أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)
يقول الحق ﷻ: أُولئِكَ الناقضون للعهود المتعدون الحدود اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا وزخارفها الغرارة بِالْآخِرَةِ الباقية الدائمة، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ساعة فى الدنيا بالذل والهوان، وفي الآخرة بدخول النيران، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ بالامتناع منه في كل أوان.
الإشارة: أولئك الذين نظروا إلى غرة ظاهر الأكوان، ولم ينفذوا إلى عبرة باطنها، فلا ينقطع عنهم عذاب الوهم والحجاب، ولا هم يُنصرون من أليم العذاب.
ثم وبّخهم الحق تعالى على تكذيب الرسل وقتلهم إياهم، فقال:
[سورة البقرة (٢): آية ٨٧]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)
_________________
(١) نسبهما الطوسي فى اللمع لأبى على الروذبارى.
[ ١٣٠ ]
قلت: (قفينا): أتبعنا، و(عيسى) عجمي معدول عن أيشوع في لغة السريانية، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة، و(مريم): بمعنى الخادم، ووزنه: مَفْعَل لا فعيل، و(أيدناه) أي: قويناه ونصرناه، و(روح القدس) هنا جبريل ﵇ أي: الروح المقدسة- من إضافة الموصوف إلى الصفة-، سمي به لطهارته من كدر الحس.
يقول الحق ﷻ: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى التوراة، فما قمتم بحقها ولا عملتم بما فيها، واتبعنا بعده الرسل كلما مات رسول بعثنا بعده آخر اعتناء بكم، وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ المعجزات الواضحات كإحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، والإخبار بالمغيبات، والإنجيل، وَأَيَّدْناهُ بجبريل ﵇ كان يسير معه حيث سار، ورفعه إلى السماء حين أردتم يا معشر اليهود قتله، أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ من مشاق الطاعات وترك الحظوظ والشهوات، اسْتَكْبَرْتُمْ وامتنعتم من الإيمان به فَفَرِيقًا منهم كذبتموه كعيسى وسليمان ومحمد﵈-، وَفَرِيقًا تقتلونه كزكريا ويحيى﵉-؟ قال القشيري:
أصْغَوْا إلى الداعين بسمع الهوى، فصار معبودهم صفاتهم وهواهم. هـ-.
الإشارة: كل ما قاله الحقّ ﷻ لبني إسرائيل في فحوى الخطاب يقوله لهذه الأمة في سرّ الخطاب، فلقد آتانا الكتاب، وبيَّن فيه الرشد والصواب، وقفَّى بعد إنزاله بعلماء أتقياء، وأولياء أصفياء، يحكمون بحكمه، ويهدون بهديه، فإذا أمروا بالزهد في الدنيا وترك الحظوظ والهوى رفضوهم وكذبوهم، وربما كفَّروهم وقتلوهم، واستكبروا عن الأذعان لهم والانقياد لقولهم، ففريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون.
وفى الحديث قال ﷺ: «لَتَتبعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلكم شِبْرًا بشِبرٍ وذَراعًا بذراعٍ، حَتَّى لَوْ دَخلُوا جُحْر ضَبٍّ لدَخَلْتُموه، فقالوا: مَن يا رسول الله اليهودُ والنصارى؟ قالَ: نعم.. ومَنْ إذن؟» أي: ومَن تتبعون إلا هم؟. فالدعاة إلى الله لا ينقطعون ما دام الدين قائمًا، فقوم يدعون إلى أحكام الله، وقوم يدعون إلى معرفة الله، فالأول: العلماء، والثاني:
الأولياء، فإذا أمروا بالخروج عن العوائد والشهوات، رموهم بسهام العتاب والمخالفات، إذ لم يأت أحد بمثل ما جاءوا به إلا عودي، إلا من خصته سابق العناية، وهبت عليه ريح الهداية، فيتبع آثارهم، وقليلٌ ما هم.
ثم ذكر الحق تعالى مقالتهم الشنيعة، فقال: