الدرس ٣٥
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [سورة المائدة].
قال -﵀-:
وحاصل هذا: أن الميت إذا حضره الموت في سفر ونحوه مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين أنه ينبغي أن يوصي شاهدين مسلمين عدلين، فإن لم يجد إلا شاهدين كافرين جاز أن يوصي إليهما، ولكن لأجل كفرهما فإن الأولياء إذا ارتابوا بهما فإنهم يحلفونهما بعد الصلاة أنهما ما خانا ولا كذبا ولا غَيَّرا ولا بدَّلَا فيبرآن بذلك مِنْ حق يتوجه إليهما، فإن لم يصدقوهما ووجدوا قرينة تدل على كذب الشاهدين؛ فإن شاء أولياء الميت فليقم منهم اثنان فيقسمان بالله لشهادتهما أحق من شهادة الشاهدين الأولين وأنهما خانا وكذبا فيَستحقون منهما ما يدَّعون، وهذه الآيات الكريمة نزلت في قصة تميم الداري وعدي بن بداء المشهورة حين أوصى لهما العدويُّ، والله أعلم.
[ ٨١ ]
ويستدل بالآيات الكريمات على عدة أحكام منها:
١ - أن الوصية مشروعة، وأنه ينبغي لمن حضره الموت أن يوصي.
٢ - أنها معتبرة، ولو كان الإنسان وصل إلى مقدمات الموت وعلامته ما دام عقله ثابتًا.
٣ - أن شهادة الوصية لا بد فيها من اثنين عدلين.
٤ - أن شهادة الكافرين في هذه الوصية ونحوها مقبولة لوجود الضرورة، وهذا مذهب الإمام أحمد، وزعم كثير من أهل العلم أن هذا الحكم منسوخ، وهذه دعوى لا دليل عليها.
٥ - أنه ربما استُفيد من تلميح الحكم، ومعناه: أن شهادة الكفار -عند عدم غيرهم- حتى في غير هذه المسألة مقبولة، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
٦ - جواز سفر المسلم مع الكافر إذا لم يكن محذورٌ.
٧ - جواز السفر للتجارة.
٨ - أن الشاهدين إذا ارتيب منهما ولم تَبد قرينة تدل على خيانتهما وأراد الأولياء أن يؤكدوا عليهم اليمين يَحبسوهما من بعد الصلاة؛ فيقسمان بصفةِ ما ذكر الله تعالى.
٩ - أنه إذا لم تحصل تهمة ولا ريب لم يكن حاجة إلى حبسهما وتأكيد اليمين عليهما.
[ ٨٢ ]
١٠ - تعظيم أمر الشهادة؛ حيث أضافها تعالى إلى نفسه، وأنه يجب الاعتناء بها والقيام بها بالقسط.
١١ - أنه يجوز امتحان الشاهدين عند الريبة منهما وتفريقهما؛ لينظر عن شهادتهما.
١٢ - أنه إذا وجدت القرائن الدالة على كذب الوصيين في هذه المسألة- قام اثنان من أولياء الميت فأقسما بالله أن أيماننا أصدق من أيمانهما ولقد خانا وكذبا، ثم يدفع إليهما ما ادَّعَياه، وتكون القرينة مع أيمانهما قائمة مقام البينة. [١/ ٤٥٣ - ٤٥٤].
• • •
[ ٨٣ ]