكأموال اليتامى والأوقاف والوكلاء والأمناء، وقد
[ ٣٧ ]
يقارب الوجوب كما إذا كان الحق متمحضًا للعبد؛ فقد يقوى الوجوب وقد يقوى الاستحباب بحسب الأحوال المقتضية لذلك، وعلى كل حال فالكتابة من أعظم ما تُحفظ به هذه المعاملات المؤجلة؛ لكثرة النسيان ولوقوع المغالطات وللاحتراز من الخونة الذين لا يَخشون الله تعالى.
٥ - أمره تعالى للكاتب أن يكتب بين المتعاملين بالعدل؛ فلا يميل مع أحدهما لقرابة ولا غيرها، ولا على أحدهما لعداوة ونحوها.
٦ - أن الكتابه بين المتعاملين من أفضل الأعمال ومن الإحسان إليهما، وفيها حفظ حقوقهما وبراءة ذِمَمهما، كما أمره الله بذلك، فليحتسب الكاتب بين الناس هذه الأمور ليَحظى بثوابها.
٧ - أن الكاتب لا بد أن يكون عارفًا بالعدل معروفًا بالعدل؛ لأنه إذا لم يكن عارفًا بالعدل لم يتمكن منه، وإذا لم يكن معتبرًا عدلًا عند الناس رضيًّا لم تكن كتابته مُعتبرة ولا حاصلًا بها المقصود الذي هو حفظ الحقوق.
٨ - أن من تمام الكتابة والعدل فيها: أن يحسن الكاتب الإنشاء والألفاظ المعتبرة في كل معاملة بِحَسَبها، وللعرف في هذا المقام اعتبار عظيم.
٩ - أن الكتابة من نعم الله على العباد التي لا تستقيم أمورهم الدينية ولا الدنيوية إلا بها، وأن من عَلَّمَه الله الكتابة فقد تَفَضَّل عليه بفضل عظيم.
فمن تمام شكره لنعمة الله تعالى: أن يقضي بكتابته حاجات العباد ولا يمتنع من الكتابة، ولهذا قال: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾.
[ ٣٨ ]
١٠ - أن الذي يكتبه الكاتب هو اعتراف مَنْ عليه الحق إذا كان يُحسن التعبير عن الحق الذي عليه، فإن كان لا يحسن ذلك لصغره أو سفهه أو جنونه أو خَرَسه أو عدم استطاعته أملى عنه وليُّه، وقام وليه في ذلك مقامه.
١١ - أن الاعتراف من أعظم الطرق التي تَثبت بها الحقوق حيث أمر الله تعالى أن يكتب الكاتب ما أملى عليه مَنْ عليه الحق.
١٢ - ثبوت الولاية على القاصرين مِنْ الصِّغار والمجانين والسفهاء ونحوهم.
١٣ - أن الولي يقوم مقام مُوليه في جميع اعترافاته المتعلقة بحقوقه.
١٤ - أن من أَمنته في معاملة وفَوَّضته فيها، فقوله في ذلك مقبول، وهو نائب منابك؛ لأنه إذا كان الولي على القاصرين يَنوب منابهم، فالذي ولَّيتَه باختيارك وفَوَّضت إليه الأمر أولى بالقبول واعتبار قوله وتقديمه على قولك عند الاختلاف.
١٥ - أنه يجب على الذي عليه الحق إذا أملى على الكاتب أن يتقي الله ولا يَبخس الحق الذي عليه؛ فلا يُنقصه في قدره ولا في وصفه ولا في شرط من شروطه أو قيد من قيوده، بل عليه أن يعترف بكل ما عليه من متعلقات الحق، كما يجب ذلك إذا كان الحق على غيره له، فمن لم يفعل ذلك فهو من المُطَفِّفين الباخسين.
١٦ - وجوب الاعتراف بالحقوق الجلية والحقوق الخفية، وأن ذلك من أعظم خصال التقوى، كما أن ترك الاعتراف بها من نواقض التقوى ونواقصها.
[ ٣٩ ]
١٧ - الإرشاد إلى الإشهاد في البيع، فإن كانت في المداينات فحكمها حكم الكتابة كما تقدم؛ لأن الكتابة هي كتابة الشهادة، وإن كان البيع بيعًا حاضرًا فينبغي الإشهاد فيه، ولا حرج فيه بترك الكتابة لكثرته وحصول المشقة فيه.
١٨ - الإرشاد إلى شهادة رجلين عدلين، فإن لم يمكن أو تَعَذَّر أو تَعَسَّر فرجل وامرأتان، وذلك شامل لجميع المعاملات؛ بيوع الإدارة وبيوع الديون وتوابعها من الشروط والوثائق وغيرها.
١٩ - أن شهادة المرأتين قائمة مقام الرجل الواحد في الحقوق الدنيوية، وأما في الأمور الدينية؛ كالرواية والفتوى، فإن المرأة فيه تقوم مقام الرجل، والفرق ظاهر بين البابين.
٢٠ - الإرشاد إلى الحكمة في كون شهادة المرأتين عن شهادة الرجل، وأنه لضعف ذاكرة المرأة غالبًا وقوة حافظة الرجل.
٢١ - أن الشاهد لو نسي شهادته فَذَكَّرَه الشاهد الآخر فَذَكَرَ؛ أنه لا يضر ذلك النسيان إذا زال بالتذكير؛ لقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، ومن باب أولى إذا نسي الشاهد ثم ذكر من دون تذكير، فإن الشهادة مدارها على العلم واليقين.
٢٢ - أن الشهادة لا بد أن تكون عن علم ويقين لا عن شك، فمتى صار عند الشاهد ريب في شهادته ولو غلب على ظنه لم يَحل له أن يشهد إلا بما يعلم.
[ ٤٠ ]
٢٣ - أن الشاهد ليس له أن يمتنع إذا دعي للشهادة؛ سواء دعي للتحمل أو للأداء، وأن القيام بالشهادة من أفضل الأعمال الصالحة، كما أمر الله بها وأخبر عن نفعها ومصالحها.
٢٤ - أنه لا يحل الإضرار بالكاتب ولا بالشهيد؛ بأن يُدعَيا في وقت أو حالة تضرهما، وكما أنه نهيٌ لأهل الحقوق والمتعاملين أن يُضاروا الشهود والكُتَّاب فإنه -أيضًا- نهيٌ للكاتب والشهيد أن يُضار المتعاملين أو أحدهما، وفي هذا -أيضًا- أن الشاهد والكاتب إذا حصل عليهما ضرر في الكتابة والشهادة أنه يسقط عنهما الوجوب.
٢٥ - وفيها التنبيه على أن جميع المحسنين الفاعلين للمعروف لا يَحل إضرارهم وتحميلهم ما لا يُطيقون؛ فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وكذلك على من أحسن وفعل معروفًا أن يتمم إحسانه بترك الإضرار القولي والفعلي بمن أوقع به المعروف، فإن الإحسان لا يتم إلا بذلك.
٢٦ - أنه لا يجوز أخذُ الأجرة على الكتابة والشهادة حيث وجبت؛ لأنه حق أوجبه الله على الكاتب والشهيد، ولأنه من مضارة المتعاملين.
٢٧ - التنبيه على المصالح والفوائد المترتبة على العمل بهذه الإرشادات الجليلة، وأن فيها حفظ الحقوق والعدل وقطع التنازع والسلامة من النسيان والذهول، ولهذا قال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾، وهذه مصالح ضرورية للعباد.
[ ٤١ ]
٢٨ - أن تَعَلُّم الكتابة من الأمور الدينية؛ لأنها وسيلة إلى حفظ الدين والدنيا وسبب للإحسان.
٢٩ - أن مَنْ خصه الله بنعمة من النعم يحتاج الناس إليها، فمن تمام شكر هذه النعمة أن يعود بها على عباد الله وأن يقضي بهاحاجاتهم؛ لتعليل الله النهي عن الامتناع عن الكتابة بتذكير الكاتب بقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، ومع هذا فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته.
٣٠ - أن الإضرار بالشهود والكتاب فسوق بالإنسان، فإن الفسوق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، وهو يزيد وينقص ويتبعض، ولهذا لم يقل: فأنتم فُسَّاق أو فاسقون، بل قال: ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾، فبقدر خروج العبد عن طاعة ربه فإنه يحصل به من الفسوق بحسب ذلك.
واستدل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾: أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، أي: علمًا تفرقون به بين الحقائق والحق والباطل.
٣١ - أنه كما أنه من العلم النافع تعليم الأمور الدينية المتعلقة بالعبادات؛ فمنه -أيضًا- تعليم الأمور الدنيوية المتعلقة بالمعاملات، فإن الله تعالى حفظ على العباد أمور دينهم ودنياهم، وكتابه العظيم فيه تِبيان كل شيء.
٣٢ - مشروعية الوثيقة بالحقوق، وهي الرهون والضمانات التي تكفل للعبد حصول حقه؛ سواء عَامَل برًّا أو فاجرًا، أمينًا أو خائنًا؛ فكم في الوثائق من حفظ حقوق وانقطاع منازعات.
[ ٤٢ ]
٣٣ - أن تمام الوثيقة في الرهن أن يكون مقبوضًا، ولا يدل ذلك على أنه لا يصح الرهن إلا بالقبض، بل التقييد بكون الرهن مقبوضًا يدل على أنه قد يكون مقبوضًا تحصل به الثقة التامة، وقد لا يكون مقبوضًا؛ فيكون ناقصًا.
٣٤ - أنه يستدل بقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدَّيْن الذي به الرهن: أن القول قول المرتهن صاحب الحق؛ لأن الله جعل الرهن وثيقة به، فلولا أنه يُقبل قولُه في ذلك لم تحصل به الوثيقة؛ لعدم الكتابة والشهود.
٣٥ - أنه يجوز التعامل بغير وثيقة ولا شهود؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، ولكن في هذه الحال يحتاج إلى التقوى والخوف من الله، وإلا فصاحب الحق مخاطر في حقه، ولهذا أمر الله في هذه الحال مَنْ عليه الحق أن يتقي الله ويؤدي أمانته.
٣٦ - أن مَنْ ائتمنه معاملة فقد عمل معه معروفًا عظيمًا ورضي بدينه وأمانته؛ فيتأكد على مَنْ له عليه الحق أداء الأمانة من الجهتين:
أ- أداء لحق الله وامتثالًا لأمره.
ب- ووفاءً بحق صاحبه الذي رضي بأمانته ووثق به.
٣٧ - تحريم كتم الشهادة، وأن كاتمها قد أَثِم قلبه الذي هو ملك الأعضاء، وذلك لأن كتمها -كالشهادة بالباطل والزُّور- فيها ضياع الحقوق وفساد المعاملات والإثم المتكرر في حقه وحق من عليه الحق.
[ ٤٣ ]
وأما تقييد الرهن بالسفر مع أنه يجوز حضرًا وسفرًا، فللحاجة إليه؛ لعدم الكاتب والشهيد.
وختم الآية بأنه عليمٌ بكل ما يعمله العباد؛ كالترغيب لهم في المعاملات الحسنة، والترهيب من المعاملات السيئة. [١/ ٢٠٠ - ٢٠٥].
• • •
[ ٤٤ ]