الدرس ٣٠
قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [سورة المائدة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾، أي: وأُحل لكم ما علمتم من الجوارح إلى آخر الآية.
دلت هذه الآية على أمور:
١ - لطف الله بعباده ورحمته لهم؛ حيث وَسَّعَ عليهم طرق الحلال، وأباح لهم ما لم يُذَكُّوه مما صادته الجوارح، والمراد بالجوارح: الكلاب والفُهود والصَّقر ونحو ذلك مما يَصيد بنابه أو بمخلبه.
٢ - أنه يشترط أن تكون مُعَلَّمَة بما يُعد في العرف تعليمًا؛ بأن يسترسل إذا أُرسل وينزجر إذا زُجر، وإذا أمسك لم يأكل، ولهذا قال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، أي: أمسكن من الصيد لأجلكم.
وما أكل منه الجارح؛ فإنه لا يُعلم أنه أمسكه على صاحبه، ولعله أن يكون أمسكه على نفسه.
٣ - اشتراط أن يجرحه الكلب أو الطير ونحوهما؛ لقوله: ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾، مع ما تقدم من تحريم المنخنقة، فلو خنقه الكلب أو غيره أو قتله
[ ٦٦ ]
بثقله لم يُبح هذا؛ بناء على أن الجوارح اللاتي يجرحن الصيد بأنيابها أو مخالبها، والمشهور أن الجوارح بمعنى الكواسب؛ أي: المحصلات للصيد والمدركات له، فلا يكون فيها على هذا دلالة، والله أعلم.
٤ - جواز اقتناء كلب الصيد، كما ورد في الحديث الصحيح، مع أن اقتناء الكلب محرم؛ لأن من لازم إباحة صيده وتعليمه جوازَ اقتنائه.
٥ - طهارة ما أصابه فم الكلب من الصيد؛ لأن الله أباحه ولم يذكر له غسلًا؛ فدل على طهارته.
٦ - فيه فضيلة العلم، وأن الجارح المُعَلَّم بسبب العلم يُباح صيده، والجاهل بالتعليم لا يباح صيده.
٧ - أن الاشتغال بتعليم الكلب أو الطير ونحوهما ليس مذمومًا، وليس من العبث والباطل، بل هو أمر مقصود؛ لأنه وسيلة لحِلِّ صيده والانتفاع به.
٨ - فيه حجة لمن أباح بيع كلب الصيد؛ قال: لأنه قد لا يحصل له إلا بذلك.
٩ - فيه اشتراط التسمية عند إرسال الجارح، وأنه إن لم يُسَمِّ الله متعمدًا لم يبح ما قتل الجارح.
١٠ - أنه يجوز أكل ما صاده الجارح؛ سواءً قتله الجارح أم لا، وأنه إن أدركه صاحبه وفيه حياة مستقرة فإنه لا يباح إلا بها. [١/ ٣٩٥ - ٣٩٦].
• • •
[ ٦٧ ]