الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)
قلت: هذه الأوصاف تتضمن ثلاثة أعمال: الأول: عمل قلبي وهو الإيمان، والثاني: عمل بدني، وهو الصلاة، والثالث: عمل مالي، وهو الإنفاق في سبيل الله، وهذه الأعمال هي أساس التقوى التي تدور عليها.
[ ٧٣ ]
أما العمل القلبي: فهو الإيمان أولًا، والمعرفة ثانيًا، فما دام العبد محجوبا بشهود نفسه، محصورًا في الأكوان وفي هيكل ذاته فهو مؤمن بالغيب، يؤمن بوجود الحق تعالى، وبما أخبر به من أمور الغيب، يستدل بوجود أثره عليه، فإذا فني عن نفسه وتلطفت دائرة حسه، وخرجت فكرته عن دائرة الأكوان، أفضى إلى الشهود والعيان، فصار الغيب عنده شهادة، والملك ملكوتًا، والمستقبل حالًا، والآتي واقعًا، وقد قلتُ في ذلك:
فَلا تَرْضى بغَيْرِ الله حِبًّا وكُنْ أبدًا بعِشْقٍ واشْتِيَاقِ
تَرَى الأمْرَ المغيّب ذا عيان وتحظى بالوصُولِ وبالتَّلاَقِي
وفي الحكم: «لو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت بهجة الدنيا وكسوة الفناء ظاهرة عليها» . وقال في التنوير: ولو انْهَتَكَ حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان، ولأشرق نور الإيقان فغطّى وجود الأكوان. هـ.
وإنما اقتصر الحق تعالى على الإيمان بالغيب لأنه هو المكلف به إذ هو الذي يطيقه جلّ العباد، بخلاف المعرفة الخاصة فلا يطيقها إلا الخصوص، والله تعالى أعلم.
وأما العمل البدني: فهو إقامة الصلاة، والمراد بإقامتها إتقان شروطها وأركانها وخشوعها، وحفظ السر فيها، قال الشيخ أبو العباس المرسى ﵁: (كل موضع ذكر فيه المصلّون في معرض المدح فإنما جاء لمن أقام الصلاة، إما بلفظ الإقامة، وإما بمعنى يرجع إليها، قال تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وقال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ، وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ، ولما ذكر المصلّين بالغفلة قال: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ولم يقل: فويل للمقيمين الصلاة) .
وأما العمل المالي فهو الإنفاق في سبيل الله واجبًا أو مندوبًا، وهو من أفضل القربات، يقول الله﵎-: «يا ابن آدم أَنفق، أنفقْ عليك»، وفي حديث آخر: «أنفِقْ ولا تخَفْ من ذي العرش إقلالا»، وقال ﷺ:
«إنّ في الجنة غُرَفًا يُرى ظَاهِرُهَا مِنْ باطنها وباطِنَها مِنْ ظَاهِرهَا. قيل لِمَنْ هِي يا رسولَ الله؟ قال: لِمَنْ أطْعَمَ الطعَامَ، وأفْشَى السلام، وصَلى باللَّيْلِ والناسُ نِيام» . وقال أيضا ﷺ: «إن الله﷿- ليُدْخلُ باللقمةِ مِن الخبز والقبضةِ مِن التمْر ومثله ممَّا ينتفع به المسكين ثلاثةً، الجنةَ: رَب البيتِ الآمرَ به، والزوجة تصلحه، والخادمَ
[ ٧٤ ]
الذي يناولهُ المسْكِين» . وقال أيضا: ﷺ «إنّ الصدقةَ لتسُدُّ سَبعينَ بابًا من السوء» . وقال أيضا ﷺ: «صنائِع المعْرُوف تقي مَصارعَ السُّوءِ، وصدقةُ السِّر تُطفِئ غَضَبَ الربِّ، وصِلةُ الرَّحِم تزيدُ في العمرِ» .
الإشارة: يا من غرق في بحر الذات وتيار الصفات (ذلك الكتاب) الذي تسمعه من أنوار ملكوتنا، وأسرار جبروتنا (لا ريب فيه) أنه من عندنا، فلا تسمعه من غيرنا، (فإذا قرأناه فاتبعْ قرآنه)، فهو هاد لشهود ذاتنا، ومرشد للوصول إلى حضرتنا، لمن اتقى شهود غيرِنا، وغرق في بحر وحدتنا، الذي يؤمن بغيب غيبنا، وأسرار جبروتنا، التي لا تُحيط بها العلوم، ولا تسمو إلى نهايتها الأفكار والمفهوم، الذي جمع بين مشاهدة الربوبية، والقيام بوظائف العبودية، إظهارًا لسر الحكمة بعد التحقق بشهود القدرة، فهو على صلاته دائم، وقلبه في غيب الملكوت هائم، ينفق مما رزقه الله من أسرار العلوم ومخازن الفهوم، فهو دائمًا ينفق من سعة علمه وأنوار فيضه، فلا جرم أنه على بينة من ربه.
ولما ذكر الحق تعالى من آمن من العرب، ذكر مَن آمن مِن أهل الكتاب، فقال: