وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)
لمّا أراد الله تعالى عمارة الأرض، بعد أن عمر السموات بالملائكة، أخبر الملائكة بما هو صانع من ذلك تنويهًا بآدم وتشريفًا لذريته، وتعليما لعباده أمر المشاورة، فقال لهم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يخلفني في أرضي وتنفيذ أحكامي، قالُوا على وجه الاستفهام، أو من الإدلال، إِن كَانَ مِنَ المقربين، بعد أن رأوا الجن قد أفسدوا وسفكوا الدماء: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها، وشأن الخليفة الإصلاح، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، أي: نسبح ملتبسين بحمدك، وَنُقَدِّسُ لَكَ، أي: نطهر أنفسنا لأجلك، أو ننزهك عما لا يليق بجلال قدسك، فنحن أحق بالخلافة منهم.
_________________
(١) أخرجه الديلمي فى الفردوس (٥/ ٢٣٠ ح ٨٠٤٠) عن أنس مرفوعا. ورواه الخطيب فى تاريخ بغد ٩ اد ٧٤٢/ ٢ وقال: هذا الحديث موضوع المتن.
[ ٩٣ ]
قال الحقّ جلّ وعلا: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فإني أعلم أنه يكون منهم رسل وأنبياء وأولياء، ومن يكون مثلكم أو أعظم منكم، ولما ألقى الخليل في النار ضجت الملائكة وقالت: «يا رب هذا خليلك يحرق بالنار» .
فقال لهم: «إن استغاث بكم فأغيثوه» . فلما رفع همَّتَه عنهم قال الحق تعالى: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تعلمون.
ثم وَجَّهَ الحق تعالى استحقاقه للخلافة وهو تشريفه بالعلم، فقال: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها، أي: مسميات الأسماء بأن ألقى في رُوعه ما تحتاج إليه ذريته من اللغات والحروف، وخواص الأشياء ومنافعها، ثم عرض تلك المسميات على الملائكة، إظهارًا لعجزهم، وتشريفًا لآدم بالعلم، فَقالَ: أخبروني بِأَسْماءِ هؤُلاءِ المسميات إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ادعائكم استحقاق الخلافة، فلما عجزوا عن معرفة تلك الأسماء قالُوا سُبْحانَكَ أي: تنزيهًا لك عن العبث، لا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ بكل شيء، الْحَكِيمُ لإتقانك كل شيء، وهذا اعتراف منهم بالقصور والعجز، وإشعار بأن سؤالهم كان استفهامًا وطلبًا لتفسير ما أشكل عليهم، ولم يكن اعتراضًا.
قال الحق ﷻ: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ، وعيِّن لهم اسم كل مسمى، فلما أخبرهم بذلك بحيث قال مثلًا: هذا فرس وهذا جمل، وعين ذلك لهم، وظهرت ميزته عليهم بالعلم حتى استحق الخلافة، قال الحقّ تعالى: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: ما غاب، وأعلم ما تظهرونه من قولكم:
أَتَجْعَلُ فِيها.. الخ، وما تكتمونه من استحقاقكم الخلافة، وقولكم: لن يخلق الله تعالى أحدًا أعلم منا لتقدمنا، والفضل لمن صدق لا لمن سبق.
قال البيضاوي: اعلم أن هذه الآيات تدل على شرف الإنسان، ومزية العلم وفضله على العبادة، وأنه شرط في الخلافة، بل العمدة فيها، وأن التعليم يصح إطلاقه عليه تعالى، وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاختصاصه بمن يحترف به، وأن اللغات توقيفية- علمها الله بالوحي-، وأن آدم ﵇ أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه أعلم منهم، والأعلم أفضل لقوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ، وأن الله يعلم الأشياء قبل حدوثها. هـ. باختصار.
وقال في تفسير الملائكة: إنهم أجسام لطيفة قادرة على التشكل، وهي منقسمة على قسمين: قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره، - وهم العليِّون، والملائكة المقربون- وقسم يدبرون الأمر مِنَ
[ ٩٤ ]
السماء إلى الأرض على ما ثبت به القضاء وجرى به القلم الإلهي، وهم المدبرات أمرًا، فمنهم سماوية، ومنهم أرضية. هـ. مختصرًا.
الإشارة: اعلم أن الروح القائمة بهذا الآدمي هي قطعة من الروح الأعظم التي هي المعاني القائمة بالأواني، وهي آدم الأكبر والأب الأقدم، وفي ذلك يقول ابن الفارض:
وإنِّي وإنْ كنتُ ابن آدمَ صُورةً فلِي فِيه مَعْنىً شاهدٌ بأُبوَّتِي
فلما أراد الحق تعالى أن يستخلف هذا الروح في هذه البشرية لتدبرها وتصرفها فيما أريد منها، قالت الملائكة بلسان حالها: كيف تجعل فيها من يفسد فيها بالميل إلى الحظوظ والشهوات، ويسفك الدماء بالغضب والحميات، ونحن نسبحك وننزهك عما لا يليق بك؟ رأت الملائكة ما يصدر من بعض الأرواح من الميل إلى الحضيض الأسفل، ولم تر ما يصدر من بعضها من التصفية والترقية، فقال لهم الحق تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فإن منها من تعرج إلى عرش الحضرة، وتعبدني بالفكرة والنظرة، وتستولي على الوجود بأسره، وتنكشف لها عند ذلك أسرار الذات وأنوار الصفات وأسماء المسميات.
فيقول الحق تعالى للملائكة: هل فيكم من كشف له عن هذا السر المكنون، والاسم المصون، فقالوا: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا من علم الصفات دون أسرار الذات إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ يقول الحق تعالى لروح العارف التي نفذت إلى بحر وحدة الذات وتيار الصفات: أنبئهم بما غاب عنهم من أسرار الجبروت، وأسماء الملكوت، فلما أعلمهم بما كوشف له من الأسرار، وانفلق له من الأنوار، أقروا بشرف الآدمي، وسجدوا لطلعة آدم ﵇ فقال الحق لهم: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؟ أي: ما غاب في سماء الأرواح من الأسرار وفي أرض النفوس من الأنوار، وأعلم ما تظهرونه من الانقياد، وما تكتمونه من الاعتقاد، والله تعالى أعلم.
ولما تبينّ شرف آدم ﵇ وبان فضله أمرهم بالسجود له، فقال: