الدرس ٥٢
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾ [سورة التوبة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
النسيء: هو ما كان أهل الجاهلية يستعملونه في الأشهر الحرم، وكان من جملة بدعهم الباطلة: أنهم لما رأوا احتياجهم للقتال في بعض أوقات الأشهر الحرم رأوا بآرائهم الفاسدة أن يحافظوا على عدة الأشهر الحرم التي حرم الله القتال فيها، وأن يؤخروا بعض الأشهر الحرم أو يقدموه ويجعلوا مكانه من أشهر الحِل ما أرادوا، فإذا جعلوه مكانه أحلوا القتال فيه، وجعلوا الشهر الحلال حرامًا؛ فهذا -كما أخبر الله عنهم- أنه زيادة في كفرهم وضلالهم لما فيه من المحاذير؛ منها:
١ - أنهم ابتدعوه مِنْ تلقاء أنفسهم وجعلوه بمنزلة شرع الله ودينه، والله ورسوله -ﷺ- بريئان منه.
٢ - أنهم قلبوا الدين، فجعلوا الحلال حرامًا والحرام حلالًا.
٣ - أنهم مَوَّهوا على الله بزعمهم وعلى عباده ولَبَّسوا عليهم دينهم، واستعملوا الخداع والحيلة في دين الله.
٤ - أن العوائد المخالفة للشرع مع الاستمرار عليها يزول قُبحها عن
[ ١٠٧ ]
النفوس، وربما ظُنَّ أنها عوائد حسنة، فحصل من الغلط والضلال ما حصل.
ولهذا قال: ﴿… يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾، أي: ليوافقوها في العدد؛ ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾.
أي: زَيَّنت لهم الشياطين الأعمال السيئة؛ فرأوها حسنة بسبب العقيدة المزينة في قلوبهم، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾، أي: الذي انصبغ الكفر والتكذيب في قلوبهم، فلو جاءتهم كل آية لم يؤمنوا. [٢/ ٦٥١ - ٦٥٢].
• • •
[ ١٠٨ ]