الدرس ٢٧
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [سورة النساء].
قال -﵀-:
وفي الآية دليل على:
١ - أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من أكبر الكبائر.
٢ - أن كل من تُوُفِّي فقد استكمل واستوفى ما قُدِّر له من الرزق والأجل والعمل، وذلك مأخوذ من لفظ «التوفي»، فإنه يدل على ذلك؛ لأنه لو بقي عليه شيء من ذلك لم يكن متوفيًا.
٣ - الإيمان بالملائكة ومدحهم؛ لأن الله ساق ذلك الخطاب لهم على وجه التقرير والاستحسان منهم وموافقته لمحله، ثم استثنى المستضعفين على الحقيقة الذين لا قدرة لهم على الهجرة بوجه من الوجوه، فقال: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾، فهؤلاء قال الله فيهم: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ و﴿عَسَى﴾ ونحوها واجبٌ وقوعها من الله تعالى بمقتضى كرمه وإحسانه.
[ ٦٠ ]
٤ - وفي الترجية بالثواب لمن عمل بعض الأعمال فائدة: وهو أنه قد لا يوفيه حق توفيته ولا يعمله على الوجه اللائق الذي ينبغي، بل يكون مقصرًا فلا يستحق ذلك الثواب، والله أعلم.
٥ - وفي الآية الكريمة دليل على أنَّ من عجز عن المأمور من واجب وغيره، فإنه معذور، كما قال تعالى في العاجزين عن الجهاد: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، وقال في عموم الأوامر: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال النبي -ﷺ-: «إذا أمرتُكم بأمر فَأْتُوا منه ما استطعتم»، ولكن لا يُعذر الإنسان إلا إذا بذل جهده وانسدت عليه أبواب الحيل؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾.
٦ - وفي الآية تنبيهٌ على أن الدليل في الحج والعمرة ونحوهما -مما يحتاج إلى سَفَر- من شروط الاستطاعة. [١/ ٣٢٤ - ٣٤٣].
[ ٦١ ]