موضوع الكتاب
يظهر محتوى الكتاب، ومضمونه من خلال العنوان الذي وضعه مؤلفه له، والذي أُثبت على غلاف النسخ المخطوطة وهو: "البرهان في علوم القرآن من الغريب والإعراب والقراءات والتفسير والناسخ والمنسوخ والأحكام وعدد الآي والتنزيل والوقف والتمام والاشتقاق والتصريف" (١) وزيد في بعض النسخ "المحكم والمتشابه" (٢).
وبهذا التصور العام لمحتوى الكتاب يتبين لنا أن الحوفي﵀- أراد أن يؤلف تفسيرا، منظما، مرتبا، يضمنه جانبا تطبيقيا لعلوم القرآن المختلفة.
ولعلنا نتساءل هل التزم الحوفي بما قرره في عنوان كتابه البرهان؟ الجواب أن المطلع على كتابه يراه قد التزم بهذا المنهج في كتابه، فهو ملتزم بتناول الآية القرآنية حسب ترتيب المصحف، بادئا بقوله في الإعراب مبينا الغريب والاشتقاق والتصريف ثم القول في القراءة ثم المعنى والتفسير، ثم ما تضمنته الآية من الأحكام الفقهية والمسائل الكلامية وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والوقف والتمام.
هذا المنهج التزم به على مدى آيات القرآن حسب ترتيب المصحف وحسب ترتيب تلك الجوانب، وهو بهذا الصنيع المتميز هدف إلى إظهار ما أنطوى عليه النص القرآني من غرائب التركيب، وتباين الطرق التي تنتزع بواسطتها المعاني، ومعرفة ألفاظ القرآن وفهم معانيه، وإدراك أغراضه وأبعاده.
ويؤيد كلامنا هذا قول ابن مجاهد: فمن حملة القرآن المُعرِب العالم بوجوه الإعراب والقراءات العارف باللغات ومعاني الكلام البصير بِعَيْب القراءات المنتقد للآثار فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفاظ القرآن في كل مصر من أمصار المسلمين (٣).
_________________
(١) ينظر النسخ المخطوطة، شكل (١)، ص ٩٠.
(٢) ينظر النسخ المخطوطة، شكل (٨)، ص ٩٧.
(٣) ابن مجاهد، أحمد بن موسى بن العباس التميمي، أبو بكر البغدادي (ت: ٣٢٤ هـ)، كتاب السبعة في القراءات، ت: شوقي ضيف، ط ٢، (مصر: دار المعارف،١٤٠٠ هـ)،٤٥.
[ ٥٩ ]
وعلى ما قرره العلماء واتفقوا عليه من الشروط الواجب توافرها فيمن يتصدى لتفسير كلام الله -﷿- وعلى ما سوف تكشفه لنا الدراسة بإذن الله تعالى أقول: بأن الإمام الحوفي التزم هذا المنهج في كتابه، فجاء كتابه متكاملا من تلك الجوانب، مستوفيا تلك الشروط، جامعا بين مناهج التفسير المتعددة، فلقد جمع بين منهج التفسير اللغوي، مقتفيا آثار أئمته ابن عباس، وأبي عبيد، والفراء، والزجاج، والنحاس. وبين منهج التفسير النقلي مقتفيا آثار أئمته- عبد الرحمن بن زيد، وابن جرير الطبري، وبين منهج المتكلمين، وبين منهج التفسير الفقهي، مقتفيا آثار أئمته-مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وسفيان الثوري، والأوزاعي.
وليس جمعه بين المناهج المتعددة تكرارا لعمل السلف، بل لم يسبقه أحد من السلف بهذا التأليف الجامع المستلْهمِ للتراث السابقِ عليه، المستوعبِ لدقائق ما جاء من مناهجهم، وهذا شأن العلماء أن يستلوا من التراث بعد أن يستوعبوه، ويتخيروا منه ما شاء الله، ثم يضيفوا إليه ما يوحي به إخلاصهم، وتأملهم، وإلهامهم.
ولما كانت طبيعة البحث تقتضي بيان منهجه في كتابه، رأيت أن أعرض منهجه مجملا، لأنه قد سبقني عدد من الباحثين ففصلوا في منهجه تفصيلا.
[ ٦٠ ]