الدرس ٣٣
قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾ [سورة المائدة].
قال -﵀-:
قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أي: طردوا وأبعدوا عن رحمة الله ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، أي: بشهادتهما وإقرارهما بأن الحجة قد قامت عليهم وعاندوها، ﴿ذَلِكَ﴾ الكفر واللعن ﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾، أي: بعصيانهم لله وظلمهم لعباد الله صار سببًا لكفرهم وبعدهم عن رحمة الله، فإن للذنوب والظلم عقوبات، ومن معاصيهم التي أَحَلَّت بهم المَثُلات وأوقعت بهم العقوبات: أنهم ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾، أي: كانوا يفعلون المنكر ولا ينهى بعضهم بعضًا؛ فيشترك بذلك المباشر وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك، وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم؛ فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر مع القدرة موجبًا للعقوبة؛ لما فيه من المفاسد العظيمة؛ منها:
١ - أن مجرد السكوت فعل معصية وإن لم يباشرها الساكت، فإنه كما يجب اجتناب المعصية فإنه يجب الإنكار على مَنْ فعل المعصية.
٢ - أنه يدل على التهاون بالمعاصي وقلة الاكتراث بها.
[ ٧٧ ]
٣ - أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يُردعوا عنها؛ فيزداد الشر وتعظم المصيبة الدينية والدنيويه، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر؛ حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أولًا.
٤ - أن في ترك الإنكار للمنكر يندرس العلم ويكثر الجهل، فإن المعصية مع تكرارها وصدورها من كثير من الأشخاص وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها يُظن أنها ليست بمعصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله حلالًا، وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقًّا؟!
٥ - أن بالسكوت على معصية العاصين ربما تزينت المعصية في صدور الناس واقتدى بعضهم ببعض؛ فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه.
فلما كان السكوت عن الإنكار بهذه المثابة نَصَّ الله تعالى أن بني إسرائيل -الكفار منهم- لعنهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾. [١/ ٤٣٩ - ٤٤٠].
• • •
[ ٧٨ ]