الدرس ٥٨
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾ [سورة التوبة].
قال رَحِمَه اللهُ تَعالى:
في هذه الآيات عدة فوائد منها:
١ - أن اتخاذ المسجد الذي يُقصد به الضرار لمسجد آخر بقُربه أنه محرم، وأنه يجب هدم مسجد الضرار الذي اطُّلِع على مقصود أصحابه.
٢ - أن العمل -وإن كان فاضلًا- تُغَيِّرُه النية؛ فينقلب منهيًّا عنه، كما قلبت نيةُ أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى.
٣ - أن كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها، كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها؛ لأن الله عَلَّل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد الموجب للنهي عنه، كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة لله ورسوله -ﷺ-.
[ ١١٦ ]
٤ - النهي عن الصلاة في أماكن المعصية والبعد عنها وعن قربها.
٥ - أن المعصية تؤثر في البقاع، كما أَثَّرت معصية المنافقين في مسجد الضِّرَار، ونُهي عن القيام فيه، وكذلك الطاعة تؤثر في الأماكن، كما أثَّرت في مسجد قباء؛ حتى قال الله فيه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾، ولهذا كان لمسجد قباء من الفضل ما ليس لغيره، حتى كان -ﷺ- يزور قباء كلَّ سَبْتٍ يُصلي فيه، وحَثَّ على الصلاة فيه.
٦ - يستفاد من هذه التعاليل المذكورة في الآية أربع قواعد مهمة، وهي:
أ- كل عمل فيه مضارة لمسلم.
ب- أو فيه معصية لله؛ فإن المعاصي من فروع الكفر.
جـ- أو فيه تفريق بين المؤمنين.
د- أو فيه معاونة لمن عادى الله ورسوله -ﷺ-؛ فإنه محرم ممنوع منه، وعكسه بعكسه.
٧ - أن الأعمال الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال مبعدة لفاعلها عن الله؛ بمنزلة الإصرار على المعصية، حتى يزيلها ويتوب منها توبة تامة، بحيث يتقطع قلبه من الندم والحسرات.
٨ - أنه إذا كان مسجد قباء مسجدًا أُسِّس على التقوى، فمسجد النبي -ﷺ- الذي أَسَّسه بيده المباركة وعمل فيه واختاره الله له مِنْ باب أولى وأحرى.
[ ١١٧ ]
٩ - أن العمل المبني على الإخلاص والمتابعة هو العمل المؤسس على التقوى الموصل لعامله إلى جنات النعيم، والعمل المبني على سوء القصد وعلى البدع والضلال هو العمل المؤسس على شَفَا جُرُف هارٍ فانهار به في نار جهنم، والله لايهدي القوم الظالمين. [٢/ ٦٨٦ - ٦٨٧].
• • •
[ ١١٨ ]