الدرس ٣٢
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [سورة المائدة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾، أي: بسببه عاقبناهم بعدة عقوبات.
١ - أنَّا ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾، أي: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا؛ حيث أغلقوا على أنفسهم أبواب الرحمة، ولم يقوموا بالعهد الذي أُخذ عليهم الذي هو سببها الأعظم.
٢ - قوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، أي: غليظة لا تُجدي فيها المواعظ ولا تنفعها الآيات والنذر؛ فلا يرغبهم تشويق ولا يزعجهم تخويف، وهذا من أعظم العقوبات على العبد؛ أن يكون قلبه بهذه الصفة التي لا يفيده معها الهدى والخير إلا شرًّا.
٣ - أنهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه؛ أي: ابتلوا بالتغيير والتبديل، فيجعلون للكلم الذي أراد الله معنى غير ما أراد الله ولا رسوله -ﷺ-.
٤ - أنهم ﴿نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ فإنهم ذُكروا بالتوراة وبما أنزل الله على موسى فنسوا حظًّا منه، وهذا شامل لنسيان علمه، وأنهم نسوه وضاع عنهم، ولم يوجد كثيرٌ مما أنساهم الله إياه عقوبة منه لهم وشامل لنسيان
[ ٧٥ ]
العمل الذي هو الترك، فلم يوفقوا للقيام بما أمروا به، ويستدل بهذا على أهل الكتاب بإنكارهم بعض الذي قد ذكر في كتابهم أو وقع في زمانهم أنه مما نسوه.
٥ - الخيانة المستمرة التي ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾، أي: خيانة لله ولعباده المؤمنين، ومن أعظم الخيانة منهم: كتمهم الحق عمَّن يعظهم ويُحسن فيهم الظن الحق وإبقاؤهم على كفرهم؛ فهذه خيانة عظيمة.
وهذه الخصال الذميمة حاصلة لكل من اتصف بصفاتهم؛ فكل من لم يقم بما أمر الله به وأُخذ به عليه الالتزام- كان له نصيب من اللعنة وقسوة القلب والابتلاء بتحريف الكلم، وأنه لا يوفق للصواب ونسيان حظ مما ذُكِّر به، وأنه لا بد أن يبتلى بالخيانة؛ نسأل الله العافية.
وسمى الله تعالى ما ذكروا به حظًّا؛ لأنه هو أعظم الحظوظ، وما عداه فإنما هي حظوظ دنيوية؛ كما قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾ [القصص: ٧٩]، وقال في الحظ النافع: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٥]. [١/ ٤٠٦ - ٤٠٧].
• • •
[ ٧٦ ]