وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)
قلت: البارئ هو: المقدر للأشياء والمظهر لها.
[ ١٠٦ ]
يقول الحق ﷻ: واذكروا يا بني إسرائيل حين قالَ موسى لِقَوْمِهِ لما رجع من الطور، ووجدهم قد عبدوا العجل: يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وبخستموها بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ إلاهكم، فَتُوبُوا إِلى خالقكم الذي صوركم في أحسن تقويم، فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بهدم هذه البنية التي ركبتها في أحسن صورة، فبخستموها، ولم تعرفوا قدرها، فعبدتم أبلد الحيوان، الذي هو البقرة. من لم يعرف حق النعمة فحقيق أن تُسترد منه.
فذلكم القتل والمبادرة إلى التوبة خَيْرٌ لَكُمْ عِندَ خالقكم، لأنه يفضي إلى الحياة الدائمة والبهجة السرمدية، فلما صعب عليكم القتل للشفقة على الأخ أو القريب، ألقينا عليكم ضبابة حتى أظلم المكان، فاقتتلتم من الغداة إلى العشي، فدعا موسى وهارون﵉- بالكشف عنهم، فرفعت السحابة، وقد قُتل سبعون ألفًا، ففعلتم ذلك القتل، فتاب الحق تعالى عليكم، فقبل توبة مَن بقي منكم، وعفا عمن مات إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أي: كثير التوفيق للتوبة، أو كثير قبولها، الرحيم بعباده المؤمنين.
الإشارة: ما قاله سيدنا موسى ﵇ لقومه، يقال مثله لمن عبد هواه، وعكف على متابعة دنياه: يا من بخس نفسه بإرخاء العنان في متابعة هواها، حتى حرمها من مشاهدة جمال مولاها، تُب إلى ربك، وانتبه من غفلتك، واقتل نفسك بمخالفة هواها، فلعلها تحيا بمشاهدة مولاها، فما دامت النفس موجودة، وحظوظها لديها مشهودة، وآمالها ممدودة، كيف تطمع أن تدخل حضرة الله، وتتمتع بشهود جماله وسناه؟!
إنْ تُرِدَ وَصْلَنَا فَمَوْتكَ شَرْطٌ لا يَنَالُ الوِصَالَ مَنْ فيهِ فَضْلَهْ «١»
وقال الحلاجُ في هذا المعنى:
لَمْ أُسْلِم النفسَ للأسقامِ تُتْلِفُها إلاَّ لِعِلْمِي بأَنَّ الوصْلَ يُحْيِيهَا
وقال أيضًا:
أُقتُلوني يا ثقاتي إِنَّ في قَتْلِي حَياتِي
وحَيَاتي في مَماتِي وممَاتي في حَياتي
أنا عندي: مَحْوُ ذَاتي من أجَلِّ المكْرُمَاتِ
وبَقَائِي في صِفاتي مِنْ قبيح السيّئات
_________________
(١) البيت للششترى.
[ ١٠٧ ]
وقال أيضًا:
إنْ كان سَفْكُ دَمي أقْصَى مُرادِكُمُ فَمَا غَلَتْ نظرةٌ مِنكُم بِسَفْك دَمِي
وقال الشيخ أبو العباس المرسي ﵁: (لا يدخل على الله إلا من بابين، أحدهما: الموت الحسي، وهو الموت الطبيعي، والآخر: الموت الذي تعنيه هذه الطائفة) . هـ. وهو موت النفوس، فمن لم تمت نفسه لم تَحْيَى روحه.
وقال بعض العارفين: (لا يحصل الدخول على الله حتى يموت أربع موتات: موت أحمر، وموت أسود، وموت أبيض، وموت أخضر. أما الموت الأحمر فهو مخالفة الهوى، وأما الموت الأسود فهو تحمل الأذى، وأما الموت الأبيض فهو الجوع- أي: المتوسط- وأما الموت الأخضر فهو لبس المرقعات، وطرح الرقاع بعضها على بعض) .
قلت: ورأس الهوى وعنصره هو حب الجاه وطلب الرئاسة. فمن نزل إلى أرض الخمول، وخرق عوائد نفسه فيه، انخرقت له الحجب، ولاحت له الأنوار، وأشرقت عليه الأسرار في مدة قريبة، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم وبخهم الحق تعالى على طلب الرؤية قبل إبانها، وقبل تحصيل شروطها، فقال: