الدرس ٩٥
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾ [سورة الذاريات].
قال -﵀-:
فصلٌ في ذكر بعض ما تضمنته هذه القصة من الحِكَم والأحكام.
١ - أن من الحكمة قص الله على عباده نبأ الأخيار والفجار؛ ليعتبروا بهم وأين وصلت بهم الأحوال؟
٢ - فضيلة إبراهيم الخليل -﵊-؛ حيث ابتدأ الله قصته بما يدل على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها.
٣ - مشروعية الضيافة، وأنها من سنن إبراهيم الخليل؛ الذي أمر الله محمدًا -ﷺ- وأمته أن يتبعوا مِلَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح له والثناء.
٤ - أن الضيف يكرم بأنواع الإكرام بالقول والفعل؛ لأن الله وصف أضياف إبراهيم بأنهم مكرمون، أي: أكرمهم إبراهيم، ووصف الله ما صنع بهم من الضيافة قولًا وفعلًا، ومكرمون -أيضًا- عند الله تعالى.
٥ - أن إبراهيم -﵇- قد كان بيته مأوى للطارقين والأضياف؛ لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان، وإنما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فرد عليهم إبراهيم سلامًا أكمل من سلامهم وأتم؛ لأنه أتى به جملة اسمية دالة على الثبوت والاستقرار.
[ ٢١٠ ]
٦ - مشروعيةَ تعرُّف مَنْ جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوع اتصال؛ لأن في ذلك فوائد كثيرة.
٧ - أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ ولم يقل: «أنكرتكم»، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
٨ - المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البر عاجله، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه.
٩ - أن الذبيحة الحاضرة التي قد أُعَدِّت لغير الضيف الحاضر إذا جُعلت له ليس فيها أقل إهانة، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم -﵇-، وأخبر الله أن ضيفه مكرمون.
١٠ - ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضرًا لديه وفي بيته معدًّا، لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك.
١١ - أن إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن، وسيد مَنْ ضَيَّف الضيفان.
١٢ - أنه قربه إليهم في المكان الذي هم فيه، ولم يجعله في موضع، ويقول لهم: «تفضلوا، أو ائتوا إليه»؛ لأن هذا أيسر وأحسن.
١٣ - حسن ملاطفة الضيف في الكلام اللين؛ خصوصًا عند تقديم الطعام إليه، فإن إبراهيم عرض عليهم عرضًا لطيفًا، وقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾، ولم
[ ٢١١ ]
يقل: «كلوا» ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض؛ فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾، فينبغي للمقتدي به أن يستعمل من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾، أو: «ألا تتفضلون علينا وتشرفوننا وتحسنون إلينا» ونحو ذلك.
١٤ - أن من خاف من أحد لسبب من الأسباب فإن عليه أن يزيل عنه الخوف ويذكر له ما يُؤمن روعه ويُسَكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لما خافهم: ﴿لَا تَخَفْ﴾، وأخبروه بتلك البشارة السارة بعد الخوف منهم.
١٥ - شدة فرح سارة -امرأة إبراهيم- حتى جرى منها ما جرى من صك وجهها وصَرَّتها غير المعهودة.
١٦ - ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم. [٤/ ١٧١١ - ١٧١٣].
• • •
[ ٢١٢ ]