إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)
قلت: (سواء) خبر مقدم، و(أنذرتهم) مبتدأ لسبك همزة التسوية، أي: الإنذار وعدمه سواء في حق هؤلاء الكفرة، والجملة خبر إن، و(غشاوة) مبتدأ، والجار قبله خبره، والغشاوة: ما يغشى الشيء ويغطيه، كنى به عن مانع قهرهم عن الإيمان.
يقول الحق ﷻ: يا محمد إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بما أنزل إليك جهرًا، وسبقت لهم مني الشقاوة سرًّا، لا ينفع فيهم الوعظ والإنذار، ولا البشارة والتذكار، فإنذارك وعدمه في حقهم سواء، لما سبق لهم مني الطرد والشقاء، فالتذكير في حقهم عناء، والغيبة عن أحوالهم راحة وهناء، لأني ختمتُ على قلوبهم بطابع الكفران، فلا يهتدون إلى إسلام ولا إيمان، ومنعت أسماعهم أن تصغي إلى الوعظ والتذكير، فلا ينجع فيهم تخويف ولا تحذير، وغشيت أبصارهم بظلمة الحجاب فلا يبصرون الحق والصواب، قد أعددتُهم لعذابي ونقمتي، وطردتهم عن ساحة رحمتي ونعمتي.
وإنما أمرتك بإنذارهم لإقامة الحجة عليهم، وإني وإن حكمت عليهم أنهم من أهل مخالفتي وعنادي فإني لا أظلم أحدًا من خلقي وعبادي، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ. فما ظلمتُهم لأني بعثتُ الرسلَ مبشرين ومنذرين، ولكن ظلموا أنفسهم فكانوا هم الظالمين، فحكمتى اقتضت الإنذار، وقدرتي اقتضت
[ ٧٦ ]
القهر والإجبار، فالواجب عليك أيها العبد أن تكون لك عينان: عين تنظر لحكمتي وشريعتي فتتأدب، وعينٌ تنظر لقدرتي وحقيقتي فتُسلم، وتكون بين الأمن والرّهْب، فلا تأمَنْ مَكْرِي وإن أمَّنتُك، ولا تيأس من حلمي وإن أبعدتك، فعلمي لا يحيط به محيط، إلا من هو بكل شيء محيط.
الإشارة: إن الذين أنكروا وجود الخصوصية، وجحدوا أهل مشاهدة الربوبية من أهل التربية النبوية، لا ينفع فيهم الوعظ والتذكير، بما سبق لهم في علم الملك القدير، فسواء عليهم أأنذرتهم وبال القطيعة والحجاب، أم لم تنذرهم لعدم فتح الباب، قد ختم الله على قلوبهم بالعوائد والشهوات، أو حلاوة الزهد والطاعات، أو تحرير المسائل والمشكلات، وعلى سمع قلوبهم بالخواطر والغفلات، وجعل على أبصارهم غشاوة الحجاب، فلا يبصرون إلا المحسوسات، غائبون عن أسرار المعاني وأنوار التجليات، بخلاف قلوب العارفين، فإنها ترى من أسرار المعاني مالا يُرى للناظرين، وفي ذلك يقول الشاعر:
قلوبُ العَارفِينَ لَهَا عُيُونٌ ترى مالا يُرى للناظرينا
وألسنةٌ بأسْرارٍ تُنَاجِي تغيبُ عَنَ الكِرَام الكَاتِبِينَا
وأجنحةٌ تَطِيرُ بِغَيْرِ ريشٍ إلَى ملكُوتٍ ربِّ العَالَمِينَا «١»
فسبحان من حجب العالمين بصلاحهم عن مصلحهم، وحجب العلماء يعلمهم عن معلومهم، واختصّ قومًا بنفوذ عزائمهم إلى مشاهدة ذات محبوبهم، فهم في رياض ملكوته يتنزهون، وفي بحار جبروته يسبحون، لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ.
ولمَّا ذكر الحقﷻ- من أعلن بالإنكار، ذكر من أسَرَّ بالجحود وأظهر الإقرار، فقال جل وعلا: