الدرس ٢٦
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئا وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [سورة النساء].
قال -﵀-:
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾، أي: كامل العلم كامل الحكمة لا يَخفى عليه مثقالُ ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر في أيِّ وقت كان وأيِّ محل كان، ولا يَخرج عن حكمته من المخلوقات والشرائع شيءٌ، بل كل ما خَلَقَه وشَرَعَه فهو متضمن لغاية الحكمة.
١ - ومن علمه وحكمته: أن أوجب على القاتل كفارة مناسبة لما صدر منه، فإنه تسَبَّب لإعدام نفس محترمة وأخرجها من الوجود إلى العدم؛ فناسب أن يعتق رقبة ويخرجها من رقِّ العبودية للخلق إلى الحرية التامة.
٢ - فإن لم يجد هذه الرقبة صام شهرين متتابعين، فأخرج نفسه من رق الشهوات واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته الأبدية إلى التعبد لله تعالى بتركها تقربًا إلى الله، ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها ووجوب التتابع فيها، ولم يشرع الإطعام في هذه المواضع لعدم المناسبة، بخلاف الظهار.
[ ٥٨ ]
٣ - ومن حكمته: أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ؛ لتكون رادعةً وكافةً عن كثير من القتل باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك.
٤ - ومن حكمته: أن أُوجبت على العاقلة في قتل الخطأ بإجماع العلماء؛ لكون القاتل لم يُذنب فيَشق عليه أن يَحمل هذه الدية الباهظة، فناسب أن يقوم بذلك مَنْ بينه وبينهم المعاونة والمناصرة والمساعدة على تحصيل المصالح وكف المفاسد، ولعل ذلك من أسباب منعهم لمن يعقلون عنه من القتل حذار تحميلهم، ويَخف عليهم بسبب توزيعه عليهم بقدر أحوالهم وطاقتهم، وخُفِّفت -أيضًا- بتأجيلها عليهم ثلاث سنين.
٥ - ومن حكمته وعلمه: أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل. [١/ ٣٣٧].
• • •
[ ٥٩ ]