وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)
قلت: المراد بالطعام الواحد: هو المنّ والسلوى. ووحَّده لأنه لا يختلف ولا يتبدل، كقولهم: طعام مائدة الأمير واحد، والبقل: جميع الخضر، كالنجم والكرنب والكراث وغير ذلك. والقثاء: جمع قثاءة، وهي الخيار والفقوس والبطيخ وغير ذلك من الفواكه التي تستنبت، والفوم قيل: الحنطة، والأصح أنه الثوم. قال الشاعر:
وأنتم أُناسٌ لِئامُ الأُصولِ طعامُكُم الفومُ والحَوقَلُ
أراد: الثوم والبصل. والعرب تعاقب بين الفاء والثاء فتقول: معافير ومعاثير، وتقول للقبر: جدث وجدف.
والعدس: معلوم، روى علي- كرم الله وجهه- عن النبي ﷺ أنه قال: «عليكم بالعدس، فإنه مبارك مقدس، وإنه يرقق القلب، ويكثر الدمعة، وإنه بارك فيه سبعون نبيا، آخرهم عيسى بن مريم» «١» .
_________________
(١) الحديث ذكره ابن الجوزي فى الموضوعات.
[ ١١٣ ]
يقول الحق ﷻ: واذكروا أيضًا حين قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ حين مللتم من العسل واللحم، وملتم إلى عَكَرِكُمْ السوء، أي: مألوفكم وشهواتكم السيئة، لأنهم كانوا فلاحين، فقلتم: فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ، أي: من جنس ما ينبت الله فيها من البقل والقثاء والعدس والفوم والبصل، قال موسى ﵇: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى وأخس من الثوم والبصل وغيرهما، بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ من اللحم والعسل، اهْبِطُوا إلى مصر من الأمصار، تجدوا ما تشتهون، إذ لا يوجد ذلك إلا في القرى والأمصار، أو اهْبِطُوا مِصْرًا التي كنتم فيها أذلاء مستعبدين، تجدوا حظوظكم وشهواتكم لأن الحظوظ والشهوات منوطة بالذل والهوان، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ، أي: ألزموها لزوم الدرهم المضروب لضربه ونقشه، فالذلة: ضرب الجزية، والمسكنة: فقر النفس وإن كان موسرًا.
وإنما ضُربت عليهم الذلة والمسكنة لأنهم لم يرضوا بتدبير الحق، ولم يقنعوا برزقه، فكل مَن لم يقنع بقسمته وسلم من اتحاد رزقه، خيف عليه من ضرب الذل والمسكنة، وانقلبوا أيضًا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ حيث نقضوا العهود، وتعدوا الحدود، فكفروا وطغوا وقتلوا الأنبياء بغير حق، وسبب ذلك: تمردهم في العصيان، فإن المعاصي تجر بعضها إلى البعض حتى تنتهي إلى الكفر، والعياذ بالله من سخطه وغضبه.
الإشارة: كل مَن لم يقنع بالقسمة الأزلية، ولم يقم حيث أقامته القدرة الإلهية، بل جنح إلى حظوظه وهواه، وحرص على تحصيل أغراضه ومناه، قيل له: أتستبدل تدبيرك- الذي هو أدنى- بتدبير الحق- الذي هو خير-؟
أتترك تدبير الحكيم العليم، الرؤوف الرحيم، إلى تدبير عقلك الضعيف الجاهل الخسيس اللئيم؟! فعسى أن تدبر شيئًا يكون لك فإذا هو عليك. وعسى أن تأتيك المسار من حيث تعتقد المضار، وتأتيك المضار من حيث ترتجي المسار.
ولله درّ القائل:
وكَم رُمْتُ أَمْرًا خِرْتَ لي في انْصِرَافِهِ، فَلاَ زلْتَ لي مِني أبَرَّ وأَرْحَمَا
عَزَمْتُ عَلَى ألاّ أُحِسَّ بِخَاطِرٍ عَلى القلْبِ إلاَّ كُنْتَ أَنْتَ المُقَدَّمَا
وألا تَرَانِي عِنْدَ مَا قَدْ نَهيْتَني لِكَونَك «١» في قَلْبِي كَبيرًا معظّما
_________________
(١) فى المخطوطات الثلاث (لأنك) .
[ ١١٤ ]
يا مَن لم يقنع بتدبير مولاه، ومال إلى نيل حظه وهواه، اهبط إلى أرض الحظوظ والشهوات تجد فيها ما ألفته نفسك من عوائدك السيئات. يا مَن أخلدت نفسه إلى الهوى ومتابعة الشيطان، كيف تستبدل العز الدائم بالذل والهوان؟! وأنشدوا:
لاَ تتبع النفس في هواها إنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى هَوَانُ «١»
قال في التنوير: (فائدة) اعلم إن بني إسرائيل لمَّا دخلوا التيه، ورُزقوا المنّ والسلوى، واختار الله لهم ذلك رزقًا، رزقهم إياه، يبرز من عين المنة، من غير تعب منهم ولا نصب، فرجعت نفوسهم الكثيفة لوجود، العادة، والغيبة عن شهود تدبير الله، إلى طلب ما كانوا يعتادونه، فقالوا: فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ الآية. قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ. اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ. وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وذلك لأنهم تركوا ما اختار الله لهم، مائلين لما اختاروا لأنفسهم. فقيل لهم عن طريق التوبيخ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ؟ فظاهر التفسير: أتستبدلون الفوم والعدس والبصل بالمنّ والسلوى؟ وليس النوعان سواء في اللذة ولا فى سقوط المشقة وسر الاعتبار، أتستبدلون مرادكم لأنفسكم بمراد الله تعالى لكم؟ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى وهو ما أردتموه، بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وهو ما أراده الله لكم؟ اهْبِطُوا مِصْرًا فإن ما اشتهيتموه لا يليق إلا أن يكون في الأمصار، وفي سر الخطاب: اهبطوا عن سماء التفويض وحسن التدبير منا لكم، إلى أرض التدبير والاختيار منكم لأنفسكم، موصوفين بالذل والمسكنة لاختياركم مع اختيار الله، وتدبيركم لأنفسكم مع تدبير الله. هـ المراد منه.
ولما ذَكَّرَهُمْ الحق تعالى بالنعمة، ووبَّخَهم على ارتكاب الآثام، رغّبهم فى الإسلام، فقال: