الدرس ٣٤
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [سورة المائدة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
يذم تعالى هذه الأشياء القبيحة، ويخبر أنها من عمل الشيطان، وأنها رجس ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، أي: اتركوه؛ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾، فإن الفلاح لا يتم إلا بترك ما حرم الله خصوصًا هذه الفواحش المذكورة، وهي:
الخمر: وهو كل ما خامر العقل؛ أي: غطاه بسكره.
والميسر: وهو جميع المغالبات التي فيها عِوَض من الجانبين؛ كالمراهنة ونحوها.
والأنصاب: وهي الأصنام والأنداد ونحوها مما يُنصب ويعُبد من دون الله، والأزلام التي يستقسمون بها.
فهذه الأربعة نهى الله عنها وزجر وأخبر عن مفاسدها الداعية إلى تركها واجتنابها؛ فمنها:
١ - أنها رجس، أي: نجس خبث معنى، وإن لم تكن نجسة حسًّا، والأمور الخبيثة مما ينبغي اجتنابها وعدم التدنس بأوضارها.
[ ٧٩ ]
٢ - أنها من عمل الشيطان الذي هو أعدى الأعداء للإنسان، ومن المعلوم أن العدو يُحذر منه وتحذر مصايده وأعماله؛ خصوصًا الأعمال التي يعملها ليوقع فيها عدوه، فإنها فيها هلاكه، فالحزم كل الحزم البعد عن عمل العدو المبين والحذر منها والخوف من الوقوع فيها.
٣ - أنه لا يمكن الفلاح للعبد إلا باجتنابها، فإن الفلاح هو الفوز بالمطلوب المحبوب والنجاة من المرهوب، وهذه الأمور مانعة من الفلاح ومُعوقة له.
٤ - أن هذه موجبة للعداوة والبغضاء بين الناس، والشيطان حريص على بَثِّها خصوصًا الخمر والميسر؛ ليوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء؛ فإن في الخمر من انقلاب العقل وذهاب حجاه ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين إخوانه المؤمنين خصوصًا إذا اقترن بذلك من السباب ما هو من لوازم شارب الخمر، فإنه ربما أوصل إلى القتل، وما في الميسر -من غلبة أحدهما للآخر وأخذ ماله الكثير في غير مقابلة- ما هو أكبر الأسباب للعداوة والبغضاء.
٥ - أن هذه الأشياء تصد القلب -ويتبعه البدن- عن ذكر الله وعن الصلاة اللَّذَيْن خُلِق لهما العبد، وبهما سعادته، فالخمر والميسر يصدان عن ذلك أعظم صد ويشتغل قلبه ويذهل لُبُّه في الاشتغال بهما، حتى يمضي عليه مدة طويلة ولا يدري أين هو؟! [١/ ٤٤٣ - ٤٤٤].
• • •
[ ٨٠ ]