الدرس ٥٥
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [سورة التوبة].
قال -﵀-:
وهذا -أيضًا- من مخازي المنافقين، فكانوا -قَبَّحهم الله- لا يَدَعون شيئًا من أمور الإسلام والمسلمين يرون لهم مقالًا إلا قالوا وطعنوا بغيًا وعدوانًا، فلما حث الله ورسوله -ﷺ- على الصدقة بادر المسلمون إلى ذلك، وبذلوا من أموالهم؛ كلٌّ على حسب حاله، منهم المكثر ومنهم المقل؛ فيَلمزون المكثر منهم بأن قصده بنفقته الرياء والسمعة، وقالوا للمقل الفقير: إن الله غني عن صدقة هذا! فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾، أي: يعيبون ويطعنون ﴿الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ فيقولون: مُراءون قصدهم الفخر والرياء، ويلمزون الَّذين لا يَجِدون إلا جُهْدَهم فيخرجون ما استطاعوا، ويقولون: الله غني عن صدقاتهم؛ ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾. فقابلهم الله على صنيعهم بأن سخر منهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾؛ فإنهم جمعوا في كلامهم هذا بين عدة محاذيرمنها:
١ - تتبعهم لأحوال المؤمنين وحرصهم على أن يجدوا مقالًا يقولونه فيهم، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
[ ١١١ ]
٢ - طعنهم بالمؤمنين؛ لأجل إيمانهم كفرًا بالله تعالى وبُغضًا للدِّين.
٣ - أن اللَّمْزَ مُحرم، بل هو من كبائر الذنوب في أمور الدنيا، وأما اللمز في أمر الطاعة فأقبح وأقبح.
٤ - أن من أطاع الله وتطوع بخصلة من خصال الخير، فإن الذي ينبغي هو إعانته وتنشيطه على عمله، وهؤلاء قصدوا تثبيطهم بما قالوا فيهم وعابوهم عليه.
٥ - أن حكمهم على من أنفق مالًا كثيرًا بأنه مراء- غلطٌ فاحش وحكم على الغيب ورَجْمٌ بالظن، وأيُّ شر أكبر من هذا؟!
٦ - أن قولهم لصاحب الصدقة القليلة: «الله غني عن صدقة هذا» كلام مقصوده باطل؛ فإن الله غني عن صدقة المتصدقين بالقليل والكثير، بل وغني عن أهل السماوات والأرض، ولكنه تعالى أمر العباد بما هم مفتقرون إليه، فالله -وإن كان غنيًا- فهم فقراء إليه؛ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]، وفي هذا القول من التثبيط عن الخير ما هو ظاهر بَيِّن، ولهذا كان جزاؤهم أن يَسخر الله منهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾. [٢/ ٦٧١ - ٦٧٢].
• • •
[ ١١٢ ]