الدرس ٣١
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [سورة المائدة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
هذه آية عظيمة قد اشتملت على أحكام كثيرة؛ نذكر منها ما يَسَّره الله وسَهَّله.
«ثم ذكر -﵀- ٥١ حكمًا».
١ - أن هذه المذكورات فيها: امتثالُها والعمل بها من لوازم الإيمان الذي لا يتم إلا به؛ لأنه صدَّرها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا …﴾ إلى آخرها، أي: يا أيها الذين آمنوا اعملوا بمقتضى إيمانكم بما شرعناه لكم.
٢ - الأمر بالقيام بالصلاة؛ لقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾.
٣ - الأمر بالنية للصلاة؛ لقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، أي: بقصدها ونيتها.
٤ - اشتراط الطهارة لصحة الصلاة؛ لأن الله أمر بها عند القيام إليها، والأصل في الأمر الوجوب.
٥ - أن الطهارة لا تجب بدخول الوقت، وإنما عند إرادة الصلاة.
[ ٦٨ ]
٦ - أن كل ما يُطلق عليه اسم الصلاة من الفرض والنفل وفرض الكفاية وصلاة الجنازة- تُشترط له الطهارة حتى السجود المجرد عند كثير من العلماء؛ كسجود التلاوة والشكر.
٧ - الأمر بغسل الوجه، وهو ما تحصل به المواجهة من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما انحدر من اللحية والذقن طولًا، ومن الأُذن إلى الأُذن عرضًا، ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق بالسُّنَّة، ويدخل فيه الشعور التي فيه؛ لكن إن كانت خفيفة فلا بد من إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة اكتفي بظاهرها.
٨ - الأمر بغسل اليدين، وأن حَدَّهُما إلى المرفقين، و﴿إِلَى﴾ كما قال جمهور المفسرين بمعنى: (مع)؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، ولأن الواجب لا يتمُّ إلا بغسل جميع المرفق.
٩ - الأمر بمسح الرأس.
١٠ - أنه يجب مسح جميعه؛ لأن الباء ليست للتبعيض، وإنما هي للملاصقة، وأنه يعمُّ المسح بجميع الرأس.
١١ - أنه يكفي المسح كيفما كان؛ بيديه أو أحدهما أو خرقة أو خشبة أو نحوهما؛ لأن الله أطلق المسح ولم يقيده بصفة، فدل ذلك على إطلاقه.
١٢ - أن الواجب المسح فلو غسل رأسه ولم يُمر يده لم يكف؛ لأنه لم يأت بما أمر الله به.
[ ٦٩ ]
١٣ - الأمر بغسل الرِّجْلَيْن إلى الكعبين، ويقال فيهما ما يقال في اليدين.
١٤ - فيها الرد على الرافضة على قراءة الجمهور بالنصب: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، وأنه لا يجوز مسحهما ما دامتا مكشوفتين.
١٥ - فيه الإشارة إلى مسح الخفين على قراءة الجر في: (وأرجلِكم)، وتكون كل من القراءتين محمولة على معنى؛ فعلى قراءة (النصب) فيها غسلهما إن كانتا مكشوفتين، وعلى قراءة (الجر) فيها مسحهما إذا كانتا مستورتين بالخف.
١٦ - الأمر بالترتيب في الوضوء؛ لأن الله تعالى ذكرها مرتبة، ولأنه أدخل ممسوحًا -وهو الرأس- بين مغسولين، ولا يُعلم لذلك فائدة غير الترتيب.
١٧ - أن الترتيب مخصوص بالأعضاء الأربعة المسميات في هذه الآية، وأما الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والوجه، أو بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين فإن ذلك غير واجب، بل يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين والرجلين، وتقديم مسح الرأس على مسح الأذنين.
١٨ - الأمر بتجديد الوضوء عند كل صلاة؛ لتوجد صورة المأمور به.
١٩ - الأمر بالغسل من الجنابة.
٢٠ - أنه يجب تعميم الغسل للبدن؛ لأن الله أضاف التطهر للبدن ولم يخصصه بشيء دون شيء.
٢١ - الأمر بغسل ظاهر الشعر وباطنه في الجنابة.
[ ٧٠ ]
٢٢ - أنه يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، ويكفي مَنْ هما عليه أن ينوي ثم يعمم بدنه؛ لأن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر أنه يعيد الوضوء.
٢٣ - أن الجنب يَصْدُق على من أنزل المني يقظةً أو منامًا أو جَامَعَ ولو لم يُنزل.
٢٤ - أن من ذَكر أنه احتلم ولم يجد بَلَلًا فإنه لا غسل عليه؛ لأنه لم تتحقق منه الجنابة.
٢٥ - ذكر مِنَّة الله تعالى على العباد بمشروعية التيمم.
