عاش شيخنا الإمام الحَوفي حياته في مصر إبان الحكم الفاطمي لمصر، والشام، وغيرهما من البلاد الإسلامية، وخاصة في الثلث الأخير من القرن الرابع الهجري والثلث الأول من القرن الخامس الهجري.
وتعد هذه الفترة من أسوأ فترات الحكم الإسلامي في مصر، وغيرها من البلدان الإسلامية (١) سياسيا، حيث كانت الدولة العباسية الإسلامية تعاني من التمزق الشديد، الذي أدى إلى سقوطها في النهاية، وانتهاء الخلافة القرشية التي كانت تحظى بتأييد سياسي، وديني واسعي النطاق عند كافة المسلمين.
في الثلث الأول من القرن الرابع الهجري، تلاشى نفوذ الدولة العباسية في مصر، والمغرب الإسلامي، حيث استولى على الحكم أول الحكام الفاطميين بعد معارك شرسة في السر والعلن، إلى أن وطدوا حكمهم على مصر وما حولها (٢).
أما معارك السر فقد ادعى الفاطميون، أنهم من نسل رسول اللهﷺ- وأنهم من آل البيت، وبهذا كانوا أحق الناس بالحكم من غيرهم، وصاروا يحرضون الناس على مقاومة الحكم العباسي.
_________________
(١) الصعيدي، عبد المتعال، المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى الرابع عشر، (دار الحماس للطباعة)، ١٤٨، ١٧١. حسن، د/ إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ط ٣، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية،١٩٨٢ م)، ٤/ ١٧٧.
(٢) حسن، مرجع سابق، ٣/ ٢٢١، ٢٢٧. شلبي، د/ أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ط ٨، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية،١٩٨٥ م)، ٥/ ١١٧.
[ ٢٠ ]
وكان أول مبتدأ أمرهم بالمغرب، ثم ابتدأوا يزحفون نحو مصر (١) يساعدهم في ذلك التمزق الشديد في الدولة العباسية التي خرج عليها بنو طاهر في المشرق، والسلجوقيون، والخوارزميون، وكذلك الأمويون في المغرب الأقصى-أعني-الأندلسيين، بجانب ذلك استقلت الدويلات، وأعلن المرابطون عصيانهم ضد الدولة العباسية.
إن هذه الفترة هي أسوأ الفترات التي مرت على مصر، وما حولها من البلدان الإسلامية، لأن الفاطميين لم يكونوا مسلمين حقا، فقد قال أبو بكر النابلسي للمعز: إنكم غيرتم دين الأمة وقتلتم الصالحين وأطفأتم نور الإلهية وادعيتم ما ليس لكم (٢).
وفي الفترة التي عاش فيها شيخنا الإمام الحَوفي كان اتجاه الفاطميين أسوأ اتجاهات الشيعة في ذلك الوقت، فقد خرجوا على الناس باعتقاد جديد، واتخذوا الإسماعيلية مذهبا لهم، والإسماعيلية في حقيقة الأمر، هم الباطنية الذين يعتقدون أن لكل ظاهر باطنا، ولكل تنزيل تأويلا، ولهم ألقاب كثيرة، سوى هذا جرت على لسان كل قوم، فبالعراق، يسمون الباطنية، والقرامطة، والمزدكية، ونجراسات التعليمية، والملحدة، ثم إن الباطنية القديمة، قد خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة، وصنفوا كتبهم على ذلك المنهاج فقالوا في الباري تعالى: إنما لا نقول هو موجود ولا موجود ولا عالم
_________________
(١) الذهبي، دول الإسلام، ت: فهيم محمد شلتوت ومحمد مصطفى إبراهيم، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،١٩٧٤ م)، ١/ ٢٢٣.ابن كثير، مرجع سابق، ١١/ ٢٨٤.
(٢) ابن كثير، مرجع سابق، ١١/ ٢٨٤. قلت: لا أحد يستطيع أن يطفئ نور الله لورود النص بذلك، ولعل أبا بكر النابلسي﵀- حكم على الغالب، والله تعالى أعلم.
[ ٢١ ]
ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز وكذلك في جميع الصفات فإن الإثبات الحقيقي يقتضي شركة بينه وبين سائر الموجودات (١).
وقد وصلت هذه العقيدة الغريبة البعيدة عن تعاليم الإسلام الصحيحة ذروتها في عهد الحاكم بأمر الله، فقد تعاظم هذا الحاكم في نفسه، وطغى وبغى إلى أن ادعى الألوهية سرا في بادئ الأمر، فلما تيقن من قبول الناس ولا سيما رجال الدولة هذا الأمر أعلن ذلك على الملأ، وأصبح مذهب الإسماعيلية المذهب الرسمي للدولة (٢).
والفاطميون الإسماعيليون هؤلاء باطنيون لا يلتزمون بأركان الإسلام فهم يعتقدون أن صلاتهم في باطنهم وزكاتهم لا يدفعونها إلا إلى قادتهم (٣) ولا يثقون بأي مسلم ولا يتعاملون مع المسلمين إلا بقدر ما يخدمون مصالحهم ويساعدهم في نشر عقيدتهم.
