الدرس ٦٢
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ [سورة هود].
قال -﵀-:
وشعيب -﵇- كان يسمى خطيب الأنبياء؛ لحسن مراجعته لقومه، وفي قصته من الفوائد والعبر شيء كثير:
١ - أن الكفار كما يعاقبون ويخاطبون بأصل الإسلام فكذلك بشرائعه وفروعه؛ لأن شعيبًا دعا قومه إلى التوحيد وإلى إيفاء المكيال والميزان، وجعل الوعيد مرتبًا على مجموع ذلك.
٢ - أن نقص المكاييل والموازين من كبائر الذنوب، وتُخشى العقوبة العاجلة على مَنْ تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقة أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين موجبة للوعيد؛ فسرقتهم على وجه القهر والغلبة من باب أولى وأحرى.
٣ - أن الجزاء من جنس العمل؛ فمن بَخَسَ أموال الناس يريد زيادة ماله عوقب بنقيض ذلك، وكان سببًا لزوال الخير الذي عنده من الرزق؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾، أي: فلا تتسببوا إلى زواله بفعلكم.
٤ - أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله ويقنع بالحلال عن الحرام
[ ١٢٦ ]
وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرمة، وأن ذلك خيرٌ له؛ لقوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ففي ذلك من البركة وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على الأسباب المحرمة من المَحْق وضد البركة.
٥ - أن ذلك من لوازم الإيمان وآثاره؛ فإنه رتب العمل به على وجود الإيمان، فدل على أنه إذا لم يوجد العمل، فالإيمان ناقص أو معدوم.
٦ - أن الصلاة لم تزل مشروعة للأنبياء المتقدمين، وأنها من أفضل الأعمال حتى إنه متقرر عند الكفار فضلها وتقديمها على سائر الأعمال، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي ميزان للإيمان وشرائعه؛ فبإقامتها تكمل أحوال العبد، وبعدم إقامتها تختل أحواله الدينية.
٧ - أن المال الذي يرزقه الله الإنسان وإن كان الله قد خوله إياه، فليس له أن يصنع فيه ما يشاء؛ فإنه أمانة عنده؛ عليه أن يقيم حق الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق، والامتناع من المكاسب التي حرمها الله ورسوله -ﷺ-، لا كما يزعمه الكفار ومَن أشبههم أن أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون؛ سواء وَافَقَ حكم الله أو خالفه.
٨ - أن من تكملة دعوة الداعي وتمامها: أن يكون أول مُبادر لما يأمر غيره به وأول مُنته عما ينهى غيره عنه، كما قال شعيب -﵇-: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢].
[ ١٢٧ ]
٩ - أن وظيفة الرسل وسنتهم ومِلتهم إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان بتحصيل المصالح وتكميلها، أو بتحصيل ما يقدر عليه منها، وبدفع المفاسد وتقليلها، ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة.
وحقيقة المصلحة: هي التي تَصلح بها أحوال العباد وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية.
١٠ - أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملومًا ولا مذمومًا في عدم فعله ما لا يقدر عليه؛ فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه.
١١ - أن العبد ينبغي له ألَّا يتكل على نفسه طرفة عين، بل لا يزال مستعينًا بربه متوكلًا عليه سائلًا له التوفيق، وإذا حصل له شيء من التوفيق فلينسبه لمُولِيه ومُسديه، ولا يعجب بنفسه؛ لقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.
١٢ - الترهيب بأخَذَات الأمم وما جرى عليهم، وأنه ينبغي أن تُذكر القصص التي فيها إيقاع العقوبات بالمجرمين في سياق الوعظ والزجر.
كما أنه ينبغي ذكر ما أكرم الله به أهل التقوى عند الترغيب والحث على التقوى.
١٣ - أن التائب من الذنب كما يُسمح له عن ذنبه ويعفى عنه، فإن الله تعالى يحبه ويَوده، ولا عبرة بقول من يقول: «إن التائب إذا تاب فحسبه أن يغفر له ويعود عليه بالعفو، وأما عود الود والحب فإنه لا يعود».
[ ١٢٨ ]
فإن الله تعالى قال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾.
١٤ - أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة؛ قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئًا منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم وأهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجمَ قومه بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك؛ لأن الإصلاح مطلوب حسب القدرة والإمكان. [٢/ ٧٦٤ - ٧٦٦].
• • •
[ ١٢٩ ]