٢٦ - أن من أسباب جواز التيمم وجود المرض الذي يضره غسله بالماء؛ فيجوز له التيمم.
٢٧ - أن من جملة أسباب جوازه: السفر والإتيان من البول والغائط إذا عدم الماء، فالمرض يُجَوِّزُ التيمم مع وجود الماء؛ لحصول التضرر به، وباقيها يُجَوِّزُه العدم للماء ولو كان في الحَضَر.
٢٨ - أن الخارج من السبيلين من بول وغائط ينقض الوضوء.
٢٩ - استدل بها من قال: لا ينقض الوضوء إلَّا هذان الأمران، فلا ينتقض بلمس الفرج ولا بغيره.
٣٠ - استحباب التكنية عما يُستقذر التلفظ به؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾.
[ ٧١ ]
٣١ - أن لمس المرأة بلذة وشهوة ناقض للوضوء.
٣٢ - اشتراط عدم الماء لصحة التيمم.
٣٣ - أنه مع وجود الماء -ولو في الصلاة- يبطل التيمم؛ لأن الله إنما أباحه مع عدم الماء.
٣٤ - أنه إذا دخل الوقت وليس معه ماء فإنه يلزمه طلبه في رَحله وفيما قرب منه؛ لأنه لا يقال: لم يجد، لمن لم يطلب.
٣٥ - أن من وجد ماء لا يكفي بعض طهارته فإنه يلزمه استعماله، ثم يتيمم بعد ذلك.
٣٦ - أن الماء المتغير بالطاهرات مقدم على التيمم؛ أي: يكون طهورًا؛ لأن الماء المتغير ماء فيدخل في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.
٣٧ - أنه لا بد من نية التيمم؛ لقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، أي: اقصدوا.
٣٨ - أنه يكفي التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب وغيره، فيكون على هذا قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾؛ إما من باب التغليب، وأن الغالب أن يكون له غبار يمسح منه ويعلق بالوجه واليدين، وإما أن يكون إرشادًا للأفضل؛ إذا أمكن التراب الذي فيه غبار منه فهو أولى.
٣٩ - أنه لا يصح التيمم بالتراب النجس؛ لأنه لا يكون طيبًا، بل خبيثًا.
٤٠ - أنه يُمسح في التيمم الوجه واليدان فقط دون بقية الأعضاء.
[ ٧٢ ]
٤١ - أن قوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ شامل لجميع الوجه وأنه يعمه بالمسح، إلا أنه معفو عن إدخال التراب في الفم والأنف، وفيما تحت الشعور ولو خفيفة.
٤٢ - أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط؛ لأن اليدين عند الإطلاق كذلك، فلو كان يُشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء.
٤٣ - أن الآية عامة في جواز التيمم لجميع الأحداث كلها؛ الحدث الأكبر والأصغر، بل ونجاسة البدن؛ لأن الله جعلها بدلًا عن طهارة الماء، وأطلق في الآية فلم يقيد، وقد يقال: إن نجاسة البدن لا تدخل في حكم التيمم؛ لأن السياق في الأحداث، وهو قول جمهور العلماء.
٤٤ - أن محل التيمم في الحدث الأصغر والأكبر واحد، وهو الوجه واليدان.
٤٥ - أنه لو نوى مَنْ عليه حدثان التيمم عنهما فإنه يجزئ؛ أخذًا من عموم الآية وإطلاقها.
٤٦ - أنه يكفي المسح بأي شيء كان بيده أو غيرها؛ لأن الله قال: ﴿فَامْسَحُوا﴾، ولم يذكر الممسوح به، فدل على جوازه بكل شيء.
٤٧ - اشتراط الترتيب في طهارة التيمم، كما يشترط ذلك في الوضوء، ولأن الله بدأ بمسح الوجه قبل مسح اليدين.
[ ٧٣ ]
٤٨ - أن الله تعالى فيما شرعه لنا من الأحكام لم يجعل علينا في ذلك من حرج ولا مشقة ولا عسر، وإنما هو رحمة منه بعباده؛ ليطهرهم وليتم نعمته عليهم.
٤٩ - أن طهارة الظاهر بالماء والتراب تكميل لطهارة الباطن بالتوحيد والتوبة النصوح.
٥٠ - أن طهارة التيمم وإن لم يكن فيها نظافة وطهاره تُدرك بالحس والمشاهدة- فإن فيها طهارة معنوية ناشئة عن امتثال أمر الله تعالى.
٥١ - أنه ينبغي للعبد أن يَتدبر الحِكم والأسرار في شرائع الله في الطهارة وغيرها؛ ليزداد معرفةً وعلمًا، ويزداد شكرًا لله ومحبةً له على ما شرع من الأحكام التي توصل العبد إلى المنازل العالية الرفيعة. [١/ ٣٩٨ - ٤٠٣].
• • •
[ ٧٤ ]