وعلى هذا المنوال، كانت السياسة في هذا العصر في الديار المصرية، وما حولها. وقد بذل الإسماعيليون كل جهودهم لنشر مذهبهم في مصر، ووجدوا أن جذورهم في مصر غير عميقة فبحثوا
_________________
(١) الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد (ت: ٥٤٨ هـ)، الملل والنحل، تصحيح أحمد فهمي محمد، ط ١، (القاهرة: مطبعة حجازي،١٣٩٨ هـ)، ١/ ١٩٣.ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي القرطبي الظاهري (ت: ٤٥٦ هـ) الفصل في الملل والأهواء والنحل، (القاهرة: مكتبة الخانجي) ٥/ ٣٣. قلت: ومن أراد أن يستزيد في هذه الفرق الضالة، فعليه بكتب الفرق والملل والنحل (ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل، الملل والنحل للشهرستاني، ابن كثير في البداية والنهاية، وكتب العقيدة الصحيحية للإمام الطحاوي، وابن تيمية، وابن القيم وسلفنا الصالح- رحمهم الله تعالى).
(٢) ابن الأثير أبو الحسن عز الدين، علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، (ت: ٦٣٠ هـ) الكامل في التاريخ، (بيروت: دار صادر، ١٤٠٢ هـ)، ٩/ ٣١٤. ابن كثير، مرجع سابق، ١٢/ ٩. الذهبي، دول الإسلام، مرجع سابق، ١/ ٢٣٩.
(٣) حسن، مرجع سابق، ٣/ ٢٨٧.
[ ٢٢ ]
عن بديل، وراحوا إلى الشام فأوى بعضهم إلى منطقة جبلية (١).
لقد خرج الفاطميون على الناس بمذهب جديد يقوم على تقديس الأشخاص.
وفي سنة إحدى وأربعمائة (٢)، هلك الحاكم بأمر الله-منصور بن العزيز بن المعز العبيدي الإسماعيلي، وأُعدم في شِوال بالجبل المقطم، وله ست وثلاثون سنة، فقد جهزت (٣) أخته-ستُ الملك على مَن قتله غيلة، فظفر به.
ثم جاء ابنه الظاهر لدين الله فكان أسوأ من أبيه (٤)، بل إنه هادن النصارى، فأذن للنصارى بفعل ما منعهم منه أسلافه (٥).
ولكن هذه الدولة كانت تسير نحو نهايتها، فقد كان الشعب المصري المسلم يكرههم، إلى جانب التفرق الذي دب بينهم، فما أن مات الظاهر بأمر الله حتى أصبح ابنه المستنصر بالله خليفة له، لا يستطيع أن يدير الأمور بل صار ألعوبة بيد الوزراء يفعلون ما يشاؤون حتى عمت الاضطرابات، والفوضى، سنة سبع وعشرين وأربعمائة-أي قبل وفاة شيخنا بثلاثة أعوام. وحكم المستنصر بالله، ستين سنة لم يَجِدَّ فيها يوم دون اضطرابات، أو فوضى. وظلت الفوضى تعم البلاد التي يحكمونها حتى آخر واحد فيهم، وهو العاضد لدين الله، ولم تهدأ الاضطرابات حتى خلع المتظاهرون هذا العاضد، سنة سبع وستين وخمسمائة، ثم انقلب الحكم بعد ذلك إلى الدولة الأيوبية.
_________________
(١) شلبي، مرجع سابق، ٥/ ١٤٨.
(٢) ابن العماد، أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد العَكري الحنبلي، (ت: ١٠٨٩ هـ)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ت: محمود الأرناؤوط وخرج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط، ط ١، (دمشق: بيروت: دار ابن كثير،١٤٠٦ هـ- ١٩٨٦ م) ٣/ ١٩٣.
(٣) الذهبي، العبر في خبر من غبر، مرجع سابق، ٢/ ٢١٩. وجهزت القوم تجهيزا إذا تكلفت لهم بجهازهم للسفر. ابن منظور، لسان العرب، ٥/ ٣٢٥.
(٤) ابن العماد، مرجع سابق، ٣/ ١٥٠.
(٥) حسن، مرجع سابق، ٣/ ٤٨٠.
[ ٢٣ ]
وهكذا نجد أن عصر الإمام الحَوفي السياسي، كان سيئا تعمه الفوضى والاضطرابات، وتلك الاضطرابات، أو هذه الفوضى تؤدي-ولا شك-إلى انفصام بين الحكام والمحكومين، كما نشأت عنها التقاليد، والعادات المبتدعة البعيدة عن الدين (١)، وهكذا هدم الحاكم بأمر الله الكنائس سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة (٢).
_________________
(١) شلبي، مرجع سابق، ٥/ ١٥٤.
(٢) الذهبي، تاريخ الإسلام ت بشار، ٩/ ١٩٨.
[ ٢٤ ]